09‏/10‏/2016

عن الحرب 8

عن الحرب 8

  يقع التأثير الأولى والمباشر لأنشطة العدو على الجندى كشخص ودون أن تؤثر عليه فى نطاق عمله كقائد .

   الطريقة الثانية التى تؤثر فيها مقاومة العدو على القائد مباشرة هى الخسائر التى تسببها إطالة المقاومة ، وكذلك التأثير الذى يفعله ذلك على احساسه بالمسئولية . كما أن القلق العميق الذى 
سيساوره يؤثر على قوة إرادته ويضعها على المحك ، مع أننا نعتقد أن ذلك وفى جميع الأحوال 
ليس العبء الأكبر الذى على القائد تحمله ، لأنه ليس مسئولا سوى أمام نفسه ، ومع ذلك فكل 
التأثيرات لأخرى لأعمال العدو والتى سيعيشها الرجال الذين بإمرته ستنعكس من خلالهم عليه .

   طالما كانت الوحدة تقاتل برغبة وعن قناعة ، وبروحية جيدة وحماس ، فلن تدعو الحاجة إلى قوة إرادة كبيرة إلا نادرا ، إلا أنه وحالما تلوح فى الأفق بعض المصاعب أو الظروف السيئة ، وكما ولابد سيحدث دائما ، وعندما لم تعد الأمور تسير كالماكينة الحسنة التزييت . ستبدأ الماكينة نفسها عندئذ المقاومة وسيحتاج القائد إلى قوة إرادة هائلة للتغلب على هذه المقاومة 


 لا تحتاج مقاومة الماكينة لأن تتضمن طاعة واعتراض وأن حصل ذلك كثيرا بين الجنود كأفراد .

 بل ما يهم هو تأثير انحسار أو تقلص القوى المادية والمعنوية ، الناجمين عن المشاهد التى تدمى القلوب للجرحى والقتلى والتى على القائد الصمود أمامها – أولا بنفسه هو ، ومن ثم لدى كل أولئك الذين وثقوا به بمشاعرهم و أفكارهم وآمالهم ومخاوفهم مباشرة أو غير مباشرة .   


  ومع تلاشى قوة كل رجل ، ولحظة إدراكه أنها لم تعد تستجيب لإرادته ورغباته فإن التراخى والقصور الذاتى يلقى أعبائه تدريجيا على قوة إرادة القائد وحده . وعلى القائد بقوته وحماسه الروحى أن يحيى شعلة الخماس من أجل الهدف لدى كل الآخرين ، وأن يحيى بقواه وناره الداخلية آمالهم ، وبالقدر الذى سينجح فيه بهذا الصدد فسيغدو بوسعه إحكام وإدامة سيطرته على رجاله ، وحال فقدانه لهذه السيطرة ، وحالما تعجز شجاعته الشخصية عن استثارة شجاعة رجاله ، فسيجروه إلى عالم الغباء المتوحش ، حيث يسيطر الخوف ويفر الجميع أمام الخطر وينعدم الحياء .          
 تتزايد أعباء القائد مع تزايد أعداد الرجال الذين تحت قيادته ، لذلك وكلما علا مركزه كلما زادت قوة الشخصية التى يحتاجها لتحمل عبء المسئولية الملقاة على عاتقه .

   من بين جميع المشاعر التى تذكى حماس الرجل فى المعركة ، فليس أيا منها ، وهذا ما يجب أن نقر به ، أقوى وأكثر ثباتا ، من التطلع إلى الشرف والشهرة .

   يحدد لنا الصمود   Staunchnessمقاومة الإرادة لضربة منفردة ، أما التحمل Endurance فيشير إلى إطالة المقاومة .

الاختلاف بينهما كبير ولا يمكن أن نخطأه ، فالصمود فى مواجهة ضربة واحدة قد يكون نتيجة لعواطف قوية ، بينما يساعد الذكاء فى إدامة التحمل .

   السيطرة على النفس – أى الموهبة فى المحافظة على الهدوء حتى فى أشد المواقف حرجا – تتجذر فى الطبع الانسانى ، وهى بحد ذاتها شعور يعمل على موازنة المشاعر العاطفية فى الشخصيات القوية دون تدميرها . إن الشخصية القوية هى تلك التى لا تفقد توازنها ولا بتأثير أقوى العواطف .

   لو تمعنا فى مسألة اختلاف الرجال فى ردود أفعالهم العاطفية فسنجد

-          أولا : مجموعة منهم لا يمكن استثارتها إلا قليلا ، ويعرف هؤلاء ب " البلداء " أو " اللامبالين " . 
-         ثانيا : هناك رجال شديدو الفعالية حد التطرف ، إلا أن مشاعرهم لا تعلو حد معين ، رجال نعرف أنهم حساسون إلا أنهم هادئون .

-         ثالثا : هناك صنف ثالث من الرجال يسهل تأجيج عواطفهم بسهولة ، رجال يتوقد اهتياجهم فجأة ، إلا أنه يستنفذ ويخمد بسرعة ، كالبارود . وأخيرا نصل إلى ذلك النوع من الرجال الذين لا يتأثرون أمام القضايا الصغيرة ، والذين تتصاعد ردود أفعالهم تدريجيا وليس بشكل مفاجئ ، إلا أن عواطفهم تتضمن قوة كبيرة ومتينة . وأولئك هم الرجال ذوى المشاعر القوية والعميقة والخفية .
   يصعب جدا افقاد البلداء والأغبياء توازنهم ، إلا أن النقص الفظيع فى النشاط والفاعلية يمكن أن يعتبر قوة فى الشخصية . ولا يمكن أن ننكر مع ذلك أن رباطة الجأش لدى رجال كهؤلاء تعطيهم فائدة محدودة فى الحرب ، انهم نادرا ما يستثارون بقوة ، وتنقصهم المبادأة وروح الإبداع وعليه فهم ليسوا فعالين بشكل خاص ، وبالمقابل فهم نادرا ما يقعون أو يرتكبوا أخطاء خطيرة ( من لا يعمل لا يخطأ – المترجم ) .

   أما النقطة البارزة حول رجال المجموعة الثانية ، فهى أن أشياء تافهة ثانوية قد تحفزهم للعمل ، فى الوقت الذى قد تذهلهم وتشل حركتهم أشياء بالغة الأهمية . هذا النوع من الرجال قد يندفع بسعادة غامرة لمساعدة انسان ما ، إلا أن كارثة تعم شعبا بكامله قد لا تثير فيه سوى القليل من الحزن والأسى ، بل إنها لن  تدفعه إلى العمل


   لا يظهر رجال كهؤلاء نقصا فى الطاقة أو التوازن فى الحرب لكن لا يحتمل أن ينجزوا أى شئ ذا قيمة ما لم يتوفر لهم فكر بالغ القوة لإعطائهم الحافز المطلوب . إلا أن من النادر وجود مزيج يجمع بين طبع كهذا وفكر مستقل و قوى . 

0 التعليقات: