09‏/10‏/2016

عن الحرب 9

عن الحرب 9

   تظل العواطف المتأججة ، والمشاعر السريعة الاستثارة قليلة الجدوى عموما فى الحياة العملية ، وبالتالى ستظل قليلة الجدوى كذلك فى الحرب . 

فايقاعاتها قوية إلا أنها قصيرة فإن أمكن الجمع بين طاقة رجال كهؤلاء وشجاعة وطموح ، فإنهم غالبا ما يثبتون كفاءة عالية فى مستويات القيادة المتوسطة ، وذلك ببساطة لأن الأعمال التى يتولى صغار الضباط تنفيذها وإدارتها لا تستغرق الكثير من الوقت .  
 
  وغالبا ما يكفى فى مواقف وحالات كهذه قرار شجاع واحد ، أو انفجار قوة عاطفية . إن الصولة الجريئة هى عمل لبضعة دقائق ، بينما قد يستغرق القتال الضارى يوما بكامله ، أما الحملة فقد تستمر لعام كامل .

   غالبا ما تكون هناك ثغرة ( فجوة ) ما بين المبادئ والأحداث الواقعية ، والتى لا يمكن سدها  (تجسيرها) بسيل من الاستنتاجات المنطقية ، لذا لابد من درجة معقولة من الثقة بالنفس ، كما أن نسبة من الحذر ( التشكك ) مفيدة أيضا . ولا يمكن غالبا لأقل من مبدأ أساسى وملزم ، أن يكون كافيا ، وهو ليس جزء مباشرا من العملية الفكرية ، بل يتحكم فيها . ذلك المبدأ هو أن على المرء وفى جميع الحالات بالشكوك ، التمسك برأيه الأول ورفض تغييره ما لم يضطر إلى ذلك بتأثير قناعات واضحة وأكيدة .  لابد من ثقة قوية بالحقيقة الطاغية للمبادئ موضع التجربة ، وأن لانسمح لحيوية وتدفق الانطباعات العابرة والآنية أن تنسينا أن حقائقا كهذه وكما هى أقل أثرا . بإعطاء الأسبقية ، فى حالة الشك ، إلى قناعاتنا الأولية وبالتمسك بها بعناد سنحقق تلك النوعية من الثبات والإصرار التى يعبر عنها بقوة الشخصية .

   ليس العناد انحطاطا فكريا ، العناد هو عيب فى الطبع ، يتولد العناد وعدم تحمل المعارضة من نوع خاص من الأنانية ، التى تصنع رضاها وسعادتها باستقلالها الفكرى الذى على الآخرين الانحناء أمامه ، فوق أى شئ آخر . يمكن أن يعتبر ذلك غرورا Vanity ، إن لم يكن شيئا أكبر من ذلك حتى ، يرضى الغرور بالمظاهر وحدها ، أما العناد فيريد أشياء ملموسة وواقعية .
   الاحساس المكانى المقدرة الشخصية السريعة والدقيقة على الإحاطة بطبوغرافية ( سطح ) الأرض لأية منطقة والتى تمكن الرجل من معرفة طريقه وسطها فى أى وقت .

  فإن انعدمت ملكة التخيل كليا فسيصعب عندها جمع التفاصيل فى صورة واضحة ومتماسكة .

   الحرب ورغم أنها قد تبدو غير معقدة ، لا يمكن شنها وإدارتها بشكل متميز إلا من قبل رجال من طراز عال وقرات فكرية عالية جدا .

   علينا أن نصر مرة أخرى : فما من قضية أكثر شيوعا من قضية الضابط الذى تتناقص قدرته مع رقيه فى سلم الرتب ونيله لمناصب فوق مستوى قابلياته .

   هناك فجوة واسعة ما بين القائد العام – القائد ( الجنرال ) الذى يقود الجيش ككل ، أو القائد فى ساحة العمليات – وبين أقدم الجنرالات الذى يليه مباشرة ، لسبب بسيط هو أن : المستوى الثانى ( الأدنى ) يخضع لسيطرة وإسراف شديدين ، وبالتالى لا يحظى إلا بنطاق أضيق من الاستقلال الفكرى .       
                   

   لذا يعتقد الناس أن القدرة الفكرية العالية حكر لمن هم فى قمة سلم القيادة ، وأن الذكاء العادى كاف لانجاز كل الواجبات والأعمال الأخرى بكفاءة . وهكذا فإن جنرالا ذو مسئوليات أقل ، أى ضابط قد شاب شعره فى الخدمة ، وتبلد عقله بسبب العديد من سنين الروتين ، غالبا ما يعد من الذين اكتسبوا من جراء ذلك غباء متخما ، قد يحترم لرتبته ومنصبه إلا أن سذاجته تدفعنا إلى السخرية منه .  

 كل ما نريده هو استعراض كما هو ، كى لا يعتقد القارئ أن بوسع رجل شجاع ولكنه غبى أن يحقق أية أعمال باهرة فى الحرب . 

0 التعليقات: