24‏/10‏/2016

عن الحرب 60

عن الحرب 60


   بوسع القائد تأطير وتوجيه العصيان الشعبى ، بإسناد العصاة بوحدات (مفارز) صغيرة من الجيش النظامى ، وبدون مثل هذه القطعات النظامية المرسلة للتشجيع وكسب الثقة ، فلن تتنامى الثقة بين أبناء الشعب ولن يبادروا إلى حمل السلاح ، وكلما زادت قوة الوحدات المكلفة بهذا الواجب ، كلما كانت أكثر فاعلية وإلفاتا للنظر وكلما طالت مدة بقائها وكبرت كتلتها النهائية .

   كما أن التجارب من الناحية الأخرى تظهر لنا أن وضع الكثير جدا من الوحدات النظامية فى منطقة ما ، جدير بالقضاء على حيوية وفاعلية العصيان الشعبى من خلال جذب الكثير من قطعات العدو بالمقابل ، يضاف إلى ذلك أن المواطنين سيلقون بالكثير من الأعباء على القوات النظامية ، وأخيرا فإن تواجد أعداد كبيرة من القوات النظامية سيثقل كاهل الموارد المحلية بطرق ووسائل أخرى ، أى من خلال الإيواء ، والتنقل والإعاشة وغيرها .

   الوسيلة االأخرى فى تجنب ردود فعل معادية ومؤثرة ضد الثورة الشعبية هى ، وفى الوقت نفسه ، واحدة من المبادئ الأساسية للعصيان الثورى ، وهى فى قلة او عدم القبول نهائيا بتحول هذه الوسيلة الاستراتيجية المهمة فى الدفاع إلى دفاع تعبوى ،

 فالأعمال الثورية تشبه فى خاصيتها لانواع القتال الأخرى التى تخوضها قطعات من الدرجة – الثانية والتى تبدأ عادة بحيوية وحماس كاملين ، إلا أنها تخلو من الحصافة والدقة والتماسك على المدى البعيد ، وأكثر من ذلك ، فليس مهما دحر وتشتيت قوة عصابات – فهذا هو ما أعدت له – على أن لا يتم الاندحار عبر موت وأسر الكثير من الرجال ،

 أو إصابتهم بجراح إذ سرعان ما سيؤدى اندحار كهذا إلى إخماد روح الحماس ، وكل من هاتيك الخصائص تعد غريبة تماما عن طبيعة الدفاع التعبوى ، إذ يجب ان يتسم العمل الدفاعى بالبطء والإصرار ، والحسابات الدقيقة ، وأن يتسبب بمخاطر أكيدة ، لأن أية محاولة مجردة وغير جادة ويمكن إلغائها ساعة نشاء لا يمكن أن تقود إلى أى دفاع ناجح .


   فبغض النظر عن مدى شجاعة الشعب ، ولا عما تتضمنه تقاليده من حماس وتضحية حربية ، وبغض النظر عن شدة وعمق حقده على العدو ، ومهما كانت الأرض التى تتحرك الثورة ضمنها ملائمة للقتال ، فلن يغير كل ذلك الحقيقة القائمة فى عجز الثورة الشعبية عن إدامة نفسها واستمرارها عندما تكون الظروف السائدة مليئة بالمخاطر ، لذلك فإن أريد لوقودها السريان فى الهشيم والتحول إلى حريق هائل ، فيجب ألا تتجاوز حدودا بعينها وحيث يتيسر لها ما يكفى من الهواء ، إذ لا يمكن إخماد ثورة ما بضربة واحدة .


   على الحكومة أن لا تفترض مطلقا أن مصير بلدها ، ووجوده كلية ، معلق على نتيجة معركة واحدة ، مهما كانت قوة أو درجة حرارة حسمها ، إذ وحتى بعد الاندحار هناك وعلى الدوام إمكانية انقلاب الحظ بفعل تطوير واستغلال لموارد جديدة للقوى الداخلية ، أو من خلال المعاناة الطبيعية والمتتالية التى تقاسيها كل الأعمال التعرضية على المدى البعيد ، أو بفعل مساعدات خارجية .
   المهم فى الحرب ، وأكثر مما فى اى شئ آخر ، هو الكل الذى يتحكم فى كافة الأجزاء ، 

ويطبعها بطابعه ، ويغيرها جذريا ، وعلى العكس ، يبدو من الضرورى الابتداء بتفحص دقيق لمختلف الاجزاء كمكونات أساسية مستقلة ، ولو لم نتقدم من البسيط إلى المعقد فقد كنا سنضيع وسط الضباب الكثيف للمفاهيم الهشة ، وعلى الأخص أشهرها غموضا .


   ليس الدفاع ، وكما رأينا سوى الشكل الأقوى للقتال ، فالإبقاء على القوات المقاتلة لطرف ما ، وتدمير قوات العدو – أى بكلمة موجزة .. الانتصار – هو جوهر هذا الصراع ، إلا أنه لا يمكن أن هدفه النهائى .


   فالهدف النهائى هو المحافظة على دولة هذا الطرف ، وتدمير دولة العدو ، وإيجاز مرة أخرى ، التوصل إلى معاهدة السلام المرجوة ، والتى ستنهى الصراع وتحقق التسوية العامة .
   من المهم جدا وعلى الدوام ، المحافظة على قواتنا أو ، ووفقا لواقع الحال ، تدمير القوات المسلحة المعادية لا الاحتفاظ بالأرض .



   ما الذى يدفع المدافع إلى التخلى عن ذلك الشكل الأبسط من كل أشكال الحرب الأخرى ، بالدرجة الأولى ، ويلجأ إلى تشتيت قواته فى المكان ؟ يكمن الجواب فى صغر وعدم كفاية الانتصار الذى بوسعه إنجازه بقواته المشتركة ، فلكل انتصار مجال خاص للتأثير . 

0 التعليقات: