24‏/10‏/2016

عن الحرب 59

عن الحرب 59

الشعب المسلح

   عندما تنهض أمة كاملة فى مقاومة مسلحة ، فلن يعود السؤال وقتها هو " ما جدوى وقيمة ذلك الشعب " بل  " ما القيمة الكامنة ، وما الظروف المطلوبة ، وكيف يمكن الإفادة منها " .

   لا تلزم مقاومة مشتتة مثل هذه ، وبفعل طبيعتها الخاصة ، بأعمال رئيسية ، تعرضها لضغوط شديدة فى الوقت والمسافة ، وهى تشبه فى عملها أسلوب التطاير والتبخير ، الذى يعتمد على مساحومدى السطح (المائى) المكشوف ،

 فكلما اتسع المكان ، ومنطقة التماس بين المقاومة وقوات العدو ، كلما اضطر الأخير إلى ترقيق قواته وزيادة انتشارها ، كلما زاد بالتالى تأثير وفاعلية الهياج الشعبى المعادى للغزاة ، وفعل هذه الثورة كفعل الجمرات المتقدة التى لا تبدو للعيان فى استنزاف المقومات الأساسية فى جيش العدو ، 
ونظرا لأنها ستحتاج إلى وقت ما كى تكون مؤثرة فستنشأ حالة من التوتر تتطور بينهما يتفاعل العنصرن ( الطرفان ) ، وإما أن تخف حدة هذا التوتر تدريجيا إلى نوع من الهدوء أو الانفراج إذا تم كبح العصيان فى بعض المناطق ،

 ويستنفذ قدراته ببطء فى أماكن أخرى ، أو على اعكس سيتزايد هذا التوتر فى حدته ويتحول إلى أزمة شديدة ، أو حريق عام يحيط بالعدو مجبرا إياه على ترك البلاد قبل تعرضه لدمار شامل .


   وكى نكون واقعيين ، فلا بد للمرء أن يفكر فى عصيان مسلح عام يحدث ضمن إطار الحرب التى يخوضها جيش نظامى ، على أن ينسق هذا العصيان كأحد عناصر خطة عامة كاملة . 

   وفيما يلى الظروف الوحيدة التى يمكن أن تكون ثورة شعبية ما مؤثرة فيها :

1-   يجب خوض الحرب فى الأجزاء الداخلية من البلاد .

2-   أن لا تحسم تلك الحرب بضربة حاسمة منفردة .

3-   أن تلائم السجايا الشعبية العامة هذا النوع من الحرب .

4-   يجب أن يكون مسرح العمليات كثير الاتساع .

5-   يجب أن تكون المنطقة وعرة وصعبة المسالك ، لكثرة الجبال أو الغابات ، أو الأهوار ، أو بسبب طرق وأساليب الزراعة المتبعة محليا .

   علينا أن نتذكر أن الفقراء من الرجال الذين اعتادوا على تحمل مصاعب الحرمان والأعمال الشاقة ، هم عادة أكثر نشاطا وحيوية وتقبلا للمشاركة فى هذا النوع من الحرب .

   إحدى هذه الخصائص الفريدة التى يتميز بها الريف ، والتى تؤثر كثيرا على العصيان المسلح ، 
هى انتشار وتناثر الحقول ودور السكن ، وفى ظروف كهذه يتحول الريف إلى قطاعات منعزلة ، 

وكثيفة المزروعات والأشجار ، كما تسوء حال الطرق مع تزايد أعدادها ، كما يغدو أمر إسكان القطعات مع الأهلين بالغ الصعوبة وشاقا ، ثم وفوق الخطر من كل ذلك فإن أهم خصائص العصيان المسلح عموما هى إمكانية تكرار أعمال المقاومة وأن على نطاق أصغر فى كل مكان وفى لا مكان ، وحيث يتجمع السكان بدرجة أكبر فى القرى ، 

فبوسع العدو إقامة حاميات صغيرة وسط المجموعات التى تظهر عدائها أو عدم رضاها ، كما يمكن نهب غلالها ومخازنها أو حرقها حتى كنوع من العقوبة .

   لايمكن ولا يجوز استخدام المليشيات والعصابات المسلحة من المدنيين ضد القوة المعادية الرئيسية – ولا بالحقيقة ضد أية قوة معادية بحجم كبير ، فلا يفترض فيها مهاجمة الجزء المركزى (القلب) من قوات العدو ، 

بل مواصلة القضم فى القشور الهشة وحول حافات القوة وأطرافها ، وتعمل على أن تنشط خارج مسرح الحرب – حيث لا يظهر الغازى بقوة – لحرمانه من الاستفادة من تلك المناطق كليا ، على أن تكثف سحب العاصفة هذه حول جوانب العدو كلها كلما واصل تقدمه 

 يكون الشعب فى الأجزاء التى لم تحتل بعد أكثر حماسا لحمل السلاح ضد الغزاة ، وسيكونون المثل الحسن الذى يقتدى به الآخرون تدريجيا ، وسيتسع اللهيب الثورى بتأثير جذوات النار هذه حتى تصل إلى المنطقة التى تمركز العدو فيها كقاعدة له ،

 مهددين خطوط مواصلاته بل ومنشآته ووجوده كذلك ، ولا حاجة للمرء بالاندفاع بعيدا فى إيمان مبالغ به فى قوة عصيان ثورى عام ، معتبرا إياه كقوة لا تقهر ولا تنتهى ، أو كأن جيش العدو غير قادر على إيقافه أو كبحه كإعصار يعجز الانسان عن التحكم به ، أو كسيول المطر – الخلاصة ، 

يجب أن لا نرسى أحكامنا على الروح الوطنية دفعة واحدة وإلى حد إقناع أنفسنا بأن الأنصار المسلحين سيصمدون أمام العدو كالقوات المنظمة ، أو كفصيل من الجنود ، فسيتماسك هؤلاء بشدة فى وجه الخطر ويلتفون حول قائدهم كقطيع الماشية ماشيين وراء رئيسهم ، أما الأنصار، وعلى العكس من ذلك فسيتفرقون بسرعة فى كل الاتجاهات ، ولا حاجة بهم إلى خطط خاصة فى مثل هذه المواقف .

   وإجابة العدو الوحيدة على أعمال المليشيات هى إرساله وباستمرا لقوات حماية  لأرتاله ، وفى وضع جماعات الحرس فى أماكن التوقف ، والجسور ، والمضائق وغيرها ،

 وقد تكون التأثيرات الأولية لأعمال المليشيا ( الأنصار ) طفيفة وقليلة الأهمية ، وكذلك ستكون المفارز الأولى بسبب مخاطر التجزأة والتشتت ، إلا أن شرارات العصيان ستنتقل سريعا على أيدى تلك المفارز الصغيرة ، التى قد تكون أحيانا كبيرة بأعدادها ، وستزداد فى جرأتها ورغبتها بالقتال ، وستزداد حدة التوتر بالمقابل حتى يصل ذروته التى ستحسم الموقف .

   لذلك نرى أن لا تتحول المقاومة التى تنظمها ثورة عامة إلى قوة مادية كبيرة وثقيلة ، وأن تقتصر على كونها قوة غامضة غير محددة وسريعة التملص أو الاختفاء ، وإلا لاستطاع العدو توجيه قوة كافية إلى مركز المقاومة وسحقها ، وأخذ الكثير من الأسرى ، ولذلك إن حدث تأثير سلبى قوى على الجماهير ، إذ ستصاب بخيبة أمل وتحس بشئ من الخوف وستظن أن الأمر انتهى ، وأن لا جدوى لأى مزيد من الجهد ، وسيلقون السلاح 

 من الناحية الأخرى ، لا بد من التحشد فى نقاط معينة ، فلابد أن يتكاثف الضباب مشكلا كتلة معتمة ومخيفة من السحب ، يمكن أن تنفجر منه صاعقة من الرعد فى أية لحظة ،

 أما موقع نقاط التحشد تلك فستكون على الأكثر ، وكما سبق لنا القول ، على جانبى مسرح عمليات العدو ، أى حيث على الثوار تشكيل وحدات كبيرة ، أفضل تنظيما، مع نسبة من القوات النظامية تبدو وكأنها جيشا متكاملا ، ولمساعدتها فى تحمل وتنفيذ عمليات أكبر ،

 ومن تلك المناطق يمكن زيادة قوة العصيان لاقترابها من مؤخرات العدو التى تعد واهنة أمام ضرباتها القوية ، كلما تزايد حجم المجموعات المرسلة لإزعاج العدو ، كلما ازداد حجم الوحدات التى يرسلها هذا لمجابهتها ، إذ ستزيد هذه المجموعات من المصاعب التى يواجهها العدو ، ومن مخاوفه كذلك ، كما تعمق التأثير المعنوى للعصيان ككل ، 

وبدون ذلك فلن يكون للعصيان الشعبى ذلك الانطباع القوى التأثير ، كما لن يشكل الموقف العام أية ضغوط أو مخاوف كبيرة للعدو بما يفرض عليه المزيد من الحذر .
 


0 التعليقات: