08‏/09‏/2014

غياث الأمم في التياث الظلم 27

غياث الأمم في التياث الظلم 27
كتاب الصلاة
723 ـ هذا كتابٌ عظيمُ الموقع في الشرع، لم يتشعب أصلٌ في التكاليفِ تشعُّبَه، ولم يتهذب بالمباحث قطبٌ من أقطاب الدين تهذُّبَه. والسبب فيه أنه من أعظم شعائر الإسلام، والناس على تاراتهم وتباينِ طبقاتهم مواظبون على إقامة وظائف الصلوات، مثابرون على رعاية الأوقات، باحثون عما يتعلق بها من الشرائط والأركان والهيئات.
فهي لذلك لا تدرس على ممرِّ الدهور، ولا يمحق ذكر أصولها عن الصدور.
وليس يليق بهذا الكتاب ذكر أصولها وفروعها ومسائلِها، والتنبيه على مُغمَضاتِها وغوائلها؛ فإنها مستقصاةٌ في فن الفقه، وإنما يتعلق بهذا الفن من الكلام فصلٌ واحدٌ جامعٌ يحوي جميعَ الغرض. ونحن نستاقُه على ما ينبغي ـ إن شاء الله عز وجل ـ مفرَّعاً من الأصول التي قدمناها في كتاب الطهارة. فتقول:    
724 ـ ما استمرَّ في الناس العلمُ بوجوبه فإنهم يقيمونه، وما ذهب عن ذكر أهل الدهر جملةً، فلا تكليفَ عليهم فيه، وسقوطُ ما عسُر الوصولُ إليه في الزمان لا يُسقطُ الممكنَ؛ فإن من الأصول الشائعة التي لا تكادُ تُنسى، ما أقيمت أصولُ الشريعة أن المقدورَ عليه لا يسقُط بسقوطِ المعجوز عنه.   

725 ـ وإن اعتراض في هذا الدهر شيءٌ، اختلف العلماءُ في وجوبه كالطمأنينةِ في الركوع والسجود، وعلم بنو الزمانِ الاختلافَ، ولم يُحيطوا بأصحاب المذاهب، أو أحاطوا بهم، ولكن كان دَرَسَ تحقيقُ صفاتهم، وتعذَّرَ على المسترشدين النظُر في أعيان المقلَّدين على ما يليق باستطاعتهم في تخيّر الأئمة، فما يقع كذلك، فقد تعارضَ القولُ بالوجوب فيه ونفيُ الوجوب، فما كان كذلك، فقد يظن الفطنُ أنه يتعين الأخذ بالوجوب بناءً على أن من شك فلم يدرِ أثلاثًا صلَّى الظهرَ أم أربعاً، فإنه يأخذ بالثلاث المستيقنة ويصلي ركعةً أخرى، ويكون الشك في ركعةٍ من ركعات الصلاة كالشك في إقامةِ أصل الصلاة. ولكن هذا رأي بعض الأئمة.

726 ـ وليس هذا المسلك متفقاً عليه بين علماء الشريعة. والنظرُ في هذا من دقيق القول في فروع الفقه، فإذا كان بناءُ الأمر على شغور الزمان عن العلم بالتفاصيل، فليس يليق بهذا الزمان تأسيسُ الكلام على مظنونٍ فيه في دقيق الفقه، فإن ظن العامي لا معوَّل عليه، وقد تعذَّر سبيلُ تأسيس التقليد، وتخيّر المفتين، فالوجهُ القطعُ بسقوط وجوب ما لم يَعلم أهلُ الزمان وجوبَه.

وإن اعترضت صورةٌ تعارض فيها إمكان التحريم والوجوبِ، ولم يتأَتَّ الوصولُ إلى الإحاطة بأحدهما، فهذا مما يسقطُ التكليف فيه رأساً، فهذا يتعلق بأهل الزمان الذي وصفناه.

727 ـ ومما نُجريه في ذلك أنه إذا جرى في الصلاة ما أشكل أنه مفسد للصلاة أم لا، فقد يخطر للناظر أن الأصلَ المرجوعَ إليه بقاءُ وجوبِ الصلاة إلى أن يتحقق براءةُ الذمة منها.

ولكن الذي يجبُ الجريانُ عليه في حكم الزمان المشتملِ على ذكر القواعد الكلية مع التعري عن التفاصيل الجزئية أن القضاءَ لا يجب؛ فإن التفاصيل إذا دَرَسَت، لم يأمن مصلٍّ عن جريانِ ما هو من قبيل المفسدات في صلاته، ولكن المؤاخذةَ بهذا شديدة، ثم لا يأمن قاضٍ في عين قضائه عن قريبٍ مما وقع له في الأداءِ، والأصولُ الكليةُ قاضيةٌ بإسقاط القضاءِ فيما هذا سبيله. 
  
ونحن نجد لذلك أمثلةً مع الاحتواءِ على أصول الشريعة وتفاصيلها؛ فإن من ارتاب في أن الصلاة التي مضت هل كانت على موجَب الشرع؟ وهل استجمعت شرائطَ الصحة؟ وهل اتفق الإتيانُ بأركانها في إبَّانها؟ فلا مبالاةَ بهذه الخطرات؛ إذ لا يخلو من أمثالها مكلَّفٌ، وإن بذل كنهَ جهده، وتناهى في استفراغ جِدِّه.
ثم لا يسلمُ القضاءُ عن الارتياب الذي فُرض وقوعُه في الأداء.

728 ـ فالذي ينبني الأمرُ عليه في عُرُوِّ الزمان عن ذكر التفاصيل أن لا يؤاخذ أهلُ الزمان بما لا يعلمون وجوبَه جملةً باتّة.

729 ـ ومما يُهذَّبُ به غرضُنا في هذا الفن أنه لو طرأَ على الصلاة ما يعلمُ المصلي أنه يقتضي سجودَ السهو؛ فإنه يسجد، ولو استراب في أنه هل يقتضي السجودَ، وكان محفوظاً في الزمان أن تركَ سجود السهو لا يبطل الصلاةَ، والسجودُ الزائدُ عمداً من غير مقتضٍ يبطل الصلاةَ، فالذي يقتضيه هذا الأصل أن لا يسجد المستريبُ.

وإن كان هذا الأصل منسياً في الزمان، فسجد المستريبُ لم نقضِ ببطلان صلاته؛ فإنه لم يزد سجوداً عامداً.
وهذا يلتحق بأطراف الكلام فيما يطرأ على الصلاة، ولا يدري المصلي أنه مفسدٌ لها.
ولو فرض مثلُ هذا في الزمانِ المشتملِ على العلم بالتفاصيل، وكان سجد رجل ظناً أنه مأمورٌ بالسجود، ففتوى معظم العلماءِ أنه لا تبطلُ صلاتُه.
فهذا منتهى غرضنا من كتاب الصلاة.   

فصل في الزكاة
730 ـ القول فيها مع فرض دروس التفاصيل يتعلق بأمرين:     
أحدهما: أن ما استيقن أهلُ الزمان وجوبَه أخرجوه، وأَوصلوه إلى مستحقيه، وما ترددوا في وجوبه لم يثبت وجوبُه عليهم؛ فإن الوجوب من غير علم بالموجِب، ومن غير استمكانٍ من الإحاطة به محالٌ، وإذا كان الزمانُ خالياً من حملة العلوم بالتفاريع، فأهل الدهر غير مستمكنين من الوصول إلى العلم. وقد وقع الاحترازُ بتقييد الكلام بالتمكن عمن يجب عليه شئ في توافر العلماءِ، وهو لا يدريه، فانه ممكنٌ من البحث والوصول إلى العلم بمُساءَلةِ أولي العلم.
فهذا أحد الأمرين.    
731 ـ والثاني: أنه إذا ظهر ضررُ المحتاجين واعتاصَ مقدارُ الواجب على     الموسرين المثرين، فهذا يتعلق بأمرٍ كليٍّ في إنقاذ المشرفين على الضَّياع، وسيأتي ذلك ببيانٍ شافٍ على الإشباع إن شاء الله عز وجل.     

كتاب الصوم
732 ـ فأما صومُ شهر رمضان فإنه على موجَب اطراد العرف لا يُنسى ما ذكرت أُصول الشريعة، والمرعي فيه ما تقدم تقريره، فما يُستيقنُ في الزمان وجوبُه، أقامة المكلفون، وما شُك في وجوبه لا يجب.

733 ـ ولو فرضت صورةٌ يتعارض فيها أمران متناقصان ولا سبيل إلى تقرير الجمع بينهما، وليس أحدهما أولى بالتخيل والحسبان من الثاني، فيسقط التكليفُ فيه أصلا، مثل أَن يجتمع إمكانُ تحريم شيءٍ وإيجابِه، كما تكرر وتقرر مراراً فيما تقدم.     
734 ـ والقولُ في الحج يقرُب من القول في غيره من العبادات.     
735 ـ وسبيلُنا أن نذكر الآن باباً جامعاً يحوي أموراً كلية تكثرُ فائدتها، وتظهر عائدتُها، في تقدير خلو الزمان، ولا يستغني بنو زماننا عنها.

والله ولي الإعانة بفضله وطوله.    

غياث الأمم في التياث الظلم 26

غياث الأمم في التياث الظلم 26

]المرتبة الثانية: في خلوِّ الزَّمانِ عن المفتين ونقلة المذاهب[
قال رسول الله صل الله عليه وسلم  لمعاذ بن جبل رضي الله عنه: (بم تحكم يا معاذ؟ فقال: بكتاب الله. قال: فإن لم تجد؟ قال:فبسنة رسول الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي)
فقرره رسول الله عليه السلام وصوَّبه، ولم يقل: فإن قصر عنك اجتهادُك، فماذا تصنع؟. فكان ذلك نصاًّ على أن الوقائع يشملها القواعدُ التي ذكرها معاذ.  
 
645للشرع مبني بديع، وأسٌّ هو منشأُ كلِّ تفصيل وتفريع، وهو معتمد المفتي في الهداية الكلية والدراية، وهو المشيرُ إلى استرسال أحكام الله على الوقائع مع نفي النهاية، وذلك أن قواعد الشريعة متقابلة بين النفي والإثبات، والأمر والنهي، والإطلاقِ والحجر، والإباحة والحظر، ولا يتقابل قَط أصلان[1] إلا ويتطرق الضبط إلى أحدهما، وتنتفي النهايةُ عن مقابله ومناقضه.  
 
646 ـ ونحن نوضح ذلك بضرب أمثال، ثم نستصحب استعمالَ هذه القاعدة الشريفة في تفاصيل الأغراض من هذه الرتبة، والله المستعان في كل حين وأوان، فنقول:

647 ـ قد حكم الشارع بتنجيس أعيان، ومعنى النجاسة التعبّد باجتناب ما نجَّسه الشرع في بعض العبادات على تفاصيلَ يعرفها حملةُ الشريعة في الحالات، ثم ما يحكمُ الشرعُ بنجاسته ينحصر نصاًّ واستنباطاً، ومالا يحكم الشرع بنجاسته لا نهايةَ له في ضبطنا، فسبيلُ المجتهد أن يطلب ما يُسأل عن نجاسته وطهارته من القسم المنحصر، فإن لم يجده منصوصاً فيه، ولا ملتحقا به بالمسلك المضبوط المعروف عند أهله ألحقه بمقابل القسم ومناقضه، وماحكم بطهارته.
648ـ فاستبان أنه لا يُتَصَوَّرُ والحالةُ هذه خلوُّ واقعةٍ في النجاسة والطهارة عن حكم الله تعالى فيها .
ثم هذا مسلك يطَّرد في جميع قواعد الشريعة، ومنه ينسبط حكمُ الله تعالى على ما لا نهاية له.

649_ وهذا سرٌّ في قضايا التكاليف لا يوازيه مطلوبٌ من هذا الفنٍّ علوًّا وشرفاً، وسيزداد المطَّلِع عليه كلَّما نهج في النظر منهاجاً، ثم يزداد اهتزازاً وابتهاجاً. فإذا تقرر هذا نقول:

652 ـ وإذا فصلتُ ما أبتغيه فصلا فصلا، وذكرتُ ما أحاوله أصلا أصلا، تبيَّن الغرضُ من التفصيل، وعلى فضل الله وتيسيره العويل. فلتقع البداية    بكتاب الطهارة.
]كتاب الطهارة[        
فنقول في حكم المياه:     
653 ـ قد امتن الله على عباده بإنزال الماء الطهور، فقال عزَّ من قائل:     ]وأنزلنا من السماء ماء طهورا[.
والطهورُ في لسان الشرع هو الطاهر في نفسه المطهِّرُ لغيره. وتطرأ على الماء الطهورِ ثلاثةُ أشياء:
أحدها: النجاسة.
والثاني: الأشياء الطاهرة.
والثالث: الاستعمال.    
654 ـ فأما النجاسةُ إذا وقعت في الماء، فمذهب مالك رضي الله عنه أن الماء طهورٌ ما لم يتغير، واستمسك في إثبات مذهبه بما رُوي عن النبي صل الله عليه وسلم أنه قال: (خُلق الماءُ طهوراً لا ينجسه شيء إلا ما غير طعمَه أو ريحَه)
655 ـ ومذهب الشافعي رضي الله عنه أن الماءَ إذا بلغ قلتين لم ينجُس ما لم يتغير، وهو قريبٌ من خمسِ قِرب، فإن لم يبلغ هذا المبلغ، فوقعت فيه نجاسة، تنجَّس، تغيَّر أو لم يتغيَّر.      

657 ـ فإن فُرض عصرٌ خالٍ عن موثوق في نقل مذاهب الأئمة، والتبس على الناس هذه التفاصيل التي رمزتُ إليها، وقد تحققوا أن النجاسة على     الجملة مجتنبة، ولم يخفَ على ذوي العقول أن النجاساتِ لا تؤثِّرُ في المياه العظيمة، كالبحار والأودية الغزيرة كدجلةَ والفرات وغيرهما، ولا بد من استعمال المياه في الطهارات والأطعمة وبه قوامُ ذوي الأرواح.

658 ـ والذي يقتضيه هذه الحالة أن من استيقن نجاسةً اجتنبها، ومن استيقن خلو ماءٍ عن النجاسة، لم يسترب في جواز استعماله، وإن شك فلم يَدْرِ، أخذَ بالطهارة، فإن تكليف ماءٍ مستيقَن الطهارة، بحيث لا يتطرق إليه إمكانُ النجاسةِ عَسِرُ الكونِ، مُعْوِزُ الوجودِ، وفي جهاتِ الإمكان متسعٌ، ولو كلف الخلقُ طلبَ يقين الطهارة في الماءِ، لضاقت معايشُهم، وانقطعوا عن مضطرَبهم ومكاسبهم، ثم لم يصلوا آخراً إلى ما يبغون. 
   
659 ـ فهذه قواعدُ كليةٌ تخامرُ العقولَ من أصول الشريعة لا تكاد تخفى، وإن درست تفاصيلُ المذاهب.    

660 ـ وإن استيقن المرءُ وقوعَ نجاسةٍ في ماء يقدّره كثيراً، وقد تناسى الناسُ القلتين، ومذهبَ الصائرِ إلى اعتبارهما، فالذي تقتضيه هذه الحالة أن المغترفَ من الماء إن استيقن أن النجاسة قد انتشرت إلى هذا المغترَف، وفي استعماله استعمالُ شيء من النجاسة فلا يستعمله.

وإن تحقق أن النجاسةَ لم تنته إلى هذا المغترَف استعمله، وإن شك أخذ بالطهارة؛ فإن مما تقرر في قاعدة الشريعة استصحابُ الحكم بيقين طهارة الأشياء، إلى أن يطرأ عليها يقين النجاسة.     

661 ـ وهذا الذي ذكرته قريبٌ من مذهب أبي حنيفة الآن.
662 ـ ولو تردد الإنسان في نجاسة شيءٍ وطهارته، ولم يجد من يخبره بنجاسته أو طهارته، مفتياً أو ناقلاً، فمقتضى هذه الحالةِ الأخذُ بالطهارة، فإنه قد تقرر في قاعدة الشريعة أن من شك في طهارة ثوبٍ أونجاسته، فله الأخذ بطهارته.

663 ـ فإذا عسر دركُ الطهارةِ من المذاهب، وخلا الزمانُ عن مستقلٍّ بمذهب علماء الشريعة، فالوجه ردُّ الأمرِ إلى ما ظهر في قاعدة الشرع أنه الأغلب.
    
664 ـ وقد قدمنا: أن الأصلَ طهارةُ الأشياءِ، وأن المحكومَ بنجاسته معدودٌ محدود. ولو وجدنا في توافر العلماءِ عيناً وجوَّزنا أنها دمٌ، ولم يبعد أن يكون صبيغاً مضاهياً للدم في لونه وقوَامه، واستوى الجائزان فيه عندنا؛ فيجوز الأخذُ بطهارته بناءً على القاعدة التي ذكرنها.

676 ـ ونحن نقول وراءَ ذلك: لا يخفي على أهل الزمان الذي لم تدرُس فيه     قواعدُ الشريعة، وإنما التبست تفاصيلُها أناَّ غيرُ مكلَّفين بالتوقِّي مما لا يتأتَّى التوقِّي عنه، ولا يخلو مثلُ هذا الزمان عن العلم بأن ما يتعذر التصون عنه جداً، وإن كان متصوَّراً على العُسر والمشقة معفوٌّ عنه، ولكن قد يخفى المعفوُّ عنه قدراً وجنساً، ولا يكون في الزمان من يستقلُّ بتحصيله وتفصيله.    

677 ـ فالوجه عندي فيه أن يقال: إن كان التشاغُل به مما يُضَيِّقُ متنفّسَ الرجل ومضطربَه في تصرفاته وعباداته وأفعاله، التي يُجريها في عاداته، ويجهدُه ويكُدّه مع اعتدال حاله، فليعلم أنه في وضع الشرع غيرُ مؤاخذٍ به؛

678 ـ وإن لم يكن التصوُّن عنها مما يجرُّ مشقَّةً بيِّنةً مُذْهِلَةً عن مهماتِ الأشغال، فيجبُ إزالتُها.
679 ـ هذا مما يقضي به كليُّ الشريعة عند فرض دروس المذاهب في التفاصيل.


682 ـ فأما طرئانُ الأشياء الطاهرة على الماءِ، فلا يتصور أن يخفى مع ظهور قواعد الشرع في الزمان أن ما يردُ على الماء من الطاهرات، ولا يغير صفةً من صفاته، فلا أثر له في سلب طهارة الماءِ وتطهيره.
وإن غيره مجاوراً أو مخالطاً، فهذا موضع اختلاف العلماء، ولا حاجة بنا إلى ذكره.
ولكن أذكر ما يليق بالقاعدة الكلية؛ فأقول:     
683 ـ تخصيص الطهارات بالماء من بين سائر المائعات مما لا يعقل معناه، وإنما هو تعبُّدٌ محضٌ، وكل ما كان تبعداً غيرَ مستدرَكِ المعنى، فالوجه فيه اتباعُ اللفظ الوارِد شرعاً، فلنتبع اسمَ الماءِ؛ فكلُّ تغيُّر لا يسلبُ هذا الاسمَ لا يُسقطُ التطهيرَ.
وهذا الذي ذكرتُه كلياً في تقدير دروس تفاصيل المذاهب، هو المعتمد في توجيه المذهب المرتضى من بين المسالك المختلفة؟    
684 ـ وأما طرئان الاستعمال، فالمذاهب مختلفةٌ في الماء المستعمل.
والذي يوجبه الأصلُ لو نُسيت هذه المذاهب تنزيله على اسمِ الماء وإطلاقِه، وليس يمتنع تسميةُ المستعمل ماءً مطلقاً. فيسوغ على حكم الأصل من غير تفصيلٍ التوضؤُ به، تمسكاً بالطهارة والاندراج تحت اسم الماء المطلق.

فهذا ما يتعلق بأحكام المياه على مقصدنا في هذا الركن. والله أعلم.

غياث الأمم في التياث الظلم 25

غياث الأمم في التياث الظلم 25

 فالقول الوجيزُ في ذلك:     
أن المفتي هو المتمكنُ من دَرْكِ أحكامِ الوقائع على يسر من غير معاناة تعلم،
وهذه الصفة تستدعي ثلاثةَ أصناف من العلوم:    
581 ـ أحدها: اللغة والعربية، ولا يُشترط التعمُّقُ والتبحُّر فيها حتى يصيرَ الرجلُ علامةَ العرب، ولا يقعُ الاكتفاءُ بالاستطرافِ وتحصيلِ المبادئ والأطراف، بل القولُ الضابط في ذلك أن يحصّلَ من اللغةِ والعربيةِ، ما يترقى به عن رتبةِ المقلِّدين في معرفة معنى الكتاب والسنة، وهذا يستدعي منصباً وسطاً في علم اللغة و العربية.    
582 ـ والصنف الثاني من العلوم: الفنُّ المترجمُ بالفقه، ولا بدَّ من التبحُّر فيه، والاحتواءِ على قواعده، ومآخذِه ومعانيه.
ثم هذا الفن يشتمل على ما تَمَسُّ الحاجةُ إليه من نقل مذاهب الماضين وينطوي على ذكر وجوه الاستدلال بالنصوص والظواهر من الكتاب، ويحتوي على الأخبار المتعلقة بأحكام بالتكاليف مع الاعتناءِ بذكر الرواة والصفات المعتبرة في الجرح والتعديل. فإن اقتضت الحالة مزيدَ نظرٍ في خبرٍ، فالكتبُ الحاويةُ على ذكر الصحيح والسقيم عتيدةٌ، ومراجعتها مع الارتواءِ من العربية يسيرةٌ غيرُ عسيرة، وأهمُّ المطالب في الفقه التدرُّب في مآخذ الظنون في مجال الأحكام، وهذا هو الذي يسمى فقه النفس. وهو أنفس صفات علماءِ الشريعة.    
583 ـ والصنف الثالث من العلوم ـ العلم المشهور بأُصول الفقه؛ ومنه يستبان مراتبُ الأدلة، وما يُقَدَّمُ منها وما يؤخر، ولا يَرقى المرءُ إلى منصب الاستقلال. دون الإحاطة بهذا الفن.     
فمن اسجتمع هذه الفنونَ، فقد علا إلى رتبة المفتين.     
584 ـ والورع ليس شرطاً في حصولِ منصبِ الاجتهاد؛ فإن من رسخ في العلوم المعتبرة، فاجتهاده يلزمُه في نفسِه أن يَقْتَفِيَ فيما يخصه من الأحكام موجَبَ النَّظَرِ. ولكن الغيرَ لا يثق بقوله لفسقه.     
585 ـ والدليل على وجوب الاكتفاءِ بما ذكرناه من الخصال شيئان:    
أحدهما: أن اشتراط المصيرِ إلى مبلغٍ لا يحتاج معه إلى طلبٍ وتفكر في الوقائع محالٌ؛ إذ الوقائع لا نهايةَ لها، والقوى البشريةُ لا تفي بتحصيل كل ما يتوقع، سيما مع قصر الأعمار؛ فيكفي الاقتدارُ على الوصول إلى الغرض على يسيرٍ من غير احتياجٍ إلى معاناة تعلُّمٍ.
وهذا الذي ذكرناه يقتضي استعدادا واستمدادا من العلوم التي ذكرناها لا محالة.     
586 ـ والثاني: أنا سبرنا أحوال المفتين من صحب رسول الله صل الله عليه وسلم  الأكرمين، فألفيناهم مُقتدرين على الوصول إلى مداركِ الأحكام، ومسالك الحلال والحرام، ولكنهم كانوا مستقلّين بالعربية؛ فإن الكتاب نزل بلسانهم، وما كان يخفى عليهم من فحوى خطاب الكتاب والسنة خافيةٌ، وقد عاصروا صاحبَ الشريعة وعلموا أن معظمَ أفعاله وأقوالِه مناطُ الشرع، واعتَنَوْا على اهتمامٍ صادقٍ بمراجعته صل الله عليه وسلم  فيما كان يَسْنَحُ لهم من المشكلات، فَنُزِّلَ ذلك منهم منزلةَ تدرُّب الفقيه منَّا في مسالك الفقه.     
587 ـ وأما الفنُّ المترجمُ بأصول الفقه، فحاصله نظمُ ما وجدنا من سِيَرِهم، وضمُّ ما بلغنا من خبرهم، وجمعُ ما انتهى إلينا من نظرهم، وتتبُّعُ ما سمعنا من عِبَرِهم، ولو كانوا عكسوا الترتيبَ لاتّبعناهم. 
  
نعم. كان يعتني الكثيرُ منهم بجمع ما بلغ الكافةَ من أخبار رسول الله صل الله عليه وسلم، بل كانت الواقعةُ تقع، فيُبحث عن كتاب الله، فكان معظمُ الصحابةِ لا يستقلُّ بحفظ القرآن، ثم كانوا يبحثون عن الأخبار فإن لم يجدوها اعتبروا، ونظروا وقاسوا.
588 ـ فاتضح أن المفتي منهم كان مستعدا لإمكان الطلب عارفاً بمسالك النظر، مقتدراً على مأخذ الحكم مهما عنَّت واقعة.     
589 ـ فقد تحقق لمن أنصف أن ما ذكرناه في صفات المفتين هو المقطوع به الذي لا مزيد عليه.

592 ـ ولا يتم المقصدُ في هذا الفصل، ما لم أمهد في أحكام الفتوى قاعدةً يتعين الاعتناءُ بفهمها والاهتمامُ بعلمها. وهو أن المستفتي يتعين عليه ضربٌ من النظر في تعيين المفتى الذي يقلدهُ ويعتمدُهُ، وليس له أن يراجع في مسائلة كلَّ متلقِّب بالعلم.
596 ـ والذي أراه أن من ظهر ورعُه من العلماءِ وبعُد عن مظانِّ التُّهم، فيجوز للمستفتين اعتمادُ فتواه إذا ذكر أنه من أهل الفتوى؛ فإنا نعلم أن الغريب كان يردُ ويسألُ من يراه من علماءِ الصحابة، وكان ذلك مُشتهِراً مستفيضاً من دأب الوافدين والواردين، ولم يَبْدُ نكيرٌ من جِلَّةِ الصحابة وكبرائهم.

فإذا كان الغرضُ حصولَ غلبةِ ظنِّ المستفتي، فهي تحصلُ باعتماد قول من ظهر ورعُه، كما تحصل باستفاضةِ الأخبار عنه. وليس للمستفتي سبيلٌ إلى الإحاطة بحقيقةِ رتبة المفتي مع عُرُوِّه عن مواد العلوم، سيّما إذا فرض القول في غبيٍّ عريٍّ عن مبادئ العلوم والاستئناس بأطرافها. 

غياث الأمم في التياث الظلم 24

غياث الأمم في التياث الظلم 24

الركن الثالث[
الكتاب الثالث
في خلو الزمان عن المجتهدين ونقلة المذاهب وأصول الشريعة
وفيه مراتب:
المرتبة الأولى(الباب الأول): في اشتمال الزمان عن المفتين والمجتهدين
المرتبة الثانية(الباب الثاني): فيما إذا خلا الزمان عن المُجتهدين وبقي نقلة المذاهب
المرتبة الثالثة(الباب الثالث): في خلو الزمان عن المفتين ونقلة المذاهب
المرتبة الرابعة(الباب الرابع): في خلو الزّمان عن أصول الشريعة


القول في الركن الثالث
]الكتاب الثالث[
]مقدمة الركن[
567 ـ مضمونُ هذا الركن يستدعي نخلَ الشريعة من مطلَعِها إلى مقطَعِها، وتَتَبُّعَ مصادرِها ومواردِها، واختصاص معاقدِها وقواعدِها، وإنعامَ النظر في أصولِها وفصولِها، ومعرفةَ فروعها وينبوعِها، والاحتواءَ على مداركها ومسالكها، واستبانةَ كلَّياتِها وجزئياتها، والاطلاعَ على معالمِها ومناظمِها، والإحاطةَ بمبدئها ومنشئِها، وطرقِ تشعُّبِها وترتُّبِها، ومساقِها ومذاقِها، وسببِ اتفاق العلماء وإطباقِها، وعلةِ اختلافها وافتراقها.
ولو ضمَّنتُ هذا المجموع ما أشرتُ إليه، ونصصت عليه، لم يقصُر عن أسفار، ثم لا يحوي منتهى الأوطار، وإنما ذكرتُ هذه المقدمة لتفيد الناظر في هذا الفن أنه نتيجةُ بحورٍ من العلوم لا يعبُرها العوَّام، ولا تفي ببدائعها الأيام والأعوام، وقلَّما تسمحُ بجمعها لطالبٍ واحدٍ الأقدار والأقسام. ولولا حذار انتهاءِ الأمر إلى حد التصلُّف والإعجاب، لآثرت في التنبيه على علوِّ قدر هذا الركن التناهيَ في الإطناب.    
568 ـ وأنا الآن بعون الله وتأييدِه، وتوفيقه وتسديده، أُرتِّبُ القولَ في هذا الركن على مراتب، وأوضِّح في كل مرتبة ما يليق بها من التحقيق.    
فنذكر أولاً اشتمال الزمان على المفتين.
ثم نذكر خلوَّ الدهر عن المجتهدين المستقلِّين بمنصب الاجتهاد، مع انطواء الزمان على نقلةِ مذاهب الماضين.
ثم نذكر شغورَ العصر عن الأثبات والثقات، رواةِ الآراء والمذاهبِ، مع بقاءِ مجامعِ الشرع، وشيوعِ أركان الدين على الجملة بين المسلمين.
ثم نذكر تفصيلَ القول في اندراس الشريعة، وانطماس قواعدِها، وحكم التكليفِ ـ لو فرض ذلك ـ على العقلاء.      
فالمراتب التي ترومها في غرض هذا الركن أربع:     
]المرتبة الأولى: في اشتمال الزمان على المفتين المجتهدين[
569 ـ فأما المرتبة الأولى، فنقول فيها مستعينين بالله تعالى:     
حملةُ الشريعةِ، والمستقلون بها هم المفتون المستجمعون لشرائط الاجتهاد من العلوم، والضامّون إليها التقوى والسداد.

570 ـ وإذْ دُفعنا إلى ذلك، فلا بُدَّ من ذكر ما يقع به الاستقلال في ذكر الخصال المرعية في الاجتهاد، مع إيضاح ما على المستفتين من تخيّر المفتين، فنقول:    
قد ذكرنا في مصنفاتٍ في أصول الفقه استيعابَ القول في صفات المفتين، وآدابَ المستفتين، وتفاصيلَ حالاتهم ودرجاتهم؛ ونحن نذكر الآن منها جُملاً مُقنعةً يفهمها الشادي المبتدئ، ويحظى بفوائدها المنتهي مع الإضراب عن الإطناب وتوقي الإسهاب.
فلتقع البدايةُ بأوصاف المجتهدين، والوجه أن أجمع ما ذكره المتقدمون.
]صفات المفتي[
571 ـ إن الصفاتِ المعتبرةَ في المفتى ستٌّ:     
أحدها: الاستقلالُ باللغة العربية؛ فإن شريعة المصطفى صل الله عليه وسلم  متلقاها ومستقاها الكتابُ والسننُ وآثارُ الصحابة ووقائعُهم، وأقضيتُهم في الأحكام، وكلها بأفصح اللغات وأشرف العبارات، فلا بد من الارتواء من العربية، فهي الذريعة إلى مدارك الشريعة.     
572 ـ والثانية: معرفةُ ما يتعلق بأحكام الشريعة من آيات الكتاب، والإحاطةُ بناسخها ومنسوخها، عامِّها وخاصِّها، وتفسيرِ مجملاتها، فإن مرجعَ الشرع وقطبَه الكتابُ.    

573 ـ والثالثة: معرفةُ السنن؛ فهي القاعدة الكبرى؛ فإن معظم أصول التكاليف متلقى من أقوال رسول الله صل الله عليه وسلم وأفعاله، وفنونِ أحواله، ومعظمُ آي الكتابِ لا يستقلُّ دون بيان الرسول.
ثم لا يتقرر الاستقلالُ بالسنن إلا بالتبحّر في معرفة الرجال، والعلمِ بالصحيح من الأخبار والسقيمِ، وأسبابِ الجرح والتعديل، وما عليه التعويل في صفات الأثبات من الرواة والثقات، والمسنَدِ والمرسَلِ، والتواريخِ التي يترتب عليها استبانةُ الناسخ والمنسوخ.
وإنما يجب ما وصفناه في الأخبار المتعلقة بأحكام الشريعة، وقضايا التكليف، دون ما يتعلق منها بالوعد والوعيد ،والأقاصيص والمواعظ.
   
574 ـ والرابعة: معرفةُ مذاهب العلماءِ المتقدمين الماضين في العصُر الخالية، ووجه اشتراط ذلك أن المفتي لو لم يكن محيطا بمذاهب المتقدّمين، فربَّما يهجم فيما يُجَرِّئُه على خرق الإجماع، والانسلال عن ربقة الوفاق. 
إيهاب : الأولي اشتراط معرفة مواطن الإجماع  عن معرفة مذاهب العلماء المتقدمين
  
575 ـ والخامسة: الإحاطة بطرق القياس ومراتبِ الأدلة؛ فإن المنصوصاتِ متناهيةٌ مضبوطة، والوقائعُ المتوقَّعةُ لا نهاية لها. 
   

576 ـ والسادسة: الورع والتقوى؛ فإن الفاسقَ لا يوثق بأقواله ولا يعتمد في شيءٍ من أحواله.     

غياث الأمم في التياث الظلم 23

غياث الأمم في التياث الظلم 23

الباب الثالث
في شغور الدَّهر عن والٍ بنفسه أو متوَلٍّ بغيره
فأقول:    
551 ـ قد تقرر الفراغ عن القول في استيلاءِ مستجمع لشرائط الإمامة، ثم في استغلاء ذي نجدةٍ وشهامة، وقد حان الآن أن أفرض خلوَّ الزمان عن الكفاة ذوي الصرامة، خلوَّه عمن يستحق الإمامة، والتصويرُ في هذا عسِر؛ فإنه يبعُد عُرُوَّ الدهرِ عن عارفٍ بمسالك السياسة، ونحن لا نشترط انتهاء الكافي إلى الغاية القصوى، بل يكفي أن يكون ذا حَصَاةٍ وأناةٍ، ودرايةٍ وهدايةٍ، واستقلالٍ بعظائمِ الخطوب، وإن دهته مُعضِلَةٌ استضاءَ فيها برأي ذوي الأحلام، ثم انتهضَ مبادراً وجهَ الصواب بعد إبرام الاعتزام. ولا تكاد تخلو الأوقات عن مُتَّصِفٍ بهذه الصفات.
552 ـ ولكن قد يسهلُ تقديرُ ما نبغيه، بأن نفرض ذا الكفاية والدراية مضطهَداً مهضوماً، منكوباً بعُسْرِ الزمان مَصْدوماً، مُحَلَّأً عن ورد النيل محروما.
وقد ذكرنا أن الإمامة لا تثبت دون اعتضاد بعُدَّة واستعداد بشوكة ونجدةٍ، فكذلك الكفايةُ بمجردها من غير اقتدارٍ واستمكانٍ لا أثرَ لها في إقامة أحكام الإسلام؛ فإذا شَغَرَ الزمانُ عن كافٍ مستقلٍّ بقوةٍ ومُنَّةٍ، فكيف تجري قضايا الولايات، وقد بلغ تغذُّرها منتهى الغايات. فنقول:
    
553 ـ أما ما يسوغ استقلال الناس فيه بأنفسهم، ولكنَّ الأدبَ يقتضي فيه مطالعةَ ذوي الأمرِ، ومراجعةَ مرموقِ العصر، كعقدِ الجُمع وجَرِّ العساكر إلى الجهاد، واستيفاءِ القصاصِ في النفسِ والطرفِ، فيتولاه الناس عند خلوِّ الدهرِ.
ولو سعى عند شغور الزمانِ طوائفُ من ذوي النجدةِ والبأس في نَفْضِ الطرق عن السُّعاة في الأرض بالفساد، فهو من أهم أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
554 ـ وإنما يُنْهَى آحادُ الناس عن شَهْرِ الأسلحة استبداداً إذا كان في الزمان وزرٌ قوام على أهل الإسلام، فإذا خلى الزمانُ عن السلطان، وجب البدار على حسب الإمكان إلى دَرْءِ البوائق عن أَهْلِ الإيمان ونَهْيُنا الرعايا عن الاستقلال بالأنفس من قبيل الاستحثاث على ما هو الأقرب إلى الصلاح والأدنى إلى النجاح، فإن ما يتولاه السلطان من أمور السياسة أوقعُ وأنجع، وأَدفعُ للتنافُس وأجمع لشتات الرأي؛ وفي تمليك الرعايا أمورَ الدماء وشَهْرَ الأَسْلحَة وجوهٌ من الخَبَل لا ينكرها ذوو العقل. وإذا لم يصادف الناس قوّاما بأمورهم يلوذون به فيستحيلُ أن يؤمروا بالقعود عما يقتدِرون عليه من دفْع الفساد؛ فإنهم لو تقاعدوا عن الممكن، عمَّ الفسادُ البلادَ والعبادَ.
وإذا أُمروا بالتقاعد في قيام السلطان، كفاهم ذو الأمر المهماتِ، وأتاها على أقرب الجهات.     
555 ـ [1]وقد قال بعض العلماء: لو خلا الزمانُ عن السلطان فحقُّ على قُطَّانِ كلِّ بلدةٍ وسكانِ كلِّ قريةٍ، أن يقدِّموا من ذوي الأحلام والنهى، وذوي العقول والحِجا من يلتزمون امتثالَ إشاراتِه وأوامرِه، وينتهون عن مناهيه ومزاجرِه؛ فإنهم لو لم يفعلوا ذلك، ترددوا عند إلمام المهمات، وتبلدوا عند إظلال الواقعات.
556 ـ ولو انتُدِبَ جماعةٌ في قيام الإمام للغزوات وأوغلوا في مواطنِ المخافات، تعيَّن عليهم أن ينصبوا من يرجعون إليه، إذ لو لم يفعلوا ذلك لَهَوَوْا في ورطاتِ المخافات، ولم يستمروا في شيءٍ من الحالات.     
560 ـ [1]ثم كل أمرٍ يتعاطاه الإمامُ في الأموال المفوَّضة إلى الأَئمة، فإذا شَغَر الزمانُ عن الإمام، وخلا عن سلطانٍ ذي نجدةٍ واستقلالٍ وكفاية ودراية، فالأمور موكولة إلى العلماء. وحقٌّ على الخلائقِ على اختلافِ طبقاتهم أن يرجِعوا إلى علمائهم، ويصدروا في جميع قضايا الولايات عن رأيهم، فإن فعلوا ذلك، فقد هُدوا إلى سواءِ السبيل، وصار علماءُ البلاد ولاةَ العباد.
561 ـ فإن عسر جمعهم على واحدٍ استبدَّ أهلُ كل صقعٍ وناحية باتباع عالمهم.
وإن كثر العلماءُ في الناحية، فالمتبعُ أعلمُهم، وإن فُرض استواؤُهم، ففرضُهم نادرٌ لا يكاد يقع، فإن اتَّفَق، فإصدار الرأي عن جميعهم مع تناقُضِ المطالب والمذاهب محالٌ، فالوجه أن يتفقوا على تقديم واحدٍ منهم.
فإن تنازعوا وتمانَعُوا، وأفضى الأمرُ إلى شِجارٍ وخصام، فالوجه عندي في قطع النزاع الإقراع، فمن خرجت له القرعةُ، قُدّم.    

  
563 ـ ومن الأسرار في ذلك أنه إذا وُجِد في الزمان كافٍ ذو شهامة، ولم يجن من العلم على مرتبة الاستقلال، وقد استظهر بالعُدَد والأنصار، وعاضدته مواتاةُ الأقدار فهو الوالي وإليه أمورُ الأموال والأجناد والولايات، ولكن يتحتم عليه أن لا يبتَّ أمراً دون مراجعة العلماء.    

564 ـ فإن قيل: هلاّ جزمتَ القولَ بأن عالِم الزمان هو الوالي، وحقٌّ على ذي النجدة والباس اتباعُه، والإذعانُ لحكمه، والإقرانُ لمنصب عِلمِه.     
قلنا: إن كان العالمُ ذا كفاية وهدايةٍ إلى عظائم الأمور، فحق على ذي الكفاية العريِّ عن رتبة الاجتهاد أن يتبعَه إن تمكن منه.
وإن لم يكن العالم ذا درايةٍ واستقلال بعظائم الأشغال، فذو الكفاية الوالي قطعاً، وعليه المراجعةُ والاستعلام، في مواقع الاستبهام، ومواضع الاستعجام.

565 ـ ثم إذا كانت الولايةُ منوطةً بذي الكفاية والهداية، فالأموال مربوطةٌ بكلاءَتِه، وجمعِه وتفريقه ورعايته؛ فإن عمادَ الدولة الرجال، وقوامُهم الأموال.
فهذا منتهى القول في ذلك.    

566 ـ وقد انتهى القول إلى الركن الثالث، وهو الأمر الأعظم الذي يطبقُ طبقَ الأرض فائدتُه، وتستفيضُ على طبقات الخلق عائدتُه. والله ولي التوفيق بمَنِّه وفضله.   

07‏/09‏/2014

غياث الأمم في التياث الظلم 22

غياث الأمم في التياث الظلم 22

]واجبات الإمام[
] يقدمها لنظام الملك [
532 ـ وأنا أذكر الآن ما عل صدرِ الزمان من أحكام  الملك الديان، بعد أن أوضّح ما إليه من مقاليد أمورِ أهل الإيمان، فأقول:
533 ـ كل ما يناط بالأئمة مما مضى موضَّحاً محصَّلاً، مجملا ومفصلا، فهو موكولٌ إلى رأي صدرِ الدين، فإن الأئمة إنما تَوَلَّوْا أمورَهم، ليكونوا ذرائعَ إلى إقامة أحكام الشرائع، فإذا فقدنا من يستجمع الصفاتِ المرعية في المنصبِ الأعلى، ووجدنا من يستقِلُّ بأمورِ المسلمين وينهضُ بأثقال العالمين، ويحمل أعباءَ الدين، ولو توانى فيها لانحلَّت من الإسلام شكائمُه، ولمالت دعائمُه. والغرضُ استصلاح أهل الإيمان على أقصى ما يُفرض فيه الإمكان. ولو بَغَت فئةٌ على الإمامِ المستجمعِ لخلال الإمامة، وتولَّوْا بعُدَّةٍ وعتادٍ، واستولَوْا على أقطارٍ وبلاد، واستظهروا بشوكةٍ واستعداد، واستقلُّوا بنصب قضاةٍ وولاةٍ، على انفرادٍ واستبداد، فينفذُ من قضاءِ قاضيهم ما ينفذُ من قضاءِ قضاة الإمام القائمِ بأمور الإسلام.

534 ـ والسببُ فيه أنه انقطع عن قُطْرِ البغاة من الإمام نظرُه؛ إلى أن يتَّفِقَ استيلاؤُه وظفرُه، فلو رَدَدْنا أقضيتَهم، لتعطَّلت أمورُ المسلمين، وبطلت قواعدُ من الدين.

535 ـ فإذا كان ينفُذ قضاءُ البغاة مع قيام الإمام، فلأَنْ ينفذُ أحكامُ وزراءِ الإسلام مع شغور الأيام أولى.
فهذا بيان ما إليه.    
536 ـ فأما إيضاح ما عليه ، فأقول:
قد تقدّم ما إلى الأئمة من الأحكام، ووضحَ أن جميعَها منوطٌ برأي صَدْر الأيامِ وسيدِ الأيام، فيأخذ ما عليه مما إليه فعليه بذلُ المجهود في إقامة ما إليه، وهذا على إيجازه مشيرٌ إلى النهايات مشعرٌ بالغايات. ولكني أعرض على الرأي الأسمى كلَّ أمرٍ تمَسُّ إليه الحاجة، وأوضِّح مسلكه ومنهاجه، وأنتدب في بعض مجاري الكلام محرِّراً مُقَدِّراً، وأُشيرُ إلى المغزى والمرام مذكِّراً، وقد قال الله لسيد الأنبياء الأكرمين: ]وذكر فإن الذكى تنفع المؤمنين[.   
نعم. والتذكيرُ ينزِع صمامَ الصَّمَم عن صماخ اللُّب، ويقشعُ غمام الغَنَم عن سماء القلب.
]واجبات "نظام الملك" وما عليه[
فأقول:
537 ـ [1] حقوقُ الله تعالى على عبيده على قدر النعم، والهمومُ بقدر الهِمم، وأنعُم الله إذا لم تشكر نِقم، والموفَّقُ من تَنَبَّه لما له وعليه قبل أن تزلَّ به القدم، وحظوظُ الدنيا خَضراءُ الدِّمَن، لا تَبقى على مَكَرِّ الزمن. والمسدَّد من نظر في أولاه لعاقبته، وتزوَّد من مُكْنَته في دنياه لآخرته.    
]أ ـ الإحاطة بالأخبار والأحوال[
538 ـ فمما أعرضُه على الجِنابِ العالي أمرٌ يعْظُم وقعُه على اعتقاب الأيام والليالي، وهو الاهتمامُ بمجاري الأخبار في أقاصي الديار؛ فإنَّ النَّظر في أمور الرعايا، يترتب على الاطلاع على الغوامض والخفايا، وإذا انتشرت من خِطة المملكة الأطرافُ وأسبَلَت العَمَايةُ دون معرفتِها أسدادَ الأعراف، ولم تطلُع شمسُ رأيِ راعي الرعية على صفة الإشراق والإشراف، امتدت أيدي الظَّلَمة إلى الضَّعَفة بالإهلاك والإتلاف، والثَّلَّةُ إذا نام عنها راعيها، عاثت طُلْسُ الذئابِ فيها، وعسُرَ تداركُها وتلافيها، والتيقُّظُ والخِبرةُ أسُّ الإيالة، وقاعدةُ الإمرة، وإذا عمَّى المعتدون أخبارَهم، أنشبوا في المستضعفين أظفارهم، واستجرؤوا ثَمَّ على الاعتداء، ثم طَمَسوا عن مالكِ الأمرِ آثارَهم، ويخونُ حينئذٍ المؤتَمَنُ، ويَغُشُّ الناصح، وتشيعُ المخازي والفضائح، وتبدو في أموال بيتِ المال دواعي الاختزال والاستزلال والغُلول، ويمحق في أدراج خمل الخمول، وقد يُفضي الأمر إلى ثوران    الثوار في أقاصي الديار، واستمرار تطاير شرار الأشرار، وليس من الحزمِ الثقةُ بمواتاة الأقدار، والاستنامةُ إلى مدار الفَلَك الدوَّار، فقد يثورُ المحذور من مكمنه، ويؤتَى الوادع الآمن من مأمنه، ثم ما أهونَ البحثَ والتنقيرَ على من إليه مقاليدُ التدبير.
539 ـ على أنَّ هذا الخطبَ الخطيرَ قريبُ المدرك يسير، فلو اصطنع صدرُ الدين والدنيا مِن كل بلدةٍ زُمراً من الثِّقات على ما يرى، ورسم لهم أن يُنهوا إليه تفاصيلَ ما جرى، فلا يغَادروا نفعا ولا ضُرًّا إلا بلَّغوه اختفاءً وسراًّ، لتوافت دقائقُ الأخبار، وحقائقُ الأسرار على مُخَيَّم العِزِّ غَضَّةً طَرِيَّةً، وتراءَت للحضرةِ العلية مجارِي الأحوال في الأعمال القصية، فإذا استشعر أهل الخبل والفساد أنهم من صاحبِ الأمر بالمرصاد، آثروا الميلَ طوعاً أو كرها، إلى مسالك الرشاد وانتظمت أمور البلاد والعباد.
وما ذكرته ـ لو قدّر اللهُ ـ نتيجةُ خَطرةٍ وفِكْرَةٍ، وموجَبُ التفاته من الرأي السامي ونَظْرة.
وهذا الذي رمزتُ إليه على قُرب مدركِه ويُسرِه مَدْرَأةٌ لغائلةِ كل أمرٍ وعُسرِه، من غيرِ بذلِ مُؤنَة، واستمداد معونة.
]ب ـ وجوب مراجعة العلماء[
540 ـ ومما أُلقيه إلى المجلس السامي: وجوبُ مراجعة العلماء فيما يأتي ويذر؛ فإنهم قدوة الأحكام وأعلامُ الإسلام، وورثةُ النبوة، وقادة الأمة، وسادة الملة، ومفاتيح الهدى ومصابيحُ الدجى، وهم على الحقيقة أصحابُ الأمر استحقاقاً، وذوو النجدة مأمورون بارتسام مراسمِهم، واقتصاصِ أوامرِهم والانكفاف عن مزاجرهم.
وإذا كان صاحبُ الأمرِ مجتهداً، فهو المتبوع الذي يستتبعُ الكافةَ في اجتهاده ولا يَتْبَعُ.    
541 ـ فأما إذا كان سلطانُ الزمان لا يبلغ مبلغَ الاجتهاد فالمتبوعون العلماءُ، والسلطانُ نجدتُهم وشوكتُهم، وقوَّتُهم وبذْرقتُهم، فعالمُ الزمان في المقصود الذي نحاولُه، والغرضِ الذي نزاوله كنبيِّ الزمان، والسلطانُ مع العالم كملكٍ في زمان النبيّ، مأمورٌ بالانتهاء إلى ما يُنهيه إليه النبيّ.
542 ـ والقولُ الكاشفُ للغطاءِ، المزيلُ للخفاءِ، أن الأمرَ لله، والنبيُّ مُنهيه، فإن لم يكن في العصر نبيٌّ، فالعلماءُ ورثة الشريعة، والقائمون في إنهائها مقامَ الأنبياءِ، ومن بديعِ القول في مناصبهم أن الرُّسُلَ يُتَوَقَّعُ في دهرهم تبديلُ الأحكامِ بالنسخ، وطوارئُ الظنون على فكَر المفتين، وتغايرُ اجتهاداتهم يُغَيِّرُ أحكامَ الله على المستفتين، فتصيرُ خواطرُهم في أحكام الله تعالى حالَّةً محلَّ ما يتبدلُ من قضايا أوامرِ الله تعالى بالنسخ.
وهذه مرامزُ تؤمئُ إلى أمورٍ عظيمة لم أُطنب فيها مخافة الانتهاء إلى الإطراء، والإفراط في الثناء.
]ج ـ التيقظ للفتنة[
543 ـ ومما أُنهيه إلى صدْر العالَم بعد تمهيد الاطلاع على أخبار البقاع والأصقاع فتنةٌ هاجمةٌ في الدين، ولو لم تُتَدارك؛ لتقاذفت إلى معظم المسلمين، ولتفاقمت غائلتُها، وأعضلت واقعتُها، وهي من أعظم الطوامّ على العوامّ.
وحق على من أقامه الله تعالى ظهْرًا للإسلام أن يستوعب في رَحْضَ الملة عنها اللياليَ والأيامَ. وأقصى اقتداري فيه إنهاؤها كما نبغ ابتداؤُها، وعلى من ملَّكه الله أَعِنَّة الملك التشميرُ لإبعاد الخلق عن أسباب الهلك.
544 ـ وقد نشأَ ـ حرس الله أيامَ مولانا ـ ناشئةٌ من الزنادقة والمعطلة، وانبثوا في المخاليف والبلاد، وشمروا لدعوة العباد، إلى الانسلاخ عن مناهج الرشاد، واستندوا إلى طوائفَ من المرموقين المغترِّين، وأضحى أولئك عنهم ذابّين، ولهم منتصرين، وصار المغترون بأنعم الله، وتُرفةِ المعيشة، يتخذون فكاهةَ مجالسِهم، وهُزْوَ مقاعدهم ـ الاستهانةَ بالدين، والترامُزَ والتغامُزَ بشريعة المرسلين، وتعدَّى أثرُ ما يلابسونه إلى أتباعهم، وأشياعهم من الرّعاع المقلّدين، وفشا في عوامّ المسلمين شبهُ الملحدين، وغوائلُ الجاحدين، وكثر التخاوضُ والتفاوضُ في مطاعن الدين.
545 ـ ومن أعظم المحن، وأطمِّ الفتن، في هذا الزمن، انحلالُ عصام التقوى عن الورى، واتباعُهم نزعاتِ الهوى، وتشوفُهم إلى الاستمساكِ بحطام المنى، وعُرُوُّهم عن الثقةِ بالوعدِ والوعيدِ في العقبى، واعتلاقُهم بالاعتيادِ المحضِ في مراسم الشريعة تُسمع وتُروى، حتى كأنها عندهم أسمارٌ تُحْكَى وتُطوَى، وهم على شفا جرفٍ هارٍ من الرَّدى. فإذا انضم إلى ما هم مدفوعون إليه من البلْوى، دعوةُ المعطلة في السر والنجوى، خيف منه انسلالُ معظمِ العوامّ عن دين المصطفى، ولو لم تُتدارك هذه الفتنةُ الثائرة، أحوجت الإيالةَ إلى إعمال بطشةٍ قاهرة، ووطأةٍ غامرة.
]ترك الباقي من الواجبات لنظر "نظام الملك"[
546 ـ وقد كنتُ رأيت أَن أعرض على الرأي السامي من مهمات الدين والدنيا أموراً، ثم بدا لي أن أجمع أطرافَ الكلام. ومولانا أمتع اللهُ ببقائه أهلَ الإسلام أَخْبَرُ بمبالغ الإمكان، في هذا الزمان.
547 ـ وقد لاح بمضمون ما ردَّدْتُه من الإيضاح والبيان، ما إلى مولانا عليه، في حكم الإيمان؛ فإن رأى بيْنَه وبين المليك الديان بلوغَه فيما تطوَّقَه غايةَ الاستمكان، فليس فوق ذلك منصبٌ مرتقب، من القُربات ومكان وأوان، وإن فات مبلغَ الإيثار والاقتدار حالةٌ، لا يرى دفعها، فلا يكلِّف الله نفساً إلا وُسعَها، وإن تكن الأخرى، فمولانا بالنظر في مغبات العواقب أَحْرى.    
548 ـ وقد قال المصطفى في أثناءِ خُطبته: (كلكم راعٍ وكُلُّكم مسؤولٌ عن رعيَّتِه)، وقد عظُم والله الخطر لمقامِ مستقِلٍّ في الإسلام، مَن حكمه باتفاق علماءِ الأَنام أنه لو مات على ضِفَّةِ الفرات مضرور، أو ضاع على شاطئ الجيجون مقرور، أو تُصُوِّرَ في أطرافِ خِطة الإسلام مكروبٌ مغموم. أو تلوَّى في منقَطعِ المملكةِ مضطهد مهموم، أو جأر إلى الله تعالى مظلوم، أو بات تحت الضُّرِّ خاوٍ، أو مات على الجوع والضياع طاوٍ، فهو المسؤول عنها، والمطالَبُ بها في مشهد يوم عظيم، ]يوم لا ينفع مال ولا بنون. إلا من أتى الله بقلب سليم[     
549 ـ وفي الجملة ففضل الله تعالى على مولانا عميم، والخطر في الاستقلال بالشكر عظيم، والرب تعالى رؤوف رحيم.      
550 ـ ومع هذا فمن سوغ لمولانا الإحجامَ عن مطالعة مصالح الأنام، فقد غَشَّه بإجماع أهلِ الإسلام، وفارقَ مأخذَ الأحكام.