11‏/08‏/2014

غياث الأمم في التياث الظلم 13

غياث الأمم في التياث الظلم 13


<الاحتياطات النقدية>

والذي أقطعُ به أن الحاجات إذا انسدَّت فاستمكن الإمام من الاستظهار بالادخار، فحتمٌ عليه أن يفعل ذلك، ولست أرى ذلك من مسائل التحرِّي التي تتقابل فيها مسالك الظنون.
والدليل القاطع على ذلك أن الاستظهارَ بالجنود والعسكر المعقود عند التمكن حتمٌ، وإن بعُد الكفار، وتقاصت الديار، لأن الخطة إذا خلت عن نجدة مُعَدَّة، لم يأمن من الحوادث والبوائق، والآفات والطوارق، وإذا ارتبط النظر بالأمر الكلي وآل الخوفُ والاستشعارُ إلى البيضة والحوزة، فقد عظم الخطر، وتفاقَم الغرر، وصعُب موقعُ تقدير الزلل والخطل، وإذا كان الاستظهار بالجنود محتوماً فلا معوَّلَ على مملكة لا معتضَدَ ولا مستند لها من الأموال، فإنها شوفُ الرجال، ومرتبطُ الآمال، ومن ألِفَ مبادئَ النظر في تصاريفِ الأحوال في الإيالات، لم يخف عليه مَدْرَكُ الحق في هذا المقال.    
وإذا كان منصب الإمام القوام على طبقات الأنام مقتضياً أن يتحرى الأصلحَ فالأصلح، فكيف يليق بنظر ذي تحقيقٍ أن يُبددَ الأموالَ في ابتناء القناطر والدساكر، ويتركَ ما هو ملاذُ العساكر؟
والإطناب في الواضحات يزري بذوي الألباب.
فإذاً يتعيّن على الإمام الاحتفاظُ بفضلات الأموال؛ فإنها تنزِلُ من نجدة الإسلام منزلةَ السور من الثغور.     


غياث الأمم في التياث الظلم 12

غياث الأمم في التياث الظلم 12


فإن قيل: لم تذكروا الأمرَ بالمعروف والنهي عن المنكر.
قلنا: الشرع من مفتتحة إلى مختتمه أمرٌ بالمعروف ونهيٌ عن المنكر، وما يتعلق بالإمام منه ما فصلناه، والدعاء إلى المعروف والنهي عن المنكر يثبتُ لكافة المسلمين، إذا قدموا على ثبت وبصيرة، وليس إلى الرعية إلا المواعظ والترغيب والترهيب، من غير فظاظة وملق.

 ومن ظهر منه الصدقُ والديانة، وتجرد لله تعالى، فأوضح الحق وأبانه، على تخضّع لله واستكانة، ثم زان برفقه شأنه، وما دخل الرفق أمراً إلا زانه  ونجع كلامُه في المستكبرين في زمانهم، المتولين بأركانهم، فإن لم يرعوا؛ لم يكن للرعية المكاوحةُ وشهرُ الأسلحة، ولكنهم يُنْهون الأمور إلى الولاة، ثم إنهم يرون رأيهم في فنون الردع، كما سبق تفصيلُها.     

أما تفصيل القول في الأمر بالمعروف فإنه يحويه كتابٌ يليق بالفقهاء أن يستقصوه

ـ نجدة الإمام وعدته:

ليس يخفي على ذي بصيرة أن الإمام يحتاج في منصبه العظيم، وخطبه الشامل العميم، إلى الاعتضاد بالعَدَد والعتاد، والاستعداد بالعساكر والأجناد؛ فإنه متصدٍّ لحراسة البيضة، وحفظِ الحريم، والتشوف إلى بلاد الكفار، فيجب أن يكون عسكره معقوداً، يرون التطلع إلى أوامره شوفاً مقصوداً، ومطمحاً معموداً، ولا يجوز أن يكون معولُّه المتطوعةَ الذين لا يتنشَّأون إذا نُدِبوا مبادرين؛ حتى يتأهبوا، ويستعدُّوا ويتألَّبوا، ولن تقوم الممالك إلا بجنود مجنَّدة، وعساكرَ مجردة، مشرئبون للانتداب، مهما ندبوا، بعزائم جامعة، وآذانٍ متشوفة إلى صوت هائعة، وهؤلاء هم المرتزقة - الجيش -  لا يشغلهم عن البدار دهقَنَةٌ وتجارة، ولا تلهيهم ترفة ولا عمارة.
فإذا تقرر أنه يتحتم استظهارُ الإمام بالأعوان والأنصار فلا بد من الاستعداد بالأموال. وقد ذكرنا أن الأموال التي يجمعها ويجيبها ويطلبها وينتحيها، تنقسم إلى ما يتعين مصرفه وإلى ما يعم انبساطُه على وجوه المصالح.

وتفاصيل الأقوال في الأموال مذكورة في كتب الفقه

فمن الأموال المختصة بالمصارف الزكواتُ، وهي مصروفةٌ إلى الأصناف الموصوفين في كتاب الله، وسنن رسول الله صل الله عليه وسلم بأوصاف.
والقول في اقدارها ومحالها، وفي مصارفها مذكورٌ في كتابين من الفقه، أحدُهما بكتاب الزكاة، والثاني بكتاب قَسْم الصدقات،    

ومنها أربعة أخماس الفيء. والفيءُ مالُ كافرٍ عُثر عليه من غير إيجاف خيل وركاب، ويدخل تحته الجزية، والأخرجة عند من يراها من العلماء، وأموال المرتدين، وما ينجلي عنه الكفار من غير قتال مرعوبين مذعورين أو مختارين.    

فأربعة أخماس ما وصفناه تختص في ظاهر المذهب بالمرتزقة - الجيش - والجند المترتبين في الإسلام. والقول فيه وفي خُمس الغنيمة، وخُمس الفيء مذكور في كتابٍ مفرد في فن الفقه.     

وأما المال العام فهو مال المصالح، وهو خُمُس خُمسِ الفيء، وخُمس خمس الغنيمة، وما يخلفُه مسلم ليس له وارث خاص، ويلتحق بالمُرْصَد للمصالح مالٌ ضائع للمسلمين قد تحقق اليأس من معرفة مالكه ومستحقِّه

فالذي أذكره في الأموال ثلاثة اشياء يفتقر إليها الإيالة لا محالة:      
أحدها: ذكر ألفاظ وجيزة ضابطة لجمل المصاريف وكلياتها.     
والثاني: في تحقيق القول في أن الإمام هل ينزف مال بيت المال كلَّ سنة، أو يستظهر بذخيرة ليكون من أمره على بصيرة.    
والثالث: تفصيلُ القول فيه إذا نفذت الأموال، وانحسمت مجالبها ومكاسبها، فكيف يكون مضطربُه ومجالُه؟ ومن أين ماله؟ وإلى ماذا يؤول مآله؟ 
    

 فأما القول الضابط في كُلِّيِّ المصارف فأقول: من يرعاه الإمام بما في يده من المال ثلاثةُ أصناف:
صنف منهم محتاجون، والإمام يبغي سدَّ حاجاتهم، وهؤلاء معظم مستحقي الزكوات في الآية المشتملة على ذكر أصناف المستحقين: قال الله تعالى ]إنما الصدقات للفقراء[ الآية. وللمساكين استحقاقٌ في خمس الفيء، والغنيمة كما يفصله الفقهاء، فهؤلاء صنف من الأصناف الثلاثة.

 والصنف الثاني أقوام ينبغي للإمام كفايتُهم، ويدرأ عنهم بالمال الموظِّف لهم حاجتَهم، ويتركهم مكفيين ليكونوا متجردين لما هُم بصدده من مُهِمِّ الإسلام. وهؤلاء صنفان:
أحدهما: المرتَزقةُ، وهم نجدةُ المسلمين وعُدَّتُهم، وَوَزَرُهم وشوكتُهم، فينبغي أن يصرف إليهم ما يرمّ خَلَّتهم، ويسدّ حاجتَهم، ويستغنوا به عن وجوه المكاسب والمطالب، ويتهيأوا لما رُشحوا له، وتكونُ أعيُنهم ممتدَّة إلى أن يُنْدَبوا، فَيَخِفُّوا على البدار، وينتدبوا من غير أن يتثاقلوا، ويتشاغلوا بقضاء أرَبٍ، وتمهيد سبب.      وغرضُنا الاكتفاءُ بتراجم كلية في التقاسيم.
 والفقهاء يستقلون بإيضاح التفاصيل. فهؤلاء صنف من الصنفين المذكورين آخراً.     
والصنف الثاني: الذين انتصبوا لإقامة أركان الدين، وانقطعوا بسبب اشتغالِهم واستقلالهم بها عن التوسّل إلى ما يُقيم أَوَدَهم، ويسدُّ خَلَّتَهم. ولولا قيامُهم بما لابَسُوه، لتعطَّلت أركان الإيمان.
فعلى الإمام أن يكفيهم مُؤَنَهم حتى يسترسلوا فيما تصدَّوا له بفراغ جنان، وتجرُّدِ أذهان، وهؤلاءِ هم: القضاةُ والحكامُ، والقسَّامُ والمفتون والمتفقهون، وكل من يقومُ بقاعدةٍ من قواعد الدين، يُلهيه قيامُه عمّا فيه سدادُه وقوامُه.
فأما المرتزقة، فالمال المخصوص يعم أربعة أخماس الفيء.     
والصنف الثاني يُدِرُّ عليهم كفايتَهم وأرزاقَهم من سهم المصالح، وقد أتى مساقُ التقسيم على صنفين من الأصناف الثلاثة المتقدمين.    

 والصنف الثالث: قومٌ يصرف إليهم طائفة من مال بيت المال على     غِناهم واستظهارِهم، ولا يتوقف استحقاقهم على سدّ حاجة، ولا استيفاء كفاية، وهم بنو هاشم، وبنوا المطلب المسمَّوْن في كتاب الله ذا القربى، فهؤلاء يستحقون سهماً من خمس الفيء والغنيمة من غير اعتبار حاجة وكفاية عند الإمام الشافعي رحمه الله.
وقد شهدت بصحة مذهبه الأخبارُ الصحيحة، والنصوص الصريحة، وسيرُ الخلفاء، ومذاهبُ العلماء قبل ظهور اختلاف الآراء.     
فهذه جملٌ في مصارف أموال بيت المال، يليق بالايالة العظمى حفظُها.
وقد انتهى الغرض في هذا الفن

أما المرتزقة إن توفَّرت عليهم كفايتُهم، وانسدَّت خَلاَّتُهم، وفَضَل من أربعة أخماس الفيء فاضلٌ، فيجب فضّ الفاضل عليهم على أقدار أعطيتِهم وأقساطِهم.    

وأما المال المرصد للمصالح، فلا نتصوَّر انقطاعَ مصارفه.
والإمام يبدأ فيه بالأهم فالأهم، فإن مسَّت الحاجةُ إلى ضم طائفةٍ منه إلى مال المرتزقة، أو صَفِرَ بيت المال عن الفيء، فأهم المصالح تمهيدُ كفايةِ المرتزقة، وإن لم تف الزكوات بحاجات المحاويج سدَّ الإمام حاجاتِهم بمال المصالح.

فإذن مال المصالح مُعَدٌّ لكل مصلحة ليس لها على الخلوص والخصوص مال، وكل مصرِف قَصَر عنه المال المُعَدُّ له، فمالُ المصالح يستتمُّه ويستكمله، ولو فرض زوال الحاجات وارتفاع الضرورات، فهؤلاء يقولون: فاضلُ مال المصالح يبني به الرِّباطاتُ والقناطرُ والمساجدُ وغيرُها من جهات الخير. 

غياث الأمم في التياث الظلم 11

غياث الأمم في التياث الظلم 11


لست أرى للسلطان اتساعاً في التعزير إلا في إطالةِ الحبس
من يتخذ سَنَن الأكاسرة والملوك المنقرضين عمدةَ الدين، ومن تشبث بهذا، فقد انسلَّ عن ربقة الدين انسلال الشعرة من العجين
وإنما ينسلُّ عن ضبط الشرع، من لم يُحط بمحاسنه، ولم يطلع على خفاياه ومكامنه، فلا يسبقُ إلى مكرمةٍ سابقٌ إلا ولو بحث عن الشريعة لألفاها أو خيراً منها في وضع الشرع


ص 87 الكلام علي توبة الزنديق واختياره صحتها
وأما سدُّ الحاجات والخَصاصات فمن أهم المهمات، ويتعلق بهذا ضربٌ من الكلام الكلي، وقد لا يُلْفى مجموعا في الفقه.
فأقول: إذا بنينا على غالب الأمر في العادات، وفرضنا انتفاءَ الزمان عن الحوائجِ والعاهاتِ وضروبِ الآفات، ووُفِّق المثرون الموسرون لأداءِ الزكوات، انطبقت فضلاتُ أموال الأغنياء على أقدار الحاجات.
وإن قُدِّرت آفةٌ وأَزْمٌ وقحط وجدب، وعارضه غلاء في الأسعار تزيد معه أقدار الزكوات على مبالغ الحاجات، فالوجه استحثاثُ الخلق بالموعظة الحسنة على أداءِ ما افترض الله عليهم في السنة. فإن اتفق مع بذل المجهود في ذلك فقراءُ محتاجون لم تف الزكوات بحاجاتهم، فحقٌّ على الإمام أن يجعل الاعتناءَ بهم من أهمِّ أمرٍ في باله، فالدنيا بحذافيرها لا تعدل تضرر فقير من فقراء المسلمين في ضُرٍّ. فإن انتهى نظرُ الإمام إليهم رمَّ ما استرمَّ من أحوالهم من الجهات التي سيأتي عليها شرحنا، إن شاء الله عز وجل.

فإن لم يبلغهم نظرُ الإمام وجب على ذوي اليسار والاقتدار البدارُ إلى رفع الضرار عنهم، وإن ضاع فقير بين ظهراني موسِرين حَرِجُوا من عند آخرهم، وباؤا بأعظم المآثم، وكان الله طليبَهم وحسيبَهم.     

وقد قال رسول الله صل الله عليه وسلم (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يبيتن ليلة شعبان وجاره طاوٍ)، وإذا كان تجهيز الموتى من فروض الكفايات فحفظ مهج الأحياء وتدارك حشاشة الفقراء أتم وأهم.     

فالوجه عندي إذا ظهر الضُّرُّ وتفاقم الأَمر، وأَنشبت المنيَّة أظفارَها، وأَشْفَى المضرورون، واستشعر الموسرون، أن يستظهر كلُّ موسِرٍ بقوت سنة، ويصرفَ الباقي إلى ذوي الضرورات، وأصحاب الخصاصات، ولست أقول: أن منقرض السنة يستعقب انجلاءَ المحن، وانقضاء الفتن على علم أو ظن غالب. ولكن لا سبيلَ إلى ترك الفقراء على ضُرِّهم، ولا نعرف توقيفا في الشرع ضابطاً ينتهي إليه فيما يبذله الموسر وفيما يُبقيه، ورأينا في السنة قواعدَ شرعية تشير إلى هذه القضية، وفي اعتبار السنة أيضا حالة ظنية عقلية.

فأما أمارات الشرع فمن أقربها تعلق وظيفة الزكاة بانقضاء السنة، وكان رسول الله صل الله عليه وسلم يضع لنسائه في أوقات الإمكان قوتَ سنة.     
وأما الأمر العقلي، فقد يُظن أن الأحوال تتبدَّل في انقضاء السنة؛ فإنها مدة الغلاَّت، وأمدُ الثمرات وفيها تحول الأحوال وتزول، وتعتقب الفصول. ثم الباذلون في بذلهم على غرر وخطر. ولكن ما ذكرناه أقْصَدُ معتبر، وما ذكرته بيان ما يسوغ، وليس أمراً مجزوماً، ولا حكما محتوماً، فمن طابت نفسه بإيثار أخيه على نفسه، فالإيثار من شيم الصالحين وسير الموفَّقين.     

05‏/08‏/2014

غياث الأمم في التياث الظلم 10

غياث الأمم في التياث الظلم 10



فائدة:
دخل بعض العلماء على بعض الملوك، فسأله الملك عن الوقاع في نهار رمضان، فقال محبيبا: على من يصدر ذلك منه صومُ شهرين متتابعين.
فقيل للعالم ـ بعد انفصاله عن المجلس ـ أليس إعتاقُ الرقبة مقدما على الصيام في حقِّ المقتدرِ عليه؟ والسائل كان ملكَ الزمان الذي يركع له التيجان. فقال: لو ذكرت له الإعتاقَ، لاستهان بالوقاع في رمضان، ولأعتق عبداً على الفور في المكان. فإذ علمتُ أنه يثقل عليه صومُ شهرين تباعا ذكرته ليُفيدُه ارعواءً وامتناعاً. 
   
 وأنا أقول: إن صح هذا من معتزٍ إلى العلماء، فقد كذب على دين الله وافترى، وظلم نفسَه واعتدى، وتبوأَ مقعده من النار في هذه الفتوى، ودل على انتهائه في الخزي إلى الأمد الأقصى، ثكلته أُمُّه لو أراد مسلكاً رادعاً، وقولاً وازعاً فاجعاً، لذكر ما يتعرض لصاحب الواقعة من سخط الله، وأليم عقابه، وحاقّ عذابِه، وأبان له أن الكفاراتِ وإن أتت على خزائن الدنيا، واستوعبت ذخائر من غَبَر ومضى، لما قابَلت همَّ الخطيئة في شهر الله المعظم وحماه المحرم. وذكر له أن الكفارات لم تثبت مُمَحِّصات للسيئات. وكان يُغْنيه الحقُّ عن التصريف والتحريف.     

فائدة:
ـ ولو ذهبنا نَكْذِبُ الملوكَ ونطبق أجوبة مسائلهم على حسب استصلاحهم طلباً لما نظنه من فلاحهم لغَيَّرْنا دين الله بالرأي، ثم لم نثق بتحصيل صلاح وتحقيق نجاح، فإنه قد يشيع في ذوي الأمر أن علماء العصر يحرفون الشرعَ بسببهم؛ فلا يعتمدونهم، وإن صَدَقُوهم. فلا يستفيدون من أمرهم إلا الكذبَ على الله وعلى رسوله، والسقوطَ عن مراتب الصادقين، والالتحاقَ بمناصب المُمَخْرِقين المنافقين. 
   
 فإن قيل أليس روي أن حد الشرب كان أربعين جلدة في زمن أبي بكر الصديق رضي اللع عنه، ثم رأى عمر رضي الله عنه لما تتابع الناسُ في شرب الخمر، واستقلوا ذلك القدرَ من الجلد، أن يجلدَ الشارب ثمانين، وساعده علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
قلنا: هذا قول من يأخذ العلم من بُعد!!! ليعلم هذا السائل؟ أن عُقوبة الشارب لم تثبت مقدرةً محدودةً في زمن رسول الله صل الله عليه وسلم ، بل روي أنه رُفع إلى مجلسه شارب بعد تحريم الخمر، فأَمر الحاضرين بأن يضربوه بالنعال، وأطراف الثياب، ويبَكِّتوه، ويحثوا الترابَ عليه.
ثم رأى أبو بكر الجلدَ، فكان يجلد أربعين. مجتهداً غيرَ بانٍ على توقيف وتقديرٍ في الحد، ثم رأى عمر ما رأى.
وقد قال علي رضي الله عنه: "لا أَحُدُّ رجلاً فيموت، فأجد في نفسي منه شيئاً من أنَّ الحقَّ قتله إلا شاربَ الخمر: فإنه شيءٌ رأيناه بعد رسول الله صل الله عليه وسلم"
فكأن عقوبةَ الشارب تضاهي التعزيراتِ المفوضةَ إلى رأي الأئمة في مقدارها. وإن كان لا يسوغ الصفح عنها.
فكيف يستجيز السائل أن يتخذ قصة مُشكلةً على الصحابة ملاذَه في تغيير دين المصطفى؟

غياث الأمم في التياث الظلم 9

غياث الأمم في التياث الظلم 9
وأما اعتناء الإمام بسد الثغور فهو من أهم الأمور، وذلك بأن يُحَصِّن أساسَ الحصون والقلاع ويستظهر لها بذخائر الأطعمة، ومستنقعات     المياه، واحتفارِ الخنادق، وضروب الوثائق وإعداد الأسلحة والعتاد، وآلات الصدّ والدفع، ويُرَتِّب في كل ثغر من الرجال ما يليق به. ولا ينبغي أن يكثروا فيجوعوا، أو يقلوا فيضيعوا.
والمعتبر في كل ثغر أن يكون بحيث لو أمه جيش، لاستقل أهلُه بالدفاع إلى أن يبلغ خبرُهم الإمام، أو من يليه من أمراء الإسلام. وإن رأى أن يرتب في ناحيةٍ جُنداً ضخماً يستقلون بالدفع لو قُصدوا، ويشنون الغاراتِ على أطراف ديار الكفار، فيقدّم من ذلك ما يراه الأصوبَ والأصلحَ والأقربَ إلى تحصيل الغرض. والأنجح مُعوَّلاً بعد جِدِّه على فضل ربِّه لا على جِدِّه.    

وأما نفضُ أهل العرامة من خِطة الإسلام، ففيه انتظام الأحكام، ولا تصفو نعمةٌ عن الأقذاء ما لم يأمن أهل الإقامة والأسفار من الأخطار والأغرار، فإذا اضطربت الطرق وانقطعت الرفاق، وانحصر الناس في البلاد، وظهرت دواعي الفساد، ترتب عليه غلاءُ الأسعار وخرابُ الديار، وهواجسُ الخطوبِ الكبار، فالأمن والعافية قاعدتا النعم كلِّها، ولا يتهنا بشيء منها دونها؛ فلينتهض الإمام لهذا المهمِّ، وليُوَكِّل بذلك الذين يخِفُّون وإذا جرى خطب لا يتواكلون، ولا يتخاذلون، ولا يركنون إلى الدَّعة والسكون، ويتسارعون إلى لقاء الأشرار بدار الفَرَاش إلى النار، فليس للناجمين من المتلصصين مثل أن يبادَروا قبل أن يتجمعوا ويتألبوا، وتتحد كلمتهم، ويستقرَّ قدمُهم. ثم يندُب لكل صُقع من ذوي البأس من يستقل بكفاية هذا المهمّ.

وأما زجرُه الغواة، وردعُ الطغاة، بضروب العقوبات فنبسطُ القول فيه قليلا في أحكام الإيالات، فنقول: القول في ذلك ينقسم إلى الزجر بنصب القتال، وإلى إقامة عقوبات ونكال على آحاد الرجال. فأما القتال فالقول فيه يتعلق بقتال أهل البغي، وتفصيلِ صفاتهم وحالاتهم، ودفعهم عن البلاد التي احتوَوا عليها بتقديم العذر أولا. وبالمباحثة عما نَقَموه، وإسعافِهم بمناهم، إن دَعَوْا إلى حق، وادّعَوْا على صدق وإبانةِ حيدهم عن سَنَن الصواب، إن عَرَتهم شائبةُ الارتياب.
فإن أبوا آذنهم بحرب. كل ذلك مذكور مشهور.     

ويتعلق القتال بقطاع الطرق والراصدين للطارقين والمجاهرين بحمل الأسلحة، وذلك مقرر في باب القطّاع بما فيه أكملُ إقناع.
وكل من امتنع عن الاستسلام للإمام والإذعان لجريان الأحكام، فإن لم يكن مع الامتناع منعة وشوكة، اقتُهِر على الطاعة وموافقة الجماعة.     
وإن استظهر الممتنعون بشوكة دُعوا إلى الطاعة، فإن عادوا فذاك؛ وإلا صَدَمهم الإمام بشوكة تفض صَدْمَتهم، وتَفُل غَرْبَهم ومنعتَهم.    


غياث الأمم في التياث الظلم 8

غياث الأمم في التياث الظلم 8

فأما الجهاد فيتعلق به أمر كُلِّيٌّ، وقد يغفل المتجردُ للفقه عنه ، فأقول:     
ابتعث الله محمداً  إلى الثقلين، وحتم على المستقلين بأعباء شريعته دعوتين:    
إحداهما: الدعوة المقرونة بالأدلة والبراهين، والمقصدُ منها إزالة الشبهات، وإيضاح البينات والدعاءِ إلى الحق بأوضح الدلالات.     
والأخرى: الدعوةُ القهريَّة المؤيدةُ بالسيف المسلول على المارقين الذين أبَوا واستكبروا بعد وضوح الحق المبين.     
فأما البراهين فقد ظهرت ولاحت ومُهدت، والكفار بعد شيوعها في رتب المعاندين؛ فيجب وضع السيف فيهم، حتى لا يبقى عليها إلا مسلم أو مسالم.

فيجب إدامةُ الدعوة القهرية فيهم على حسب الإمكان، ولا يتخصص ذلك بأمَدٍ معلوم بالزمان، فإن اتفق جهادٌ في جهةٍ، ثم صادف الإمام من أهل تلك الناحية غِرَّةً واستمكن من فُرصة، وتيسر إنهاضُ عسكرٍ إليهم، تعين على الإمام أن يفعل ذلك.
ولو استشعر من رجال المسلمين ضعفاً، ورأى أن يهادن الكفارَ عشرَ سنين، ساغَ ذلك ؛ فالمتبع في ذلك الإمكان، لا الزمان.     

ومما يجب الإحاطة به أن معظمَ فروض الكفاية مما لا يتخصص بإقامتها الأئمة، بل يجب على كافة أهل الإمكان أن لا يغفلوه ولا يغفلوا عنه، كتجهيز الموتى ودفنهم، والصلاة عليهم.     
وأما الجهاد فموكول إلى الإمام، ثم يتعين عليه إدامةُ النظر فيه على ما قدمنا ذكرَه، فيصيرُ أمرُ الجهاد في حقِّه بمثابة فرائض الأعيان، والسبب فيه أنه تطوَّق أمور المسلمين وصار مع اتحاد شخصه كأنه المسلمون بأجمعهم، فمن حيث انتاط جرُّ الجنود وعقد الألوية والبنود بالإمام، وهو نائبٌ عن كافة أهل الإسلام، صار قيامُه بها على أقصى الإمكان به كصلواته المفروضة التي يقيمها.


04‏/08‏/2014

غياث الأمم في التياث الظلم 7

غياث الأمم في التياث الظلم 7

تفصيل ما إلى الأئمة والولاة
(فيما يناط بالأئمة والولاة من أحكام الإسلام)

فالقول الكلي: أن الغرض استبقاء قواعد الإسلام طوعاً أو كرهاً، والمقصدُ الدين، ولكنه لما استمد استمرارَه من الدنيا كانت هذه القضية مرضية مرعيَّة، ثم المتعلِّق بالأئمة الأمورُ الكلية.     


نظر الإمام في أصول الدين

حفظ الدين بأقصى الوُسع على المؤمنين، ودفع شبهات الزائغين وإلى دعاء الجاحدين والكافرين، إلى التزام الحق المبين.
والقسم الثاني في أصل الدين: السعي في دعاء الكافرين إليه

ارتباط العبادات بنظر الإمام
فإن قيل: ما وجه ارتباط العبادات بنظر الإمام؟     
قلنا: ما كان منها شعاراً ظاهراً في الإسلام، تعلق به نظر الإمام.

فأما الشعار الظاهر الذي لا يتضمن اجتماع جماعات، فهو كالأذان وإقامة الجماعات في سائر الصلوات، فإن عطل أهلُ ناحية الأذان والجماعات، تعرض لهم الإمام، وحملهم على إقامة الشعار، فإن أبوا ففي العلماء من يُسَوِّغ للسلطان أن يحملهم عليه بالسيف، ومنهم من لم يجوّز ذلك. والمسألة مجتهدٌ فيها، وتفصيلها موكول إلى الفقهاء.    
ـ فأما ما لم يكن شعاراً ظاهراً من العبادات البدنية، فلا يظهر تطرقُ الإمام إليه إلا أن تُرفع إليه واقعةٌ فيرى فيها رأيَه.


نظر الإمام في الأمور المتعلقة بالدنيا

فأما ما يتعلق بالأئمة من أحكام الدنيا على الإمام بذلُ كنه الاجتهاد في ابتغاءِ الازدياد في خِطة الإسلام. والسبيلُ إليه الجهادُ ومنابذةُ أهل الكفر والعناد، وعليه القيامُ بحفظ الخِطة. فالتقسيم الأوَّلي الكلي طلبُ ما لم يحصل، وحفظ ما حصل.

والقول في حفظ ما حصل ينقسم إلى حفظه عن الكفار، وإلى حفظ أهله عن التواثب والتغالب، والتقاطع والتدابر والتواصل.     
فأما حفظُ الخِطة عن الكفار، فهو بسدِّ الثغور، وإقامة الرجال على المراصد


وأما حفظ مَن تحويه الخِطة فينقسم إلى ما يتعلق بمراتب الكليات وإلى ما يتعلق بالجزئيات. 
  
فأما ما يتعلق بأمر كلي، فهو نفض بلاد الإسلام عن أهل العرامة والمتلصصين والمترصدين للرفاق، فيجب على الإمام صرفُ الاهتمام إلى ذلك حتى تنتفض البلادُ عن كل غائلة وتتمهد السبلُ للسابلة.     

وأما ما يرتبط بالجزئيات فتحصره ثلاثة أقسام:     
أحدها: فصل الخصومات الثائرة، وقطعُ المنازعات الشاجرة، وهذا يناط بالقضاة والحكام.
وإنما عددنا ذلك من الجزئيات؛ فإن الحكومات تنشأ من الآحاد والأفراد. والغوائلُ من المتلصصين وقطاع الطرق تثبت باجتماع أقوام.
ثم إذا رتَّب السلطان لحسم موادهم رجالاً، لم يثوروا، فيكون ذلك نظرا كليا في كفاية أهم الأشغال. وتصدّي القضاة لفصل الخصومات لا يحسم ثورانَ الخصومة، بل إذا ثارت فصلَها الحكام.
   
والقسم الثاني في نظره الجزئي في حفظ المراشد على أهل الخطة. يكون بإقامة السياسات والعقوبات الزاجرة من ارتكاب الفواحش والموبقات.     
والقسم الثالث: القيامُ على المشرفين على الضياع بأسباب الصون والحفظ والإبقاء والإنقاذ. وهذا يتنوع نوعين:     
أحدهما: بالولاية على من لا ولي له من الأطفال والمجانين في أنفسهم وأموالهم.     
والثاني: في سد حاجات المحاويج.  
 
فهذه جوامع ما يرعى به الإمام مَن في الخطة.
ثم لا يتأتى الاستقلالُ بهذا المنصب إلا بنجدة عظيمة تطبقُ الخِطة وتفضُل عنها، فتتقاذف إلى بلاد الكفار، والنجدةُ بالرجال، ويرتبُ الرجالَ بالعُدد والأَموال. 
  
والأموال التي تمتد يد الإمام إليها قسمان:     
أحدها: ما يتعين مصارفُه.     
والثاني: ما لا يتخصص بمصارفَ مضبوطة، بل يضاف إلى عامة المصالح.  
  
فأما ما يتعيَّن مصرِفُه فالزكاة، وأربعةُ أخماس الفيء، وأربعة أخماس خمس الفيء، وأربعة أخماس الغنيمة، وأربعة أخماس خُمس الغنيمة، فهذه الأموال لها مصارف معلومة مستقصاة في كتب الفقه، وقد نرمز إليها في تفصيل الكلام.
    
وأما المال الذي يعم وجوهَ الخير، وهو الذي يسميه الفقهاء المُرْصَد للمصالح، فهو خُمس خمسِ الفيء، وخُمس خمسِ الغنيمة؛ وينضم إليها تركةُ من مات من المسلمين، ولم يخلف وارثاً خاصًّا، وكذلك الأموال الضائعة التي أُيس من معرفة مالكيها كما سنذكرها.    
فهذه مآخذ الأموال التي يقبضها الإمام ويصرفها إلى مصارفها.    
وقد نجز التقسيم المحتوي الضابط على ما يناط بالأئمة من مصالح الدنيا، وقد تقدم استقصاء القول فيما يتعلق به من أمور الدين.