02‏/03‏/2015

قصف العقول 7

قصف العقول 7


         كان الفرنسيون هم الذين استثاروا الاندفاع إلى زيادة أحجام الجيوش بالمثال الذي ضربوه , حين ‚ أسسوا أول جيش عامل دائم في أوروبا فيما بين العام ‚ ١٤٤٥ و ١٤٤٨ .

          حينما كانت اﻟﻤﺨاطر تفوق الجوائز كان المرتزقة يظهرون هشاشة ولائهم وضعفه  مثلما حدث في العام ١٥٢٥ حينما هجر السويسريون صفوف الفرنسيين ‚ قبيل معركة بافيا , لأنهم لم يكونوا قد حصلوا على رواتبهم .

          لا شيء أنفع لتحقيق النصر من إطاعة أوامر الراية .

          فرض ارتداء الأزياء الرسمية الموحدة لزيادة الإحساس بالهوية الجماعية , ولكي تمنح الجنود الثقة بأنهم لن يهاجموا من الخلف أو يقتلوا بأيدي زملائهم في حمى المعركة (على رغم أن الأزياء الرسمية الموحدة استهدفت تعريف الجنود للأعداء أيضا) .

           أصبح عازفو الموسيقى العسكرية جزءا عضويا من المعنويات القتالية .

           ومن الأساليب الأخرى لرفع المعنويات المأخوذة من العصور القيمة , يبرز أسلوب الخطب الحماسية السابقة على نشوب المعارك .

           لقد أدت الروايات عن الأعمال الوحشية - مثل هذه - إلى تغذية المشاعر المعادية للحرب بين ‚ الكثيرين من  المثقفين ‚.

          بيد أن هناك اختلافا كبيرا ب ‚ النظرية والتطبيق. فالفجوة التي تفصل بين ‚ المفكرين النظريين ‚ في الحرب والممارسين ‚ العمليين ‚ للعمل العسكري . هي ما „ثلها الاختلاف بين ‚ من يقرأ عن الشجاعة , ومن يجرب الذعر والفوضى وتتجلى شجاعته في ميدان القتال. ولقد تبين ‚ القادة العسكريون المحنكون أن مفتاح المعنويات في ساحة المعركة هو الانضباط والتدريب.

         كتب فرانسيس بيكون يقول إن الطباعة والبارود والبوصلة (قد غيرت صورة العالم كله وحالته ) .

         ينبغي أن نتذكر أن المواعظ لم تكن تستهدف هدفا دينيا فحسب , و إنما كانت وسيلة مهمة لنقل الأخبار المحلية والقومية والدولية إلى السكان , ولإعلان القوانين ‚ والمراسيم ولتبرير الضرائب ولإعلان نشوب الحروب .

         على رغم أن الطباعة كانت معرضة للكثير من إساءة استخدامها مثلما كانت الحال في نشر الكتابات والصور الفاضحة المكشوفة  فإنه لا يمكن التقليل من قيمتها في تزويد الوعاظ ورجال الدين بمجموعة من الأحكام و الأفكار , الأمر الذي ساعدهم في نشر الرسالة الموحدة إلى شعوبهم .
         إن كان هناك خيط واحد يجري عبر حكاية حركة الإصلاح بأسرها , فإنه التأثير المتفجر واﻟﻤﺠدد .
         لا شك في أن للأعمال صوتا أعلى من صوت الكلمات (بشرط إمكان إعلانها عنها بالقدر الكافي) .
         أدرك كرومويل ضرورة إصدار مادة تقرأها الجماهير وتستوعبها , فعلى الرغم من أنهم يخشون من الكلام بحرية  خوفا من العقاب  فإنهم يتهامسون معا بشكل سري .

         رأي موريسون : أنه بالنسبة للناس العاديين فإن الأشياء تنفذ إلى العقل من خلال العيون بأسرع جدا من نفاذها من خلال الآذان .

         أن القوات الجيدة التنظيم والمكونة من رجال تدفعهم الروح الوطنية وعلى درجة عالية من الانضباط يستطيعون أن يقاوموا أقوى الخصوم .

          ففي الحرب الأهلية يكون تحديد العدو ورسم صورته مهمة بالغة الصعوبة بالنسبة لرجل الدعاية , وخاصة في حرب بدأت دون إصرار شديد وفي تردد قوي .


          بفضل الانضباط الصارم والمعنويات العالية (فقد كانوا ينشدون الأغاني الدينية وهم متجهون إلى المعركة). وإذ انتهت الحرب , فقد بدأت مختلف الأجنحة السياسية تتعارك من أجل السلطة .

قصف العقول 6

قصف العقول 6


             ففي العام ١١١٨ أنشئت جماعة فرسان المعبد (أو الهيكل  Templars ) لكي تحرس طرق الحج بين القدس ويافا.

 أما جماعة الأسبتارية Hospital فرسان القديس يوحنا الخيرية في القدس .

وقد جاء تطوير المباريات ودورات الألعاب من جانب بهدف التدريب , ومن جانب آخر: (فإن دورات المباريات التي اتخذت  تماما  شكل الحروب الفعلية أدت إلى تدعيم كبرياء كل إقليم وزادت من التضامن المعنوي بين الوحدات العسكرية ) .

         قد حدد المؤرخون المحدثون أسباب الحملة الصليبية الأولى بأنها: تزايد السكان في الغرب , وجهود الكنيسة لمنع الحروب المحلية بين ‚ الشعوب المسيحية , إضافة إلى الأسباب الاقتصادية .

         مع امتلاء قلوب الصليبي ‚ بالحماسة الدينية فقد عرفوا أيضا المكاسب المالية للقتال في الشرق الأوسط الثري... وإنما  نجد في (أغنية أنطاكية ) الكلمات التالية: (هنالك على الأرض المعشبة إما أن نفقد رؤوسنا وإما أن نصبح أثرياء بالفضة والذهب البراق , حتى أننا لن نكون بحاجة إلى الاستجداء من رفاقنا ).


          بعد أن أوقع صلاح الدين الهزيمة „ بالصليبيين ‚ في موقعة حطين ‚ العام 1187 و أعاد فتح القدس , شنت الحملة الصليبية الثالثة ١١٨٩  ١١٩٢ لاستعادة الأراضي المقدسة .

          قد أدى تعرض الصليبيين ‚ للقدرات القتالية التي تمتع بها المسلمون العرب , أدى بهم في النهاية وبشكل حتمي إلى احترام أعدائهم وإلى الإعجاب بهم .

          كانت قواعد فرسان المعبد تنص صراحة على أنه : إذا فقدت القوات علمها فإنها ستصاب بصدمة , و „كان لهذا أن يؤدي إلى هز „ة مروعة .


          إن هجوم الأول ‚كان يعتمد إلى حد كبير في تحقيق أثره على مبدأ (الصدمة ) .

          مع وصول المدفع أصبح الحصول عليه من الأساسيات الضرورية لكل من الجانبين ‚ المتقاتلين .


         فضلا عن الدين والخمر. فإن: (الأكثر أهمية بالنسبة للجندي العادي Žمما هو بالنسبة للمحارب الممدرع , هو توقع الثراء المتاح )

 إنها شهوة الذهب , وحمى الذهب التي تحدد طبيعة معارك العصور الوسطى  والتي ينبغي أن نضعها في مقدمة اعتباراتنا ونحن نسعى إلى فهم معارك العصور الوسطى .

         أصبح من الضروري الانتباه إلى معنويات أهالي المدن المحاصرة التي تدكها نيران المدفعية تماما مثل سكان المناطق الذين وجدوا أنفسهم خاضعيين ‚ لجيوش الاحتلال الأجنبية .

26‏/02‏/2015

قصف العقول 5

قصف العقول 5

 
 

           لا يستحق جيش اسمه دون انضباط ...
 والانضباط لا „يمكن صنعه ولا تثبيته في يوم واحد. إنه مؤسسة وتقليد من التراث .

           لم يكن ثمة مكان لذوي القلوب الواهنة في الفيلق الروماني , حيث كانت قوات الخط الأمامي تدعم باستمرار خلال مسار المعركة. وفضلا عن ذلك فقد كانت المعارك الإغريقية تحسم عادة في اشتباك واحد , بينما كانت المعارك الرومانية تتطلب عملية تعبئة (استراتيجية) أكثر تعقيدا وأطول أمدا تعتمد على تحرك القوات وقدرتها على المناورة .

           أن يقوم بكل شيء في لحظة واحدة: أن يأمر برفع الراية إشارة إلى النداء العام لحمل السلاح , وبأن تدق الطبول , وبدعوة القوات من الخنادق , وبإرسال رجال لإعادة من كانوا قد ابتعدوا بحثا عن مواد الإعاشة... وبأن يتشكل الصف , وبالقوات أن تهتف بصرخاتها الحماسية , وبإشارة القتال أن تعلن...
 
ولم تكن الهتافات الحماسية سوى شحنة تذكر الجنود ببسالتهم المعهودة , وبأن يتحرروا من الخوف , وبأن يواجهوا هجوم العدو بشجاعة...
 
وتحول القائد إلى الناحية الأخرى لكي يبدأ  من فوره  الهتاف لكي يضرب لهم القثال فوجدهم وقد انغمسوا بالفعل في القتال .
 
 وقد كان قيصر مؤمنا متشددا بالانضباط , فعاقب  بقسوة  الهارب من الخدمة والمتمردين , ولم ينس أبدا الدور الذي تلعبه الأموال والغنائم فيدفع جنوده إلى القتال. وكان واحدا من أوائل القادة و المسؤولين الرومان الذين طبعوا صورهم على قطع النقود أثناء حياتهم , بدلا من طبعها بعد الموت , كما كان يحدث قبلا طبقا لمرسوم ﻟﻤﺠلس الشيوخ صدر العام ٤٤ ق.م , فكان دفع الرواتب بمثل تلك النقود لقواته كافيا لتذكرتهم باتجاه وموقع مصالحهم.

          ولم يكتف قيصر بتوزيع الأراضي والأموال على قدامى الجنود , وإنما قام أيضا بتوزيع الأطعمة على الفقراء  وتحبب إلى الجماهير بإقامة الولائم وحفلات الاستقبال التي تكتمل بأنواع الترفيه. وتب أيضا حب الشعب للاستعراضات  , فأقيمت مواكب الانتصارات المتقنة لا لشيء إلا لرفع معنويات الشعب الذي وضع تأييده في اعتباره , وأقام معارك بحرية »مسرحية « في بحيرات صناعية أقيمت خصيصا لهذا الغرض , ومباريات تضم مجالدين من مدرسته الخاصة للتدريب في مدينة كابوا بل كان هو من جاء بأول »فرس نهر « من أفريقيا إلى روما , فقط لكي يكسب رضا الجمهور ويحافظ عليه.
 
 أما بالنسبة لأعدائه فقد عرف قيمة الصفح والحلم والتساهل والملاينة في كسب الأصدقاء الجدد وا لموالين له. وجاء منح حق المواطنة الرومانية لغير الرومان وسيلة لكسب تأييدهم .

             ومع ذلك , فقد كانت هذه الخصائص ذاتها هي سبب ما حل بقيصر وعجل بنهايته. فبسبب تملقه للجماهير , وكثيرا ما كان ذلك هاجمته لبعض النبلاء , وصل إلى إبعاد الأرستقراطية من المشاعر العامة وجعلها غريبة عنه ,
 
و أصبحت دعايته صارخة صاخبة تؤدي إلى عكس المستهدف منها. وكتب سوتونيوس المفعم قلبه بالعداء يقول : إنه لم يكتف بقبول مظاهر التكريم المسرفة... مثل ثمثال ينصب بين ثماثيل الملوك وعرش يوضع أمام مقاعد المتفرجين في المسرح , بل لقد سمح أيضا بإصدار مراسيم تضفي على ذاته أنواعا من التكريم تفوق ما يضفى على البشر , مثل وضع مقعد ذهبي له خصيصا في استراحة الشيوخ وعلى منصة التريبيون , وتخصيص عربة مبهرجة له في الاحتفالات ومحفة في مواكب السيرك , ومعابد ومذابح وصور إلى جوار صور الآلهة , وسرير متكأ مزخرف .. وإطلاق اسمه على أحد الشهور.

             ويعترف ديو الأكثر تعاطفا مع قيصر قائلا: »لقد اقترف قيصر بالفعل الخطأ أحيانا بقبوله بعض أنواع التكريم التي طلبت له , وبتصديقه أنه قد استحقها بالفعل. ولكن الأكثر منه خطأ فهم أولئك الذين بدأوا بتكريمه بمثل ما استحق  ثم انقلبوا عليه ووجهوا إليه اللوم لقبوله ما طلبوه له .

              وعلى طول عصر الإمبراطورية الرومانية حافظ الأباطرة الرومان المتعاقبون على ادعاء مظهري متقن : الادعاء بأن روما ما يزال يحكمها شعبها ومجلس الشيوخ , بينما كانت تحكم في الحقيقة بأسلوب الملوك الذين أسسوا روما , أي بوصفها إمارة فحسب .

             إن الجنود الذين يدفعهم الربح لا الوطنية يتخذون في أتون المعركة قرارات من نوع مختلف , ربما بشكل غير واع.
ذلك أن عليهم أن يقرروا إن كان الأمر يستأهل اﻟﻤﺨاطرة بالموت .

             الكثيرون من المؤرخ العسكريين يعتبرون أدريانوبل نقطة تحول , النقطة التي أصبحت عندها قوات الخيالة الخفيفة أكثر أهمية من المشاة .

             أصبح من الممكن تحويل السرعة إلى صدمة , ولم تعد هناك حاجة إلى قذف الحراب , وإنما أصبح من الممكن أن يقبض عليها كالرمح فتدفع حتى تنغرس في هدفها .

             في ميدان المعركة , يعد عارا على رئيس القبيلة أن يتفوق عليه زملاؤه في البسالة , وعارا على زملائه ألا يبلغوا ما بلغه الرئيس.
 
 أما إذا غادرت المعركة حيا بعد أن يكون الرئيس قد سقط فلا معنى لذلك إلا العار والخزي مدى الحياة. والمعنى الحقيقي للإخلاص هو الدفاع عن رئيس القبيلة وحمايته وإرجاع كل عمل بطولي يقوم به المرء إليه فالرؤساء يحاربون في سبيل النصر , والزملاء يحاربون في سبيل رؤسائهم .

             »الدين « و »الحرب « و »الفروسية « كلمات ثلاث لا يمكن فهم عقل العصور الوسطى المتأخرة من دونها.

              الأزياء الموحدة (إلى درجة ما) تساعد كلها في غرس إحساس بهوية مشتركة .

             إن الحرب , بتعبير فيليب كونتا ظاهرة ثقافية  .

           القوة المكتسبة بالتدريب لا تقدر بمال .

             القراءة عن الحرب , وخوض الحرب بالقتال فعلا هما أمران مختلفان كل الاختلاف .

قصف العقول 4

قصف العقول 4

 


         لقد كان الفراعنة من أوائل من اعترفوا بقوة تأثير الأبنية المعمارية العامة على نطاق واسع لإثبات سمو مكانة الأسرة الحاكمة ومشروعيتها.

         الرعب يمكن أن يعتبر منتج أصول الحرب النفسية .

   الإسبرطيين ذوي النزوع الحربي الذين ر بما أدت تنشئتهم العسكرية , من سن مبكرة , إلى نزع فكرة الخوف من عقولهم (أو أنها على الأقل جعلت الخوف من الفرار أكبر بكثيرمن خوف المعركة) .

         إن الإسكندر الأكبر قد استغل هذه التجربة اليونانية الجماعية ا لمشتركة حينما استخدم  قبل إحدى المعارك , ثعبانا مدربا مزودا برأس إنساني مصنوع من القماش لكي يثبت لجنوده أن الإله أسكلبيوس ( Asklpios ) الذي كان يرسم عادة على شكل أفعى يقف إلى جانبهم. ولقد استخدمت خدع أخرى إضافة إلى تلك الخدعة. مثل كتابة كلمة: »النصر « بمواد صباغية على كبد حيوان مذبوح كأضحية , وإظهاره للجنود قبل المعركة كعلامة من الأرباب.
 
ولقد سيطرت هواجس النذر الخرافية على الإسكندر حتى أصبح مضطربا من الناحية النفسية بسبب سلسلة النذر التي سبقت موته المبكر , مثل مشاهدته للقتال بين الغربان وسقوط بعضها ميتا عند قدميه.

            أحد العناصر الأساسية لنجاح الاسكندر كان اهتمامه الشديد بالتفاصيل المتعلقة بالمعنويات  ليس فقط وسط قواته  و إنما  بين شعوبه أيضا. لقد تبين أن الدعاية ثمثل بديلا ممتازا لحضوره الفعلي. وهو ما يفسر سبب الظهور المستمر والدائم لصورته على قطع النقود و المباني وفي التماثيل وقطع الفخار والأعمال الفنية .

            الحرب هي دماء الحياة القادرة على توفير الوجاهة السياسية والعسكرية لأي أرستقراطي روماني .

            لم يحدث أبدا أن صور المؤرخون الرومان , روما في صورة المعتدي .
 عندهم قامت روما دائما بالدفاع عن مصالحها وقهرت الشعوب الأجنبية لكي تنقذها من أنفسها.
وقبل أن يشن أي هجوم , كان المبعوثون يرسلون دائما في محاولة متباهية لحل النزاع في مصلحة روما بوسائل أخرى غير الحرب.
 
ولا تعلن روما الحرب إلا إذا رفضت مثل تلك المحاولة فتعلنها بدافع (عادل ) وبعد أن تكون الوسائل البديلة قد جربت ل »إنقاذ السلام .
 
« وأمثال تلك الذرائع (لأنها لم تكن سوى ذرائع في غالب الأحوال) هي ما أعانت روما على الدفاع عن سلامة قضيتها , ليس فقط أمام شعبها وإ نما أمام حلفائها.
ومع ذلك , فإذا كانت الحرب هي أكثر الوسائل فعالية في كسب الثروة والسلطة والمكانة فإنه سيكون من غير الطبيعي أن يتبع السياسيون الرومان وأتباعهم سياسات تستهدف تجنب الحرب .

          كان ماريوس أيضا هو أول من تحمل مسؤولية أعباء حياة جنوده ح يتعرضون للإصابة أو إذا تقاعدوا. ولذلك فإنهم بدورهم توجهوا إليه  لا إلى الدولة  طلبا للتوجيه والتعويض المادي .

           وكان ما أدت إليه إصلاحات ماريوس واضحا.
 فبعدها تكونت الفيالق الرومانية من جنود نظامي محترف يتجهون بالولاء  أولا وأخيرا  إلى الأفراد الذين يدفعون لهم رواتبهم .
 

25‏/02‏/2015

قصف العقول 3

قصف العقول 3



       يحكم على الدعاية بأنها نشاط يرغم الناس – بشكل ما – على أن يفعلوا شيئا كان يمكن ألا يفعلوه لولا وجوده .

       التاريخ يكتبه المنتصرون على الأرجح .

 و أن غنائم الحكم التاريخى يجمعها المنتصرون .

       من المؤكد أن التاريخ مصدر يفوق التقدير للدعاية .

فأى فرق بين الدعاية والتعليم أو التربية فى المجتمعات التى تعلى من قيمة مبادئ حرية التفكير والتعبير والعمل ؟

ربما يكمن الفرق فى فكرة أن الدعاية تعلم الناس ما يفكرون فيه بينما تعلم التربية الناس كيف يفكرون .

       الديمقراطيات تقدس الوهم القائل بأنه ينبغى السماح للرأى بأن يتطور بشكل طبيعى , دون أى تدخل خارجى .

       إن الماضى بلد أجنبى غريب يتصرف فيه الناس بطريقة مختلفة .

       الدعاية والحرب النفسية تصبحان بديلا فعليا وحقيقيا للحرب .

       الدعاية قد تخدم مصالح الطرفين وخاصة حين تتوافق تلك المصالح .

غير أن النقطة الأساسية هى أن الدعاية تخطط فى المحل الأول لخدمة مصالح مصدرها .

       قال الكاتب الرومانى ليفى : (( لا تتوافق الأحداث مع توقعات البشر فى أى مكان كما تتوافق فى الحرب )) .

ومع ذلك فإنه حتى المتطوعين فى القوات المحترفة يعانون من هبوط المعنويات ومن الذعر إذا كانت هناك فجوة أوسع من اللازم بين ما يتوقعونه من الحرب وبين الحقائق فى ميدان القتال .

 فإن عوامل بعينها ، مثل الطقس السيئ أو الطعام الردئ . والرواتب المنخفضة يمكن أن تستنزف معنويات حتى أفضل الجيوش تدريبا .

 على رغم أن الانضباط و التدريب المخططين لدعم التماسك المتبادل يعدان عوامل جوهرية للحفاظ على الروح القتالية العالية .

       يرى ويفل أن ما يحقق المعنويات المرتفعة هو درجة إحساس الجندى بأنه عضو فى وحدة جيدة .
       الجنود يقاتلون بشكل أفضل إذا عرفوا أن أسرهم و أصدقائهم والمدنيين الذين يرقبون أفعالهم يساندون عملياتهم .


قصف العقول 2

قصف العقول 2


      الحرب هى امتداد للسياسة بوسائل مختلفة , للسياسة والحرب الهدف ذاته : أى تغليب إرادة جماعة أو مجتمع ما – ووجودهما – على إرادة ووجود جماعة أخرى أو مجتمع أخر .

       الدعاية هى فن الإقناع و للإقناع قواعد وأصول يمكن تلخيصها فى ثلاثة هى :

1- كسب مظهر الصدق ( لكسب ثقة الجمهور المتلقى المراد إقناعه) .

2- البساطة والتكرار ( للوصول إلى أذهان ومشاعر الناس بسرعة والنفاذ الى ذاكرتهم التى لن تتذكر إلا ما استوعبته بسهولة وبكثرة )

3- الرموز وضرب الأمثلة ( فالذاكرة البشرية يسهل عليها أن تخزن وان تستدعى الصور ذات الدلالات المرتبطة بمخزون الذاكرة الموروث أو المكتسب ) .


         المؤلف مؤرخ ومفكر و استاذ جامعى غربى بريطانى يؤمن بالليبرالية , يتجنب الدعاية الغربية التى انتشرت فى العصر الاستعمارى وهذا ما جعله يتجاهل تقريبا الدعاية النازية ضد اليهود , ولعل الانتماءات ذاتها أيضا هى ما دعته الى تجنب الحديث عن دعاية المسلمين فى أثناء الحروب الصليبية على رغم عرضه للدعاية .

         الدعاية الموجهة الى الاعداء فى زمن الحرب , قذائف من الكلمات التى تختار بعناية وتصاغ بحساب دقيق مستهدفة تشكيك شعب دولة العدو وجنوده فى قضيتهم .

وهدم ثقتهم فى قياداتهم وفى حكومتهم وفى قدرتهم على تحقيق النصر .

       يشير المؤلف الى ان تأثير موقف الصحافة والتليفزيون الأمريكيين - ضد التورط الأمريكى فى فيتنام - هو ما أدى الى خروج الولايات المتحدة من تلك الحرب قبل أن تحقق الانتصار فيها .

غير ان القراءة النصية لكلمات المؤلف فى تلك السياقات وما يشبهها ليست هى القراءة الملائمة .

فالدعاية فى كل الأحوال - ومهما كان من كفاءة القائمين بها وذكاء خططها وقدرتها على الوصول الواسع والتأثير النافذ - لم تكمن فى النهاية سوى عامل مساعد للعوامل الأصلية المكونة للحركة الفعلية للتاريخ .

        سيكون من الظلم وعدم الموضوعية تجاهل صلابة وبسالة الشعب الفيتنامى فى كفاحه الطويل من أجل الاستقلال الوطنى والتقدم والعدل ضد سلسلة طويلة من المحتلين .

تقول المصادر الغربية إن القائد العسكرى للمقاومة الفيتنامية الجنرال جايب هو القائد الوحيد الذى انزل الهزيمة بجيوش ثلاث دول كبرى متعاقبة دون أن تلحق بقواته هزيمة كبيرة واحدة .

فهل كانت الدعاية هى صانعة هذه الانتصارات المذهلة – حتى فى عصرها الذى شهد الكثير من انتصارات ثورات الشعوب وحروبها التحريرية – ام كانت خصائص كامنة فى ثقافة شعب تقوم على التقشف الشديد والزهد البالغ مع الانضباط الصارم وممارسة انواع كثيرة من رياضيات التحكم الذهنى فى الجسد مع تحمل ما لا يطاق من الالام البدنية .

 والثقة المطلقة فى النفس والرغبة فى الابتعاد عن بقية الجماعات البشرية !؟

       الحرب فى جوهرها تبادل منظم للعنف والدعاية فى جوهرها عملية إقناع منظمة .

 إنهما تحاولان رفع معنويات أحد الجانبين و أن تنسفا إرادة القتال لدى الأخر 

قصف العقول

قصف العقول


اسم الكتاب : قصف العقول
تأليف :  د.فيليب تايلور

ترجمة : سامة خشبة
عدد الصفحات : 419

الدعاية للحرب منذ العالم القديم حتي العصر النووي

رابط تحميل كتاب قصف العقول بصيغة  pdf


رابط مباشر

http://ia601404.us.archive.org/12/items/aalam_almaarifa/256.pdf