16‏/12‏/2014

إستراتيجية الاستعمار والتحرير 18

إستراتيجية الاستعمار والتحرير 18

روح العصر والميكانزم :

         لماذا تعاصرت ظاهرة التحرير فى العالم عموما ؟

 والرد يكمن – فى كلمة واحدة – فى روح العصر .

لقد أصبح التحرير هو إيدولوجية الشعوب التى طال كبتها وروح العصر السارية السائدة .

 وإنه هو المناخ السياسى الذى جعل الثورة على الاستعمار ظاهرة كوكبية فى العالم كله لا علاقة لتوقيتها بعمر الاستعمار هنا او هناك – دون أن يقلل هذا البته من دور الكفاح الوطنى نفسه .

 وإنما هو كان فرصة مواتية استفاد منها هذا الكفاح إفادة ذكية شجاعة .

     ولكن لا شك أن وراء روح العصر هذه عوامل مادية وسياسية صلبة علينا أن نبحث عنها . وفى هذا يمكن ان نتعر فعلى عاملين رئيسيين . فهناك اولا ميكانيكية نمو المستعمرات .

فالاستعمار سلاح ذو حدين .

 فحتى يستغل مستعمرته لمصلحته , فإنه يضطر راغما إلى إدخال الوسائل الحضارية والتكنولو جية التى تساعده على ذلك . أى أنه يعجل بعملية الاحتكاك الحضارى والتحضير التى تنعكس على الوطنيين نموا فى القوة البشرية وفى الكفاءة الفنية , فيشتد ساعدهم وقدرتهم المادية على النضال السياسى .

      وليس أقل أهمية من الناحية المادية النواحى النفسية . فالاحتكاك الحضارى مع بداية الاستعمار يصيب الوطنيين بانهيار حضارى وانهيار نفسى يسهل الانتصار للاستعمار .

 ولكن مع تشربهم وتمرسهم بالحضارة الجديدة – والإلف يورث الاحتقار – يدركون أسرارها بل ويدركون فضلهم التاريخى فيها .

 مما يرفع روحهم المعنوية إزاء المستعمر ويحل مركب النقص الحضارى .

 وبمعنى أخر فإن كلا من ميكانيزم  وسيكولوجية الاحتكاك الحضارى لا يلبث أن يقوى ساعد التحرير ماديا ومعنويا حتى ينجح فى طرد الاستعمار .

           والخلاصة أن الاحتكاك الحضارى الذى يصاحب الاستعمار لا يلبث أن يضيق الهوة الحضارية – التى هى أساس التفوق العسكرى للاستعمار – بين القوة الداخلية والداخلية .

وهكذا يؤدى منطق الاستعمار من صميم نفسه وبطريقة ديالكتيكية إلى نقيضة تماما . تلك متناقضة ساخرة فى فلسفة الاستعمار , وهى وحدها تجعل نهايته محتومة بطبيعتة , فهو يهزم أغراضه ويستهلك نفسه بنفسه ويحمل فى كيانه جرثومه فنائه . هذا أول .

        أما العامل الثانى فى تصفية الاستعمار و إذابته فهو انتهاء احتكار القوة العالمية .

نتائج التحرير

متغيرات التحرير

الخروج الابيض

        كانت المشكلة الخطيرة حقا هى مصير الاستعمار الاستيطانى السكنى الكثيف , لأن الخروج يأخذ هنا أبعادا مختلفة جدا كما فى الجزائر وإلى حد ما كينيا .

 وعادة ما كان الموقف الوطنى معتدلا واقعيا بلا تطرف . فكثيرا ما أعلن التحرير أنه لا ينبغى طرد الجاليات والمستعمرات الأجنبية إذا ما قبلت مواطنة عادية مخلصة بلا امتيازات , أو إن شاءت فلها أن تبقى كأجانب عاديين .

 ورغم هذا الموقف السمح فقد كان المرجح أن تصفى المستعمرات والجاليات نفسها بنفسها بعد فرض المساواة ومنع الاستغلال , وهكذا بالفعل كان .
      
          وهذا ولا شك أبلغ دليل على أن الوجود الاقتصادى للاستعمار كان رهنا بوجوده السياسى , وبغيرة كان لا نجاح له ولا محل .

وفى هذه الحالة كثيرا ما كانت العملية تأخذ طابعا انتقاميا تخريبيا بقصد شل جهاز الدولة الجديدة وتعجيزها تشويها للاستقلال و التحرير .


      هل يترك الخروج الأبيض (فراغا) حضاريا أو اقتصاديا خطيرا فى المستعمرات المتحررة ؟ 
أيترك كذلك فراغا سياسيا يهدد التوازن الدولى ؟ . . .  بالأستعانة بخبراء أجانب غير استعماريين .

 أما أن يخشى البعض على المستوى الحضارى والاقتصادى للدول الجديدة أن ينتكس بعد الخروج فأمر تكذبة الثورة الاقتصادية والطفرة الحضارية التى واكبت التحرير فى كل مكان لا سيما فى القواعد الطليعية كمصر والعالم العربى والهند ... إلخ .

إستراتيجية الاستعمار والتحرير 17

إستراتيجية الاستعمار والتحرير 17

مغزى الزحف :

       السؤال الان : هذا الزحف التحريرى بنمطه التاريخى الواضح , ماذا يقول للجغرافى ؟

 حقيقتين بارزتين :

أولاهما:  أن هناك فارقا زمنيا طفيفا ولكنه دال بما فيه الكفايه بين قطاعات العالم القديم فى توقيت التحرير . فمسار الحركة يرسم قوسا عكس عقارب الساعة يدور مع سواحل المحيط الهندى أو موازيا له , بادئا فى اسيا الموسمية ومارا بالعالم العربى ثم منتهيا بأفريقيا المدارية .

 ومعنى  هذا بوجه عام أن التحرير العربى بدأ زمنيا حيث انتهى التحرير الأسيوى , بينما حيث انتهى هو بدأ التحرير الأفريقى .

      الحقيقة الثانيه : هى أن هذه الفروق الزمنية لا تنفى أن زحف التحرير جميعا موجة واحدة متعاصرة ملتحما أساسا وإن تعددت شعبا وتتابعت خطوات .

 ولا ينبغى أن يخدعنا التفاوت الزمنى الدقيق عن ذلك . فالحركة كلها مركزة فى نحو عشرين عاما لا تزيد , وهى – إذا وسعنا البؤرة قليلا – مجرد لحظة فى مقياس التاريخ السياسى وحياة الأمم .

 فأى معنى أذن لهاتين الظاهرتين , وهل لهما مغزى نضالى خاص ؟

      كثيرا ما تفسر المتتابعة الأولى على أن التحرير العربى رد فعل تابع وظيفيا تال تاريخيا للمد الأسيوى ولكن هذا الترتيب إنما هو ترتيب تواريخ الاستقلال الرسمى .

 والتحرير العربى يمكن أن نقول إنه بدأ منذ بدأ الاستعمار .

فكل الثورات و الانتفاضات فى الجزائر والمغرب الكبير وفى مصر والشام والعراق والتى ترصع كل عقود القرن الماضى والحاضر دليل واضح . هل نريد دليلا أوضح ؟

      من المحقق تاريخيا أن ثورة سنة 1919 فى مصر كان لها صدى هائل فى الهند خاصة واسيا عامة , وكانت وحيا لحركات تحريرية متلاحقة هناك .
ومن ناحية اخرى فإنه إذا اخذنا الناحية الشكلية , فإن مصر تعد دولة مستقلة ذات سيادة منذ سنة 1922 , وإلا فمنذ سنة 1936 . والعراق منذ سنة 1934 .

 هذا عدا أن سوريا ولبنان قد تحررتا فعلا قبل أى وحدة فى اسيا الموسمية .

و معنى هذا أن هذا التحرير و إن تاخر ظاهريا فى مجموعة فى العالم العربى عنه فى اسيا الموسمية , فهو أسبق واقعيا .

        وهذا هو الترتيب المنطقى للاشياء , لأن العالم العربى ليس أقرب إلى اوروبا فى الموقع الجغرافى فقط ولكن فى الموقع الحضارى كذلك .

 وكما أن القوة الحضارية النسبية للعالم العربى هى التى أخرت دخول الاستعمار الغربى إليه طويلا عنه فى اسيا الموسمية , فإنها هى نفسها التى تفسر سبق التحرير الفعلى العربى عن الاسيوى .

 أما لماذا تأخر النجاح القانونى للتحرير العربى رغم هذا السبق الحضارى والنضالى , فيرجع أساسا إلى الموقع الاستراتيجى للعالم العربى كشريان المواصلات الاستعمارية مما جعل الاستعمار أكثر ما يكون تشبثا به وضراوة فيه .


إستراتيجية الاستعمار والتحرير 16

إستراتيجية الاستعمار والتحرير 16


     العالم العربى الافريقى قد تحرر فى معظمه حتى سنة 1960 , فيما عدا الجزائر التى أتى دورها فى 1962 بعد حرب تحريرية سبعية كاملة – حرب السنوات السبع العربية – كلفت الجزائر مليونا ونصف مليون من الشهداء , ولعبت فيها المساعدة الحربية و السياسية المصرية دورا خطيرا .

 ومما له مغزاة أن ثورة التحرير الجزائرية لم تشتغل إلا بعد عام من الثورة المصرية , وفضلا عن هذا فإن فرنسا لم تشترك فى حرب السويس إلا لتخضع الجزائر عن طريق القاهرة .

      فما بناة الاستعمار التحرير فى 90 سنة – باستثناء فلسطين المحتلة – هدمه التحرير أو هدم معظمه فى أقل من 25 سنة .

     كانت جذور الاستعمار هنا متغلغلة عميقة لأن نوعه السائد كان إما من الاستعمار الاستراتيجى كما فى مصر بوجه خاص و إما من الاستعمار الاستيطانى كما فى الجزائر بوجه خاص .

كما جاء البترول فى سواحل المشرق العربى ليدعم الجانب الاستراتيجى و يضيف الجانب الاستغلالى فى طبيعة الاستعمار . ولهذا استمات الاستعمار بشراسة وقابل المقاومة الوطنية بمزيد من القوة الضاربة.
    

         اثبتت التجربة أن مشكلة التحرير مع الاستعمار الاستيطانى مشكلة مزدوجة , فهو لا يكافح القوة المتروبوليتانية فقط بل والمستوطنين ايضا . فكلما اشرف على انتزاع تنازلات من الجانب الاول , تحول الثانى الى عصابة ارهابية داخلية تاخذ القانون فى يدها وتفرض نوعا خاصا من حكم الملاك وهو حكم ملاك الاستعمار وتعلن العصيان والتمرد وعلى الحكومة الأم مهددة بحرب استقلال للانسلاخ عنها والانفراد بالمستعمرة .


        فى جزر الاستعمار السكنى الاستيطانى حيث يتضخم عدد وقوة الدخيل , فكان لا بد من التحام دموى .

إستراتيجية الاستعمار والتحرير 15

إستراتيجية الاستعمار والتحرير 15

    فى الشرق العربى قامت الدولة العربية الإسلامية فى العصور الوسطى لتضع مركز القوة العالمية فى قلب منطقة الارتطام على حساب كل من القوى البرية والبحرية , كما استطاعت أن تفسدد عليهما خططهما فى التحالف ضدها .

 ولكن كما أنها بفضل الوحدة قامت , فبفعل التفكك و الانفصال زالت وسقطت لقوى برية المصدر .

    ثم يأتى بعد هذا تاريخيا والى الشمال جغرافيا , المثل التركى حيث احتلت الإمبراطورية العثمانية رقعة ارتطامية بحة ابتداء من العالم العربى حتى البلقان , ومع ذلك استطاعت أن تكون إلى حين قطبا من أقطاب القوة فى عالم العصور الوسطى وطلائع العصور الحديثة .

 و أخيرا يتحرك القطب شمالا مع ظهور ألمانيا الموحدة التى رنت إلى السيطرة العالمية – لا أقل – وكادت تحققها فى حربين عالميتين .

 ولكن , وكما حدث فى حالة الدولة العربية الإسلامية , سقطت ألمانيا الارتطامية حين اجتمع عليها الهارتلاند والسواحل البحرية معا .

       فى الجيولوجيا و البيولوجيا . كما فى التاريخ , أن مسار التطور يظل عادة رتبيا تقليديا كالخط المستقيم أو كالمنحنى الانسيابى , ثم إذا به يتفجر فجأة فى ثوران بركانى قصير ولكنه عنيف يغير تضاريس الوجود ومعالم الزمان ويضع ملامح العصر وتوازناته ويحددها لأمد بعيد , ومعها يعود إيقاع الحياة رتيبا تقليديا مستقرا .

     إن ما بناه الاستعمار فى خمسة قرون هدمه التحرير فى عقدين اثنين . فبين 1945 , 1965 هوت رقعة الاستعمار من 35% من مساحة العالم الى 4% , أى أن معدل سرعة المد التحريرى يعادل عشرات أضعاف معدل الزحف الاستعمارى .

    غير أنه يقابل هذا التيار العام العالمى اتجاه محلى معاكس يمثل انتكاسة إلى الوراء .

 ففى الوقت الذى كان الاستعمار الكبير و الصغير ينحسر ويتصدع عالميا , كان استعمار جديد – ودنئ – قد بدأ فى فلسطين هو الاستعمار الصهيونى حيث كرر قرصنة القرن التاسع عشر , وجمع بين أسوأ و أسود ما فى دموية النازية وعنصرية جنوب أفريقيا .

 غير أنه إذا كان هذا الاتجاه التعس يدل على شئ فإنما يدل على أن الاستعمار الصهيونى القمئ يأتى ضد كل تيار التاريخ – حتى التاريخ الرجعى , حتى تاريخ الاستعمار نفسه – وأنه من ثم محكوم عليه قبلا وبحتمية التاريخ بأنه قد ولد ليموت .

       أول تحرير حقيقى بدأ فى أثناء الحرب فى لبنان 1941 وسوريا 1943 .


      وفى 1953 تحررت مصر نهائيا بعد حرب عصابات ومقاومات مسلحة فى منطقة القنال , سبقتها سلسلة من التوترات و التحديات الشعبية من قبل , إلى أن توجت فى النهاية بحرب حقيقية كاملة وحاسمة فى 1956 .

 وهذه الحرب ستكون نقطة تحول عظمى فى التحرير لا فى العالم العربى ولكن فى افريقيا وخارجها كذلك .

 والواقع منذ البداية أن مصر بحكم موقعها ووزنها كانت سباقة إلى النضال التحريرى وكانت دائما مركز الوعى ومنبع الوحى فى الكفاح ضد الاستعمار , فكانت نموذجا للمغرب العربى ومثالا للمشرق , وحجر الزاوية والقوة الركن موقعا ودورا .

 باختصار , كانت مصر واحة العرب سياسيا . فمنذ ثورة يوليو الأم , رصع العالم العربى بنسل دافق من الثورات التحريرية , تبدو كالاقمار حول الشمس أو كالنويات حول النواة , وكان لكل منها بدورها صداها العميق الفاعل , ابتداء من الجزائر وانتهاء باليمن .

إستراتيجية الاستعمار والتعمير 14

إستراتيجية الاستعمار والتعمير 14




     إذا كان ماكيندر قد صنف أقاليم الصراع الاستراتيجى على أساس الموقع , فقد نظر فى الحقيقة إلى مصايرها على أساس الموضع أى مدى قوة القاعدة الأرضية (بمواردها الطبيعية وقوتها البشرية ودرجتها الحضارية والتكنولوجية ..) .

فوجد أن المستقبل بعامة ليس للمواقع الممتازة ولكن للمواضع الأغنى .

     نجد أن حلفا كالأطلنطى ليس فى الحقيقة إلا جماع القوى البحرية فى غرب اوروبا بالاضافة إلى الولايات المتحدة .

وما الحديث الملتهب اليوم عن وحدة أوروبا اقتصاديا , أو سياسيا , أو اقتصاديا وسياسيا , إلا رد فعل مباشر لهذا التناقض المزمن بين وحدة قوة البر فى جانب وتفتت القوة البحرية فى جانب أخر .

    وعدا هذا , فإن الاستعمار إذا كان من اسباب قوة وتفوق الدول البحرية حينا فهو نقطة ضعف كامنة فيه فى النهاية .

 فمكاسب المستعمرات المغتصبة موقوته بالضرورة , ورهن ببقاء هذا الاستعمار .

 وإذا ما توقف تدفقها أو ضاعت فإن القوى البحرية ستجد الأرض وقد سحبت من تحت أقدامها وانكمشت قاعدتها الجغرافية والمادية الاقتصادية .

ويكون عليها ان تنكفئ على مواردها الذاتية المباشرة التى لا تقارن بموارد الهارتلاند .

 وهذا ما حدث الان بالفعل بعد ذوبان الاستعمار .

فلم تعد غرب أوروبا فى مجموعها بند للاتحاد السوفييتى , ولولا قوة الولايات المتحدة من ورائها لما صمدت فى الصراع الجديد .


المنطقة البينية :

    هذا فيما يختص بالهارتلاند والسواحل البحرية , الفيل والحوت , وتبقى أخيرا منطقة الارتطام أو التمساح . . . .

 هذه هى ما دعونا فيما مضى بالمنطقة البينية , وهى جغرافيا بينية بموقعها بين قوى البر شرقا والبحر غربا , وتمثل بطبيعتها وبيئتها منطقة انتقال بينهما تجمع بين الصفة البحرية والبرية بدرجات متفاوتة . 

وهى استراتيجيا منطقة ارتطام وجبهة تصادم بين تلك القوى القطبية ومن ثم أرض المعركة الحتمية بينهما , فلا يستطيع أى منهما أن يصل إلى الاخر ويضربه إلا بالمرور على هذا الجسر الامفيبى .

       ونحن نحدد هذه الوحدة الاستراتيجية بنطاق يشمل ألمانيا و شرق أوروبا والبلقان فيما عدا اليونان , ثم الشرق الأوسط بما فيه تركيا و إيران والمشرق العربى .

 كما نجد له امتدادات فى الشرق الأقصى بين السواحل والداخل .

     فى الواقع أن كل تاريخ الصراع بين البر والبحر هو محاولة التحكم فى هذه المنطقة بالذات , فهى تمسك زمام الموقف بين القوى القطبية ويمكن أن ترجع كفه على الأخرى , وبالتالى فإن مصيرها فى النهاية هو الذى يحدد مصير الصراع بين الهارتلاند  و السواحل.

      ولا شك أن هناك قطاعات معينة من هذا النطاق تمتاز بموقعها وبطبيعتها بقيمة استراتيجية حرجة , ولعل اهمها هو شرق أوروبا فى الشمال و الشرق الأوسط فى الجنوب .

وليس صدفة بالتأكيد أن معظم من حاولوا البحث عن أخطر المواقع الاستراتيجية فى العالم – أيا كانت صحة ارائهم – وضعوها فى هذا النطاق أولا , وفى هذه القطاعات منه بالذات ثانيا .

      المنطقة بعد هذا وفى مجموعها أقل مساحة وسكانا وقوة , واكثر تمزقا وتفتتا سياسيا , من أى من القوى القطبية .

 وهى من ثم فى موقف هجومى أو دفاعى ضعيف , محصورة بين فكى كماشة أو بين شقى رحى  .

وقد يبدو من هذا الأول وهلة أن التبعية والعجز قدرها الجغرافى والتاريخى , وأنها ضحية موقعها المتوسط , وأن دورها الاستراتيجى لا يمكن أن يزيد عن دور الدول الحاجزة التصادمية التقليدى .


     لكن الحقيقة أن نفس هذه الخصائص وذلك الموقع يمكن أن تكون عامل قوة لهذه المنطقة إذا ما جمعت قواها فى تكتلات أو قطاعات اقليمية كبيرة .

15‏/12‏/2014

إستراتيجية الاستعمار والتحرير 13

إستراتيجية الاستعمار والتحرير 13


        نشر ماكيندر أساسيات نظريته فى 1905 .


الأقاليم الثلاثة :

      نظر ماكيندر إلى هذه الجزيرة العالمية فوجد لها قلبا يمثل محور ارتكازها ونواة العالم القديم , دعاه أولا منطقة الارتكاز ثم عدله إلى قلب الارض وقلب الأرض فكرة طبيعية مركبة هى محصلة 

عناصر ثلاثة : سهولة التضاريس , الصرف الداخلى , وسيادة الحشائش . وعلى هذا الأساس الثلاثى يمتد الهارتلاند من حوض الفولجا غربا حتى سيبريا شرقا وقلب إيران جنوبا . وهو بهذا يضم مساحة ضخمة متصلة بلا انقطاع من أوراسيا تبلغ 21 مليون ميل , وتبتلع كل الاستبس الأسيوى , فيبدو كما لو كان قارة داخل قارة الجزيرة العالمية .


الهارتلاند :
     ولأن الهارتلاند سهلى فى مجموعه , عشى فى غطائه , فهو منطقة الرعاة بالضرورة و إقليم حركة الخيالة والفرسان بأمتياز .

ولأن الهارتلاند منطقة صرف داخلى تضيع أنهارها فى قلب القارة فى بحار داخلية أو تنتهى مشلولة إلى المحيط المتجمد فى الشمال , فهى منطقة لا يمكن للأساطيل البحرية الساحلية أن تصعد فيها , و بالتالى لا يمكن أن تلجها .

 إنها المنطقة الوحيدة على سطح الأرض التى تترامى مساحتها بما فيه الكفاية لكى تبتعد ابتعادا سحيقا عن البحار والسواحل , وبالتالى تمتاز بحضانة طبيعية تامة ضد الغزو البحرى .

     فى المدى الطويل , لا تلبث الوحدات القارية الضخمة أن تلحق بركب التطور والحضارة , فتنطلق من قاعدة أرضية فسيحة غنية منوعة نحو السواحل والبحار , وعندها تسقط لها الوحدات البحرية كالثمرة الناضجة كما لو بحكم القدر .

     يعود ماكيندر إلى الحاضر , فيجد أن رجحان كفة القوة فى صف دولة الهارتلاند بأن يؤدى بها إلى توسعها على حساب الأراضى الهامشية فى أوراسيا وبالتالى يمكنها من أن تجند مواردها القارية الضخمة لبناء الأساطيل البحرية , ومن ثم تكون الإمبراطورية العالمية على مرأى النظر . ومن الممكن أن يحدث هذا لو أن ألمانيا تحالفت مع روسيا , أى اذا اتحد الهارتلاند بصورة أو بأخرى مع الهلال الداخلى , سواء كانت السيطرة فى هذا الاتحاد للروسيا أو لألمانيا , وسواء تم هذا الاتحاد بالغزو أو بالاتفاق .


المعادلة والتطبيق :

     وعند هذا الحد يتضح بجلاء أن شرق أوروبا هو مفتاح الهارتلاند .

 وبالتالى يصل ماكيندر الى معادلته الثلاثية الشهيرة التى تلخص كل نظريته التى جاءت أحداث الحربين العالميتين مصداقا لكل فروضها :
_ من يحكم شرق اوروبا يسيطر على الهارتلاند .
_ من يحكم الهارتلاند يسيطر على الجزيرة العالمية .
_ من يحكم الجزيرة العالمية يسيطر على العالم .



إستراتيجية الاستعمار والتحرير 12

إستراتيجية الاستعمار والتحرير  12

أغراض الاستعمار :
        ما أغراض الاستعمار المدارى وأهدافه ؟

 وهذه حسمتها الطبيعة مرة واحدة و إلى الأبد .

 فلم يكن فى هذه العروض المدارية بمناخها المضاد للرجل الأبيض مجال للاستعمار الاستيطانى السكنى أو التوطن .

 ولهذا كانت الصبغة السائدة بالضرورة هى الاستعمار الاستغلالى أو الاستراتيجى .

      قد كان طبيعيا لذلك أن ينتهى الاستعمار إلى تقسيم عمل يحتكر فيه الحرف الثانية (الصناعه) والثالثة (التجارة) وهى التى تدر أعلى الدخول , ويفرض على المستعمرات الحرف الأولية (الزراعة والتعدين) التى لا تكاد ترد من الدخل إلا الفتات .

 وبهذه القسمة غير السليمانية الضيزى احتكرت أوروبا لنفسها دور مصنع العالم و أبقت على المستعمرات كمزرعة له , وبه أيضا أصبحت هى مدينة العالم والمستعمرات ريفه . وهذا هو التكامل الأقتصادىالذى زعمه الاستعمار .

     الحقيقة الموضوعية المحايدة هى أن المداريات لم تكن أكثر من سندرلا أوروبا وأن الاستعمار لم يكن إلا شركة ابتزازية غير مقدسة , أما العلاقة السياسية المفروضة فليست إلا اغتصابا سياسيا داعرا .


العنصرية :

      هنا نجد أن الاستعمار قد ارتقى فى هذه المرحلة عما كان عليه فى مرحلة الموجة الأولى , فاستبدل بالإبادة الاسترقاق , ثم استبدل بهذا الاستعمار السياسى , ثم سنجده مع الاستعمار الجديد يستبدل بالاستعمار السياسى الاستعمار الاقتصادى .

ولكن يظل الجميع على خط النسب المباشر الذى ينحدر من صراع الإبادة , ويظل الاستعمار فى صميمه صراع أجنس وحركة عنصرية من الناب والظفر برهانها الوحيد .

       ومن الحقائق الجديرة بالتأمل والتى تؤكد هذا الذى نقول عن عنصرية الاستعمار وصراع الأجناس , ولقد كان الاستعمار – بوضوح – صناعة أوروبية مسجلة ولكنها للتصدير إلى خارج أوروبا فقط وغير قابلة للاستهلاك المحلى بحال .

        ولقد كان الاستعمار فى أوج بطشه يبرر نفسه – متبجحا – بنظريات القهر والتفوق العنصرى , حتى إذا استشعر نهايته وطاردته عقدة الذنب بحث – منافقا – عن التبرير فى نظريات الإنسانية والأخوة .

        وإذا كانت عنصرية الاستعمار فى عنفوانه سافرة بلا حياء ولا خجل , فهى لم تفعل فى شيخوختها إلا أن تقنعت بنقاب الرياء والزيف دون أن تغير جلدها .

        كانت أفريقيا هى القارة المستعمرة أو المستعمرة القارة بالضرورة , كانت أكبر مستعمرة منفردة فى العالم و أضخم معمل للتجارب الاستعمارية فى التاريخ .