31‏/10‏/2016

ثروة الأمم 9

ثروة الأمم 9

أصل النقد واستعماله

   عندما استقر تقسيم العمل ورسخ رسوخا تاما ، صار نتاج عمل الإنسان الخاص لا يلبى قسما ضئيلا من احتياجاته .

   ويقال إن الماشية ، فى العصور القديمة للمجتمع ، كانت وسيلة التجارة الشائعة ، فنحن نجد أن الأشياء كانت فى الأزمنة القديمة تثمن بعدد من رءوس الماشية التى بذلت بدلا عنها ، ويقول هوميروس إن ثمن درع ديوميد كان تسعة ثيران ، ينما كان ثمن درع غلوكس مئة ثور ،

 ويروى أن الملح هو وسيلة التجارة الشائعة فى الحبشة ، ومثله نوع من لأصداف فى بعض أنحاء ساحل الهند ، وسمك القد المجفف فى نيوفاوند لاند ، والتبغ فى فرجينيا ، والسكر فى مستعمراتنا الهندية الغربية ، وجلود الحيوانات المدبوغة أو غير المدبوغة فى بعض البلدان الأخرى .    
         
   وثمة حتى اليوم قرية فى اسكتلندا ، حيث مازال بعض أصحاب الصنائع يحملون فيما روى لى ، حفنة من المسامير بدلا من النقود إلى المخبز أو إلى بائع الجعة .


   ولكن يبدو أن الناس فى جميع البلدان قد عقدوا العزم جراء أسباب قاهرة ، على إيلاء الأفضلية فى هذا الاستعمال للمعادن دون سائر السلع ، فالمعادن ، فضلا عن كونها قابلة للحفظ بخسارة قليلة كأية سلعة أخرى ، إذ نادرا ما يوجد لها نظير غير قابل للتلف مثلها ، 

يمكنها أيضا أن تقسم من دون خسارة إلى أى عدد من الأجزاء ، كما يمكن لهذه الأجزاء أن تتحد عبر الصهر ثانية ، وهذه صفة لا تضارعها فيها أية من السلع الباقية الأخرى ، كما أنها الصفقة التى تجعلها ، أكثر من غيرها من الصفات ، أليق استعمالا فى التدوال والتجارة .

   وقد استعملت مختلف الأمم معادن مختلفة لهذه الغاية ، فالحديد كان أداة التعامل التجارى الشائع بين الإسبرطيين القدماء ، والنحاس كان متدولا بين الرومان ، والذهب والفضة عند الأمم الثرية والتجارية .

   ويبدو أن هذه المعادن قد استعملت أولا لهذا الغرض على هيئة سبائك غفل من دون ختم أو سلك .
   وكان استعمال المعادن فى هذا الوضع البدائى يقترن بعيبين كبيرين :

 أولا ، الإزعاج الناشئ عن تمحيصها ، تستلزم عملية الروز والوزن بدقة ، أوزانا وموازين دقيقة .

   ولابد أن الناس كانوا ، قبل اعتماد النقد المسكوك ، يتعرضون دائما لأكبر الاختلاسات والغرامات ، ما لم يلجأوا إلى هذه العملية العسيرة والمتعبة ، وبدلا من أن يحصلوا على زنة باوند من الفضة الصافية ، أو النحاس الصافى ، ربما حصلوا مقابل سلعهم على تركيبة مزيفة من أرخص المعادن وأخشنها ، مما عولج فى مظهره الخارجى  يشبه تلك المعادن . 

وللحؤول دون تجاوزات كهذه ، وتسهيل المبادلات ، وتشجيع كافة أصناف الصنائع والتجارة من خلال ذلك ، توصل الناس فى جميع البلدان التى خطت خطوات هامة على طريق التطور ، إلى ضرورة وضع ختم رسمى على بعض الكميات المحددة من المعادن المعينة التى يشيع فى هذه البلدان استعمالها لشراء السلع .

   إن الإزعاج والصعوبة الناجمين عن زنة هذه المعادن بدقة أفضيا إلى اعتماد النقود المعدنية التى كان يفترض فى الختم الذى يغطى وجهيها وأطرافها أحيانا ، أن يثبت وزن المعدن فيها فضلا عن نقاوته . لذلك كانت هذه النقود المعدنية تتداول عدا كما هى الحال اليوم ، ومن دون تجشم عناء وزنها .


   ويبدو أن هذه تسميات هذه النقود المعدنية كانت تعبر أصلا عن كمية المعدن التى تحتوى عليها ، كان الأس الرومانى أو البوندو يحتوى على باوند رومانى من النحاس الجيد ، وكان الباوند الإنجليزى الإسترلينى ، فى عهد إدوارد الأول ، يحتوى على باوند من الفضة ذات النقاوة المعروفة .    

 وكانت البنيز الإنجليزية ، والفرنسية ، والإسكتلندية تحتوى فى الأصل ، كلها على زنة بنى من الفضة ، أى جزء من عشرين الأونصة ، وجزء من مئتين وأربعين من الباوند ، كما يبدو أن الشيلنغ أيضا كان اسما لأحد الأوزان .


   أفضى بخل الملوك والدول صاحبة السيادة وجورهم واستهتارهم بثقة رعاياهم إلى تخفيض تدريجى لكمية المعدن الحقيقية التى كانت قائمة أصلا فى نقودهم المعدنية ، فالأس الرومانى اختزل فى أواخر أيام الجمهورية إلى جزء من أربعة وعشرين من قيمته الأصلية ،

 وبدلا من أن يزن باوند بات يزن نصف أونصة ، أما الباوند والبنى الإنجليزيان فيحتويان على ثلث قيمتهما الأصلية فحسب ، والاوند الإسكتلندنى على حوالى جزء من ستة وثلاثين جزءا ، والباوند والبنى الفرنسيان على جزء من ستو وستين جزءا من قيمتهما الأصلية .       

          
 وقد تمكن الملوك والدول ذات السيادة الذين قاموا بهذه العمليات ظاهريا من تسديد ديونهم والوفاء بالتزاماتهم ببذل كمية من الفضة أقل مما كان مطلوبا منهم ، كان ذلك ظاهريا فعلا ، ذلك لأن الدائنين قد قد احتلس جزء مما هو مستحق لهم ، وقد منح كافة الدائنين فى الدولة الامتياز ذاته وبات فى وسعهم أن يسددوا بالقيمة الاسمية للنقد المخفض الجديد كل ما كانوا قد اقترضوه بالنقد القديم .   

 وقد كانت عمليات كهذه دائما ملائمة للمديونين ، وهادمة لمصالح الدائنين ، وقد تسببت أحيانا بانقلابات فى مصائر الأفراد العاديين أشد وأعنف مما قد تتسبب به كارثة عامة هائلة .



   لابد من الإشارة أولا إلى أن لكلمة قيمة دلالتين ، فهى تعرب أحيانا عن منفعة شئ معين ، وأحيانا تدل على القدرة على شراء سلع أخرى تمكننا منها حيازة هذا الشئ ، فالأولى قد تسمى " قيمة استعمالية " ، والأخرى " قيمة تبادلية " . 

فالأشياء ذات القيمة الاستعمالية الكبرى غالبا ما تكون لها قيمة تبادلية قليلة أو معدومة ، وبالعكس ، فالاشياء ذات قيمة التبادلية الكبرى غالبا ما تكون قيمتها الاستعمالية قليلة  أو معدومة 

 لا شئ أنفع من الماء : ولكنه لا يكاد يشترى به شئ ، ولا يكاد يبادل به شئ ، وعلى العكس ، فالجوهرة لا تكاد تكون لها أية قيمة فى الاستعمال ، ولكنيمكن فى كثير من الأحيان لكمية كبيرة من السلع الأخرى أن تبادل بها . 

0 التعليقات: