01‏/09‏/2014

غياث الأمم في التياث الظلم 18

غياث الأمم في التياث الظلم 18



الباب الثاني
القولُ في ظهور مُسْتَعْدٍ بالشَّوْكة مُسْتَوْلٍ

ومقصود هذا الباب تفصيلُ القول فيمن يستبدُّ بالاستيلاءِ والاستعلاءِ من غير نصبٍ ممن يصح نصبُه.
فإذا استظهر المرءُ بالعدد والعُدَد، ودعا الناسَ إلى الطاعة؛ فالكلام في ذلك على أقسام:     
أحدها: أن يكون المستظهِرُ بعُدَّتِه ومُنَّتِه صالحاً للإمامة على كمال شرائطها.     
والثاني: ألا يكون مستجمعاً للصفات المعتبرة جُمع ولكن كان من الكفاة.     
والثالث: أن يستولي من غير صلاح لمنصب الإمامة، ولا اتصافٍ بنجدة وكفاية.     
]استيلاء صالح للإمامة[
فأما إذا كان المستظهِرُ صالحاً للإمامة، وليقع الفرضُ فيه إذا كان أصلحَ الناس لهذا المنصب.
فالقول في هذا القسم ينقسم قسمين:    
أحدهما: أن يخلو الزمان عمن هو من أهل الحل والعقد.    
والثاني: أن يكون في الزمان من يصلح للعقد والاختيار.     
فإن لم يكن في الزمان من يستجمعُ صفاتِ أهل الاختيار، وكان الداعي إلى اتباعه على الكمال المرعي، فإذا استظهر بالقوَّة وتصدَّى للإمامة، كان إماماً حقًّا، وهو في حكم العاقد والمعقود له.

والدليلُ على ذلك أن الافتقارَ إلى الإمام ظاهرٌ، والصالحُ للإمامة واحد، وقد خلا الدهر عن أهل الحل والعقد؛ فلا وجه لتعطيل الزمان عن والٍ يَذُبُّ عن بيضة الإسلام، ويحمي الحوزة، وهذا مقطوع به لا يخفى دركه على من يحيط بقاعدة الإيالة.   
 
454 ـ فأما إذا اتَّحذ من يصلح، وفي العصر من يختار ويعقد، فهذا ينقسم قسمين:    
أحدهما: أن يمتنع من هو من أهل العقد عن الاختيار والعقد، بعد عَرْض الأمر عليه على قصد، فإن كان كذلك فالمُتّحدُ في صلاحه للإمامة يدعو الناس، ويتعيَّن إجابتُه واتباعُه على حسب الاستطاعة بالسمع والطاعة، ولا يسوغُ الفتورُ عن موافقته ـ والحالة هذه ـ في ساعة، ووجود ذلك الممتنعِ عن العقد وعدمِه بمثابة واحدة، وإذا لم يكن للذي أَبْدَى امتناعاً عُذْرٌ في امتناعه، وتَرْكِ موافقة المتعيِّن للأمر واتباعه؛ فالأمر ينتهي إلى خروجه من أن يكون من أهل هذا الشأن، لما تشبَّث به من التمادي في الفسق والعدوان، فإن تأخير ما يتعلق بالأمر الكلي في حفظ خطة الإسلام تحريمه واضح بَيِّنٌ. وليس التواني فيه بالقريب الهيّن.
فهذا أحد قسمي الكلام.    

455 ـ والثاني: ألا يمتنع من هو من أهل الاختيار.
ولكن هل يتوقف ثبوتُ الإمامة ـ والأمر مفروضٌ في اتحاد من يصلح لها ـ على العقد أو على العرض على العاقد.
هذا مما اختلف فيه الخائضون في هذا الفن:
فذهب ذاهبون إلى أنه لا بد من العقد؛ فإنه ممكن، وهو السبب في إثبات الإمامة.     
456 ـ والمرضيّ عندي أنه لا حاجة إلى إنشاء عَقْدِ، وتجريد اختيارٍ وقصد.    
والسبب فيه أن الزمان إذا اشتمل على عددٍ ممن يصلح لمنصب الإمامة، فلا بد من اختيارٍ يُعَيِّنُ واحداً منهم؛ إذ ليس بعضهم أولى من بعض، فلو لم نُقَدِّر اختياراً مع وضوح وجوب اتّحاد الإمام، لأفضى ذلك إلى النزاع والخصام؛ فلا أثر للاختيار والعقد والإيثار إلا قطعُ الشجار، وإلا فليس الاختيار مفيداً تمليكاً، أو حاكماً بأن العاقدَ في إثبات الإمامة يصير شريكاً. فإذا اتحد في الدهر، وتجرد في العصر من يصلح لهذا الشأن، فلا حاجة إلى تعيينٍ من عاقد وبيان.
والذي يوضح الحقَّ في ذلك أن الأمر إذا تُصُوِّرَ كذلك، فحَتْمٌ على من إليه الاختيار عند من يراه في هذه الصورة أن يُبايع ويتابع ويختار ويشايع، ولو امتنع، لاستمرت الإمامة على الرغم منه؛ فلا معنى لاشتراط الاختيار، وليس إلى من يُفرضُ عاقداً اختيار.

فإذن تَعَيُّنُ المتحد في هذا الزمان لهذا الشأن يُغْنيه عن تعيين وتنصيص، يصدر من إنسان.

457 ـ وتمام الكلام في هذا المرام يستدعي ذكرَ أمر: وهو أن الرجلَ الفردَ وان استغنى عن الاختيار والعقد، فلا بد من أن يستظهِر بالقوة والمُنَّة، ويدعو الجماعة إلى بذل الطاعة، فإن فعل ذلك فهو الإمام على أهل الوفاق والاتباع، وعلى أهل الشقاق والامتناع.

458 ـ وان لم يكن مستظهراً بعُدة ونجدة، فالكلام في ذلك يرتبط بفنين:      
أحدهما: أنه يجب على الناس اتباعُه، لتعينه لهذا المنصب ومسيس الحاجة إلى وَزَرٍ يُرْمَقُ في أمر الدين والدنيا، فإن كاعوا وما أطاعوا عَصَوْا.   

ولْنَفْرِض هذا فيه إذا عدمنا من نراه أهلا للعقد والاختيار؛ فليس في الناس من يتصدى لهذا الشأن، حتى يقال: يتوقف انعقادُ الإمامة على صدور الاختيار منه؛ فعلى الناس كافَّةً أن يُطيعوه إذا كان فريدَ دهره، ووحيدَ عصره في التصدي للإمامة.

459 ـ فإذا دعى الناس إلى الإذعان له والإقران، فاستجابوا له طائعين، فقد اتسقت الإمامة، واطردت الرياسةُ العامة.
460 ـ وإن أطاعه قومٌ يصيرُ مستظهراً بهم على المنافقين عليه والمارقين من طاعته تثبت إمامتُه أيضا.

461 ـ وإن لم يطعه أحدٌ أو اتَّبَعه ضعفاءُ لا تقومُ بهم شوكة، فهذه الصورةُ تضطربُ فيها مسالكُ الظنون، وتقع من الاحتمالات على فنون.

462 ـ فيجوز أن يظن ظانٌّ أن الإمامة لا تثبتُ إذ لم يجْرِ عقدٌ من مُختار، ولا طاعةٌ تفيد عُدَّةً ومُنَّةً تنزلُ منزلةَ الاختيار. وقد قدَّمْنا في أحكام الأئمة أن الإمام إذا انصرف الخلقُ عن متابعتِه ومشايعتِه. كان ذلك كوقوعه في أسر يَبْعُدُ توقُّع انفكاكه عنه.    

نعم تعصي الخلائقُ في الصورة التي نحن فيها لمخالفة من توحَّد لاستحقاق التقدُّمِ. وسبب تعصيتِهم تقاعدُهم عن نصبِ إمامٍ يندفع به النزاعُ والدفاعُ، والخصوماتُ الشاجرة والفتنُ الثائرة، وتتسق به الأمور، وتنتظم به المهماتُ والغزواتُ والثغور.

463 ـ ويجوز أن يصير صائر إلى أنه إمام وإن لم يطع، ويَنْفُذ ما يُمضيه من أحكامه على موافقةِ وضع الشرع، وليس إضرابُ الخلق عن طاعته في هذه الصورة، كما سبق تصويرُه وتقريرُه فيما تقدم من أبواب الكتاب؛ فإن ذاك مفروضٌ فيه إذا سقطت طاعةُ الإمام، ووجدنا غيرَه، وصَغْوُ الناسِ ومَيْلهم إلى غيره. فالذي يليق باستصلاح الراعي والرعيّة نصبُ من هو شوفُ النفوس.

والذي نحن فيه مُصَوَّرٌ فيه إذا تفرَّد في الزمان من يصلح للإمامة. فإذا كان كذلك تعينت طاعةُ مثل هذا على الناس كافة، ولا معنى لكون الإمام إماماً إلا أن طاعتَه واجبة. وهذا الذي فيه الكلامُ بهذه الصفة، فهو إمام يجب اتباعه فتنفُذ إذاً أحكامه.    

464 ـ وهذا متّجِه عندي واضح. والأول ليس بعيداً أيضا؛ فإن قاعدة      الإمامة الاستظهارُ بالمُنَّة والاستكثارُ بالعُدَّة والقُوَّة. وهذا مفقود في الذي لم يُطَع.
فهذا أحد الفنين.     
465 ـ والفن الثاني من الكلام أن الذي تَفَرَّد بالاستحقاق يجب عليه أن يتعرض للدعاء إلى نفسه، والتسبب إلى تحصيل الطاعة، والانتهاض لمنصب الإمامة. فإن لم يعدَم من يُطيعُه، وآثر التقاعدَ والاستخلاءَ لعبادة الله عز وجل، مع علمه بأنه لا يَسُدُّ أحدٌ مسدَّه ـ كان ذلك عندي من أكبر الكبائر وأعظم الجرائر، وإن ظن ظان أن انصرافَه وانحرافَه سلامةٌ، كان ما حسبه باطلاً قطعاً، والقيامُ بهذا الخطب العظيم إذا كان في الناس كُفاةٌ في حكم فرض الكفاية، فإذا استقلَّ به واحد، سقط الفرضُ عن الباقين. فإذا توحَّد من يصلح له صارَ القيام به فرضَ عين. 
  
وسنعود إلى تقرير ذلك في أثناءِ الباب، ونأتي بالعجب العجاب، إن شاء الله عز وجل.

466 ـ ثم إن اجتنب وتنكّب، ولم يدعُ إلى نفسه، لم يصر بنفس استحقاقه إماما، باتفاق العلماء أجمعين.

فهذا بيانُ المراد فيه إذا استولى من هو صالح للإمامة، وكان فريد الدهر في استحقاق هذا المنصب.

467 ـ فلو اشتمل الزمانُ على طائفة صالحين للإمامة فاستولي واحد منهم على البلاد والعباد، على قضيَّةِ الاستبداد، من غير اختيار وعَقْد، وكان المستظهِرُ بحيث لو صادفه عقدُ مختار، لانعقدت له الإمامة. فهذا القسم قد يَعسُر تصوره.

468 ـ ونحن نقول فيه: إن قصَّر العاقِدون وأخَّروا تقديم إمام، فطالت الفترة، وتمادت العُسْرة، وانتشرت أطرافُ المملكة؛ وظهرت دواعي الخلل ـ فتقدم صالحٌ للإمامة داعياً إلى نفسه، محاولاً ضمَّ النشر، وردَّ ما ظهر من دواعي الغَرَر، فإذا استظهر بالعُدَّة التامَّة مَن وصفناه، فظهورُ هذا لا يُحمل على الفسوق، والعصيان والمروق، فإذا جرى ذلك، وكان يجرُّ صرفُه ونصبُ غيرِه فِتَناً، وأموراً محذورة، فالوجه أن يوافَق، ويُلقى إليه السلَمُ، وتَصْفِقُ له أيدي العاقدين.

وهل تثبتُ له الإمامةُ بنفس الاستظهار والانتداب للأمر؟
ما أراه أنه لا بد من اختيارٍ وعَقْدٍ؛ فإنه ليس متوحداً فنقضي بتَعَيُّن الإمامة له.
وثبوتُ الإمامة من غير تولية عَهد من إمام، أو صدور بيعة ممن هو من أهل العقد، أو استحقاقٍ بحكم التفرد والتوحُّد كما سبق ـ بعيدٌ.  
 
470 ـ وغائلة هذا الفصل في تصويره. فإن الذي ينتهضُ لهذا الشأن، لو بادره من غير بيعة وحاجة حافزة، وضرورة مُسْتَفِزَّة، أشعر ذلك باجترائه وغُلُوِّه في استيلائه، وتشوُّفه إلى استعلائه، وذلك يَسِمُه بابتغاء العلو في الأرض بالفساد.
   
471 ـ ولا يجوزُ عقد الإمامة لفاسق. وإن كانت ثورتُه لحاجة، ثم زالت وحالت، فاستمسك بعُدَّتِه محاولاً حملَ أهل الحل والعقد على بيعته، فهذا أيضا من المطاولة والمصاولة، وحملِ أهل الاختيار على العقد له بحكم الاضطرار، وهذا ظلمٌ وغشم يقتضي التفسيق.

فإذا تُصورت الحالةُ بهذه الصورة، لم يجُز أن يبايَع. وإنما التصوير فيه إذا ثار لحاجة، ثم تألبت عليه جموعٌ لو أراد أن يتحول عنهم لم يستطع، وكان يجرُّ محاولةُ ذلك عليه وعلى الناس فتناً لا تُطاق، ومِحَناً يضيق عن احتمالها النطاق، وفي استقراره الاتساق والانتظام، ورفاهية أهل الإسلام، فيجب تقريره كما تقدم.     
472 ـ والمختارُ أنه وإن وجب تقريرُه، فلا يكون إماماً، ما لم تَجْرِ البيعةُ،      والمسألة في هذا الذي ذكرنا مظنونة، والمقطوع به وجوبُ تقريره.     

هذا كله في استيلاء من هو صالح لمنصب الإمامة، وهو قسم واحد من الأقسام الثلاثة المرسومة في صدر الباب.  

غياث الأمم في التياث الظلم 17

غياث الأمم في التياث الظلم 17
الركن الثاني

القول في خلو الزمان عن الإمام

مضمون هذا الفن يحويه ثلاثة أبواب:
أحدها: في تصوُّر انخرام الصفات المرعية جُمْلَةً وتفصيلاً.
والثاني: في استيلاء مُسْتَوْلٍ مستظهر بطول وشوكة وصول.
والثالث: في شغور الدَّهر جُمْلَةً عن والٍ بنفسه، أو متولٍّ بتوليه غيره.

الباب الأول
في انخرام الصفات المعتبرة في الأئمة

فلو لم نجد قرشياً يستقل بأعبائها، ولم نعدَم شخصاً يستجمع بقيةَ الصفات، نصَبْنا من وجدناه عالماً كافياً ورعاً، وكان إماماَ مُنَفِّذَ الأحكام على الخاص والعام؛ فإن النسب ثبت اشتراطه تشريفاً لشجرة رسول الله صل الله عليه وسلم؛ إذ لا يتوقفُ شيء من مقاصد الإمامة على الاعتزاء إلى نسب، والانتماء إلى حسب. ونحن نعلم قطعاً أن الإمام زمامُ الأيام، وشوفُ الأنام، والغرضُ من نصبه انتظام أحكام المسلمين والإسلام؛ ويستحيل أن يُترك الخلقُ سدى لا رابط لهم، ويُخَلَّوْا فوضى لا ضابط لهم، فيغتلم من الفتن بحرُها المواج، ويثور لها كلُّ ناجمٍ مهتاج. ونحن في ذلك نرقُبُ قرشيا، والخلق يتهاوَوْن في مهاوي المهالك، ويلتطمون في الخِطط والممالك.
فإذاً عدمُ النسب لا يمنع نصبَ كافٍ، ثم ينفُذ من أحكامه ما ينفذ من أَحكام القرشي


فأما القول في فَقْد رتبة الاجتهاد، فقد مضى أن استجماعَ صفات المجتهدين شرطُ الإمامة، فلو لم نجد من يتصدى للإمامة في الدين، ولكن صادفنا شهما ذا نجدة وكفاية واستقلال بعظائم الأمور، على ما تقدم وصفُ الكفاية، فيتعينُ نصبه في أمور الدين والدنيا، وتنفذ أحكامُه كما تنفذُ أحكام الإمامِ الموصوفِ بخلال الكمال المرعيِّ في منصبِ الإمامة. وأئمة الدين وراءَ إرشادِه وتسديدِه وتبينِ ما يُشْكِل في الواقعة من أحكام الشرع. والعلمُ وإن كان شرطُه في منصب الإمامة معقولاً، ولكن إذا لم نجد عالماً فجمعُ الناس على كافٍ يَسْتَفْتي فيما يسنَح ويَعِنُّ له من المشكلات أولى من تركهم سُدًى، متهاوين على الورطات، متعرِّضين للتَّغالُب والتواثُب، وضروب الآفات

فإن لم نجد كافيا ورعا متَّقياً، ووجدنا ذا كفايةٍ يميل إلى المجون وفنون الفسق، فإن كان في انهماكه وانتهاكه الحرمات، واجترائه على المنكرات، بحيث لا يؤمن غائلتُه وعاديتُه، فلا سبيلَ إلى نصبِه، فإنه لو استظهر بالعتاد وتقوَّى بالاستعداد، لزاد ضَيْرُه على خَيْرِه، ولصارت الأُهَبُ والعُدَدُ العتيدةُ للدفاع عن بيضةِ الإسلام ذرائعَ للفساد ووصائلَ إلى الحَيْد من مسالكِ الرشاد، وهذا نقيضُ الغرض المقصود بنصب الأئمة.

ومن تأمل ما ذكرناه فَهِم منه أن الصفاتِ المشروطةَ في الإمام على ما تقدم وصفُها، وإن كانت مرعيَّةً، فالغرضُ الأظهر منها: الكفايةُ، والاستقلالُ بالأمر. فهذه الخصلةُ هي الأصلُ، ولكنها لا تنفعُ ولا تنجعُ مع الانهماك في الفسق، والانسلالِ عن ربقة التقوى، وقد تصير مَجْلَبَةً للفساد إذا اتصل بها استعداد.     
ثم العلمُ يلي الكفايةَ والتقوى، فإنه العُدَّةُ الكبرى والعروةُ الوثقى، وبه يستقلُّ الإمام بإمضاء أحكام الإسلام

والآن تتهذبُ أغراضُ الباب بمسائل نفرضُها مستعينين بالله تعالى

فإن قيل: ما قولكم في قرشيّ ليس بذي دراية، ولا بذي كفاية إذا عاصره عالمٌ كافٍ تقيٌّ، فمن أولى بالأمر منهما؟    
قلنا: لا نقدم إلاَّ الكافيَ التقيَّ العالمَ، ومن لا كفاية فيه، فلا احتفالَ به، ولا اعتدادَ بمكانه أصلاً.    

فالاستقلال بالنجدة والشهامة من غير اجتهاد، أولى بالاعتبار والاختيار من العلم من غير نجدةٍ وكفاية، وكأن المقصودَ الأوضحَ الكفايةُ، وما عداها في حكم الاستكمال والتتمة لها.


وإذا عدمنا كافياً، فقد فَقَدْنا من نؤثِر نصبَه والياً، ويتحققُ عند ذلك شغورُ الزمان عن الولاة، على ما سيأتي ذلك أن شاء الله عزَّ وجل.   

غياث الأمم في التياث الظلم 16

غياث الأمم في التياث الظلم 16
منصب الإمام يقتضي القيامَ بالنظر العام في حقوق الرعايا والمستخلَفين عليهم على ممر الأيام.

فما تولاه الإمام بنفسه فهو الأصل، وما استخلف فيه كافياً مستقلاً دارياً متيقظاً فيما نيط به واعياً، فالاستخلافُ في تفاصيل الأعمال سائغ بلا خلاف. ثم ما يستخلف فيه ينقسم إلى أمر خاص يحتوي على الغرض منه مراسم يُبَيِّنُها ومعالمُ يُعَيِّنُها، فيعقد الإمام بمضمونها منشوراً، ويتخذه المُوَلَّى دُسْتُوراً.

وإلى أمرٍ عامٍّ منتشرِ القضايا على الرعايا، لا يُضبط مقصودُه برسوم، ولا منشور منظوم.  
  
420 ـ فأما الأمرُ الخاص، فهو كجباية الصدقات فمن ولاه الإمام صنفا من هذه الأصناف، فينبغي أن يكون المُوَلَّى مستجمعاً خصلتين:     
إحداهما: الصيانة والديانة.     
والثانية: الشهامة، والكفايةُ اللائقةُ بما يتولاه ويتعاطاه، ولا يشترط أن يكون مجتهداً بالغاً مبلغ المفتين، ولكن الإمام يرسُم له مقادير النُّصُب والزكوات، وتفاصيلَ الأسنان على أبلغ وجه في البيان؛ فيمضي المولَّى قُدُماً، ويتَّخذ المراسمَ قدوة وأَمَماً، ولو كان المنصوب لما ذكرناه عبداً مملوكاً ساغ؛ فإن امثال هذه الأعمال ليست ولايةً على الكمال.

421 ـ ومن هذا القبيل تفويض جرِّ الأجناد إلى بلاد الكفر والعناد، فليجتمع فيمن يقلَّدُ الأمرَ الثقةُ، والصرامةُ، والشهامةُ؛ وليكن ممن حنكته التجارب، وهذَّبَتْه المذاهب
ويكفي فيها الثقةُ، واستجماعُ ما أشرنا إليه من البصائر، وعمدتُها الشجاعة والاستطاعة، والتيقظ اللائق بهذه الشأن؛ فالرأي قبل شجاعة الشجعان.

422 ـ فأما الأمر الذي يعم، ولا ينضبط مقصوده، فهو كالقضاء والجلوسِ لفصل الحكومات بين الخصماءِ، وقد يرتبط به أمورُ الأموالِ والأبضاعِ والدماءِ، وإقامة العقوبات على ذوي الاعتداء، والإنصاف والانتصاف، والمنع من سلوك مسالك الاعتساف، وهذا أعظم الأشغال والأعمال، فيقتضي هذا المنصبُ خِلالاً في الكمال سيأتي شرحنا عليها.
منها: الدين، والثقةُ، والتلفُّعُ بجلباب الديانة، والتشبُّث بأسباب الأمانة والصيانة، والعقل الراجح الثابت، والرأي المستدُّ الصائب، والحريةُ والسمعُ والبصرُ.

423 ـ والذي أراه القطعُ باشتراط الاجتهاد، في القضاة  وسأوضح فيه منهجَ السَّداد يتقرر بتقديم أصلٍ عظيم الغَنَاء في أحكام الاجتهاد، فأقول وعلى طَوْل الله وتيسيره الاعتماد، وبفضله الاعتضاد: على المقلد ضربٌ من النظر في تعيين مُقَلَّده، وليس له أن يقلد من شاء من المفتين مع تباين المذاهب، وتباعد الآراء والمطالب، وكيف يسوغ التخيير بين الأخذ بمذهب التحريم ومذهب التحليل؟ ولا يُتَصَوَّر المصيرُ إلى هذه السبيل، مع تفاوت مناصب المفتين وأهل التحصيل. وإذا كان يتعين عليه ذلك، فليتمهل النظرُ هنالك.
424 ـ وأنا أقول بعد تقديم ذلك:
من انتحل مذهبَ أبي حنيفة رحمه الله من طبقات المقلِّدين؛ واتفق في عصره إمامٌ لا يبارَى، ومجتهدٌ لا يُضاهَى، ولا يُوازَى، وكان يُعزى هذا المجتهدُ إلى مذهب الشافعي رحمه الله فلا يجوز أن يكون مثلُ هذا الذي ذكرناه متبعاً مذهب إمام واحد في جميع مسائل الشريعة، موافقاً رأيَه ومسلكه؛ فإن الظنون تختلف طرقُها وتتفاوت سُبُلُها وتتردد أنحاؤها على حسب اختلاف القرائح والطباع، وليس بالإجماع في معظم المسائل امتناع، فإن أصول المذاهب تؤخذ من مأخذ القطع، وهي التي تصدرُ منها تفاريع المسائل، فقد يفرض الوفاق في معظم المسائل من هذه الجهة.

425 ـ فإذا اشتملت الأيام على مثل هذا الإِمامِ تعين على كافة المقلدين اتباعُه، والسببُ فيه أنه بالإضافة إلى الماضين المنقرضين في حكم الناخلِ للمذاهب والسابرِ لتباين المطالب، وسبرُه لها أثبت من نظر المقلِّد.
   
431 ـ ولئن عدَّ الفقهاء ذلك من المظنونات، فلستُ أعرفُ خلافاً بين المسلمين أن الشرطَ أن يكون المستنابُ لفصل الخصومات والحكومات فطناً متميزاً عن رعاع الناس، معدوداً من الأكياس، ولا بد من أن يفهمَ الواقعة المرفوعةَ إليه على حقيقتها، ويتفطَّنَ لموقعِ الإعضال، وموضعِ السؤال، ومحلِّ الإشكال منها، ثم يتخيَّرُ مفتياً، ويعتقد أن قولَه في حقِّه بمثابة قول الرسول في حق الذين عاصروه، فيتخذُه قدوة وأسوة، فأما إذا لم يفهم الواقعة، فكيف يفرض نفوذ حكمه فيها، وليس في عالَم الله أخزى من متصدٍّ للحكم لو أراد أن يصف ما حكم به، لم يستطعه.    

432 ـ ومما يقضي اللبيبُ العجبَ منه، انتصابُ غرٍّ للقضاء، لا يقف على الواقعة التي فيها القضية، ولا يفهمُ العربية، ويُصغي إلى صكوك وقَبالات مُتَضَمَّنُها ألفاظٌ عويصة، لا يحيط بفحواها ومقتضاها إلا مبرَّزٌ تُثنى عليه الخناصر، ويعدُّ من المرموقين والأكابر في اللغة العربية؛ إذ منها صدَرُ الألفاظ في أصول الفقه المشتمل على الخصوص والعموم والاستثناءات، وسائر القضايا والموجَبات في فن الفقه؛ فإليه الرجوع في مأخذ الأحكام والنقض والإبرام.
433 ـ فهذا مقدارُ غرضي اللائق بهذا المجموع في ذكر صفات الولاة والقضاة.
وفي آدب القضاة، والدعاوي والبينات، ومراتب الشهادات كتبٌ معروفة في الفقه؛ فليتَّبِعْها من ينتحيها، وليطلبها من يدْريها.     


وقد نجز بحمد الله، ومَنِّه، وحسن تأييده، جوامعُ الكلام فيما يناط بالأئمة من أحكام الأمة، وقد انتهى الكلامُ بعد نجاز هذه الأبواب إلى المغزى واللباب، فأحسنوا الإصاخة معشر الطلاب إلى تجديد العهد بغرض الكتاب. 

غياث الأمم في التياث الظلم 15

غياث الأمم في التياث الظلم 15
أقول: لست أحاذرُ إثباتَ حكم لم يدوِّنه الفقهاء، ولم يتعرض له العلماء، فإن معظم مضمون هذا الكتاب لا يلفى مدوَّناً في كتاب، ولا مُضَمَّناً لِباب. ومتى انتهى مساقُ الكلام إلى أحكام نظمَها أقوام، أحلتُها على أربابها وعزيتها إلى كتابها. ولكني لا أبتدع، ولا أخترع شيئاً، بل ألاحظُ وضعَ الشرع، وأستشير معنىً يناسب ما أراه وأتحراه، وهكذا سبيلُ التصرف في الوقائع المستجدَّة التي لا يوجد فيها أجوبة العلماء مُعَدَّة. وأصحابُ المصطفى صلوات الله عليه ورضي الله عنهم لم يجدوا في الكتاب والسنة إلا نصوصاً معدودةً، وأحكاماً محصورة محدودة، ثم حكموا في كل واقعة عنَّت، ولم يجاوزوا وضع الشرع، ولا تعدَّوْا حدودَه؛ فعلَّمونا أن أحكام الله تعالى لا تتناهى في الوقائع، وهي مع انتفاء النهاية عنها صادرةٌ عن قواعد مضبوطة.

أن  لم يجد الناس قُدوةً وأُسوة وإماما يجمع شتات الرأي، ويُرَدُّوا إلى الشرع المجرد من غير داعٍ وحادٍ، فإن كانوا كذلك، فموجب الشرع والحالة هذه في فروض الكفايات أن يَحْرَجَ المكلَّفون القادرون لو عطَّلوا فرضاً واحداً، ولو أقامه من فيه كفاية سقط الفرض عن الباقين؛ فلا يثبت لبعض المكلفين توجيه الطلب على آخرين، فإنهم ليسوا منقسمين إلى داعٍ ومدعوّ، وحادٍ ومحدوّ، وليس الفرض متعيَّناً على كل مكلف، فلا يعقل تثبيت التكليف في فروض الكفايات مع عدم الوالي إلا كذلك.

 فلنضرب في ذلك الجهادُ مثلاً، فنقول:
لو شغَر الزمان عن وال، تعين على المسلمين القيامُ بمجاهدة الجاحدين، وإذا قام به عُصَبٌ فيهم كفاية، سقط الفرض عن سائر المكلفين؛ فهذا إذا عدموا والياً. 

 فأما إذا وليهم إمام مطاع، فإنه يتولى جرَّ الجنود وعقدَ الألوية البنود، وإبرام الذِّمم والعهود، فلو ندب طائفةً إلى الجهاد، تعيَّن عليهم مبادرةُ الاستعداد، من غير تخاذل وتواكل واتئاد؛ ولم يكن لهم أن يقولوا: ليس ما نُدِبْنا إليه مُتَعَيَّناً علينا؛ فليقم به غيرُنا، فإنا قد أثبتنا أن المسلمين إذا نصبوا والياً يدبرهم في إصدارهم وإيرادهم تدبيرَ الآباء في أولادهم.

ولو ساغ مقابلة أوامره ونواهيه بما يوهي شأنَه ويوهنه، لما استتب له مقصد فيما يذرُه ويأتيه، ولأفضى إلى عُسْرٍ يتعذر عليه تلافيه.

ولو وكَلَ كلُّ مندوبٍ ارتسامَ مراسم الوالي المنصوب إلى غيره، لما استقرت للإمام طاعةٌ في ساعة.

فإذا رأى الوالي المنصوب رأيا من هذا الفن كان متَّبعاً، ولم تجد الرعايا دون اتباعه محيدا ومتسعاً

فإذا ساس المسلمين والٍ، وصَفِرت يدُه عن عُدة ومال، فله أن يُعَيِّن بعضَ الموسرين لبذل ما تقتضيه ضرورةُ الحال، لا محالة، كما يندُب من يراه أهلاً للانتداب. فلا ينبغي أن يستبعد المرءُ حكمَ الإمام في فَلْسه مع نفوذ حكمه في روحه ونفسه. 
   


ليس للإمام في شيء من مجاري الأحكام أن يتهجم ويتحكَّم فعلَ من يتشهَّى ويتمنى، ولكنه يبني أمورَه كلَّها، دِقَّها وجِلَّها، عقدَها وحلَّها، على وجه الرأي والصواب في كل باب؛ فلا يندب قوماً للجهاد إلا إذا رأى تعيُّنَهم منهجَ الرشاد ومسلكَ السداد، 

غياث الأمم في التياث الظلم 14

غياث الأمم في التياث الظلم 14
فأما إذا وطئ الكفارُ ديارَ الإسلام، فقد اتفق حملة الشريعة قاطبةً على أنه يتعينُ على المسلمين أن يخِفُّوا ويطيروا إلى مُدَافَعَتِهم زرافاتٍ ووحدانا، حتى انْتَهَوْا إلى أن العبيد ينسلُّون عن ربقة طاعة السادة، ويبادرون الجهاد على الاستبداد، وإذا كان هذا دين الله عزَّ وجلَّ، دينُ الأمة، ومذهبُ الأئمة، فأي مقدارٍ للأموال في هُجُوم أمثال هذه الأهوال، لو مست إليها الحاجة؛ وأموال الدنيا لو قوبلت بقطرة دم، لم تَعْدِلْها ولم توازِنْها. فإذاً وجب تعريضُ المُهَجِ للتَّوى، وتعيَّن في محاولة المدافعة التهاوي على ورطات الرَّدى، ومصادمةِ العِدا. ومن أبدى في ذلك تمرداً فقد ظلم واعتدى.
فإذا كانت الدماء تسيل على حدود الظُّبات، فالأموال في هذا المقام من المستحقرات.    
وأجمع المسلمون أجمعون على أنه إذا اتفق في الزمان مضيَّعون فقراء مُمْلِقون، تعين على الاغنياء أن يَسْعَوْا في كفايتهم، وكذلك اتفقوا كافة على وجوب بذل الأموال في تجهيز الموتى وغيرِه من جهات فروض الكفايات، فلاح على أبلغ وجهٍ في الإيضاح أنه يجب على الأغنياء في هذا القسم أن يبذلوا فضلاتِ أموالهم.
فهذا بيان مقدار غرضنا الآن إذا وطئ الكفار بلاد الإسلام.     
ولا يحل في الدين تأخيرُ النظر للإسلام والمسلمين إلى اتفاق استجراء الكافرين.
وأموال العالمين لا تقابل غائلةَ وطأةِ الكفار في قرية من قرى الديار، وفيها سفك دمِ المسلمين، أوامتدادُ يدٍ إلى الحُرَم.

والذي أختاره قاطعاً به أن الإمام يكلِّفُ الأغنياء من بذل فضلات الأموال ما يحصل به الكفايةُ والغَنَاء؛ فإن إقامة الجهاد فرضٌ على العباد، وتوجيه الأجناد على أقصى الإمكان والاجتهاد في البلاد محتومٌ لا تساهل فيه. وما أقربَ تقاعُدَنا عنهم إلى مسيرهم إلينا، واستجرائهم علينا.
وإذا كنا لا نسوِّغُ تعطيلَ شيءٍ من فروض الكفايات فأَحرى فنونها بالمراعاة الغزوات.     

والأمورُ في الولايات إذا لم تؤخذ من مباديها، جرَّت أمورًا يعسرُ تداركُها عند تماديها.  

11‏/08‏/2014

غياث الأمم في التياث الظلم 13

غياث الأمم في التياث الظلم 13


<الاحتياطات النقدية>

والذي أقطعُ به أن الحاجات إذا انسدَّت فاستمكن الإمام من الاستظهار بالادخار، فحتمٌ عليه أن يفعل ذلك، ولست أرى ذلك من مسائل التحرِّي التي تتقابل فيها مسالك الظنون.
والدليل القاطع على ذلك أن الاستظهارَ بالجنود والعسكر المعقود عند التمكن حتمٌ، وإن بعُد الكفار، وتقاصت الديار، لأن الخطة إذا خلت عن نجدة مُعَدَّة، لم يأمن من الحوادث والبوائق، والآفات والطوارق، وإذا ارتبط النظر بالأمر الكلي وآل الخوفُ والاستشعارُ إلى البيضة والحوزة، فقد عظم الخطر، وتفاقَم الغرر، وصعُب موقعُ تقدير الزلل والخطل، وإذا كان الاستظهار بالجنود محتوماً فلا معوَّلَ على مملكة لا معتضَدَ ولا مستند لها من الأموال، فإنها شوفُ الرجال، ومرتبطُ الآمال، ومن ألِفَ مبادئَ النظر في تصاريفِ الأحوال في الإيالات، لم يخف عليه مَدْرَكُ الحق في هذا المقال.    
وإذا كان منصب الإمام القوام على طبقات الأنام مقتضياً أن يتحرى الأصلحَ فالأصلح، فكيف يليق بنظر ذي تحقيقٍ أن يُبددَ الأموالَ في ابتناء القناطر والدساكر، ويتركَ ما هو ملاذُ العساكر؟
والإطناب في الواضحات يزري بذوي الألباب.
فإذاً يتعيّن على الإمام الاحتفاظُ بفضلات الأموال؛ فإنها تنزِلُ من نجدة الإسلام منزلةَ السور من الثغور.     


غياث الأمم في التياث الظلم 12

غياث الأمم في التياث الظلم 12


فإن قيل: لم تذكروا الأمرَ بالمعروف والنهي عن المنكر.
قلنا: الشرع من مفتتحة إلى مختتمه أمرٌ بالمعروف ونهيٌ عن المنكر، وما يتعلق بالإمام منه ما فصلناه، والدعاء إلى المعروف والنهي عن المنكر يثبتُ لكافة المسلمين، إذا قدموا على ثبت وبصيرة، وليس إلى الرعية إلا المواعظ والترغيب والترهيب، من غير فظاظة وملق.

 ومن ظهر منه الصدقُ والديانة، وتجرد لله تعالى، فأوضح الحق وأبانه، على تخضّع لله واستكانة، ثم زان برفقه شأنه، وما دخل الرفق أمراً إلا زانه  ونجع كلامُه في المستكبرين في زمانهم، المتولين بأركانهم، فإن لم يرعوا؛ لم يكن للرعية المكاوحةُ وشهرُ الأسلحة، ولكنهم يُنْهون الأمور إلى الولاة، ثم إنهم يرون رأيهم في فنون الردع، كما سبق تفصيلُها.     

أما تفصيل القول في الأمر بالمعروف فإنه يحويه كتابٌ يليق بالفقهاء أن يستقصوه

ـ نجدة الإمام وعدته:

ليس يخفي على ذي بصيرة أن الإمام يحتاج في منصبه العظيم، وخطبه الشامل العميم، إلى الاعتضاد بالعَدَد والعتاد، والاستعداد بالعساكر والأجناد؛ فإنه متصدٍّ لحراسة البيضة، وحفظِ الحريم، والتشوف إلى بلاد الكفار، فيجب أن يكون عسكره معقوداً، يرون التطلع إلى أوامره شوفاً مقصوداً، ومطمحاً معموداً، ولا يجوز أن يكون معولُّه المتطوعةَ الذين لا يتنشَّأون إذا نُدِبوا مبادرين؛ حتى يتأهبوا، ويستعدُّوا ويتألَّبوا، ولن تقوم الممالك إلا بجنود مجنَّدة، وعساكرَ مجردة، مشرئبون للانتداب، مهما ندبوا، بعزائم جامعة، وآذانٍ متشوفة إلى صوت هائعة، وهؤلاء هم المرتزقة - الجيش -  لا يشغلهم عن البدار دهقَنَةٌ وتجارة، ولا تلهيهم ترفة ولا عمارة.
فإذا تقرر أنه يتحتم استظهارُ الإمام بالأعوان والأنصار فلا بد من الاستعداد بالأموال. وقد ذكرنا أن الأموال التي يجمعها ويجيبها ويطلبها وينتحيها، تنقسم إلى ما يتعين مصرفه وإلى ما يعم انبساطُه على وجوه المصالح.

وتفاصيل الأقوال في الأموال مذكورة في كتب الفقه

فمن الأموال المختصة بالمصارف الزكواتُ، وهي مصروفةٌ إلى الأصناف الموصوفين في كتاب الله، وسنن رسول الله صل الله عليه وسلم بأوصاف.
والقول في اقدارها ومحالها، وفي مصارفها مذكورٌ في كتابين من الفقه، أحدُهما بكتاب الزكاة، والثاني بكتاب قَسْم الصدقات،    

ومنها أربعة أخماس الفيء. والفيءُ مالُ كافرٍ عُثر عليه من غير إيجاف خيل وركاب، ويدخل تحته الجزية، والأخرجة عند من يراها من العلماء، وأموال المرتدين، وما ينجلي عنه الكفار من غير قتال مرعوبين مذعورين أو مختارين.    

فأربعة أخماس ما وصفناه تختص في ظاهر المذهب بالمرتزقة - الجيش - والجند المترتبين في الإسلام. والقول فيه وفي خُمس الغنيمة، وخُمس الفيء مذكور في كتابٍ مفرد في فن الفقه.     

وأما المال العام فهو مال المصالح، وهو خُمُس خُمسِ الفيء، وخُمس خمس الغنيمة، وما يخلفُه مسلم ليس له وارث خاص، ويلتحق بالمُرْصَد للمصالح مالٌ ضائع للمسلمين قد تحقق اليأس من معرفة مالكه ومستحقِّه

فالذي أذكره في الأموال ثلاثة اشياء يفتقر إليها الإيالة لا محالة:      
أحدها: ذكر ألفاظ وجيزة ضابطة لجمل المصاريف وكلياتها.     
والثاني: في تحقيق القول في أن الإمام هل ينزف مال بيت المال كلَّ سنة، أو يستظهر بذخيرة ليكون من أمره على بصيرة.    
والثالث: تفصيلُ القول فيه إذا نفذت الأموال، وانحسمت مجالبها ومكاسبها، فكيف يكون مضطربُه ومجالُه؟ ومن أين ماله؟ وإلى ماذا يؤول مآله؟ 
    

 فأما القول الضابط في كُلِّيِّ المصارف فأقول: من يرعاه الإمام بما في يده من المال ثلاثةُ أصناف:
صنف منهم محتاجون، والإمام يبغي سدَّ حاجاتهم، وهؤلاء معظم مستحقي الزكوات في الآية المشتملة على ذكر أصناف المستحقين: قال الله تعالى ]إنما الصدقات للفقراء[ الآية. وللمساكين استحقاقٌ في خمس الفيء، والغنيمة كما يفصله الفقهاء، فهؤلاء صنف من الأصناف الثلاثة.

 والصنف الثاني أقوام ينبغي للإمام كفايتُهم، ويدرأ عنهم بالمال الموظِّف لهم حاجتَهم، ويتركهم مكفيين ليكونوا متجردين لما هُم بصدده من مُهِمِّ الإسلام. وهؤلاء صنفان:
أحدهما: المرتَزقةُ، وهم نجدةُ المسلمين وعُدَّتُهم، وَوَزَرُهم وشوكتُهم، فينبغي أن يصرف إليهم ما يرمّ خَلَّتهم، ويسدّ حاجتَهم، ويستغنوا به عن وجوه المكاسب والمطالب، ويتهيأوا لما رُشحوا له، وتكونُ أعيُنهم ممتدَّة إلى أن يُنْدَبوا، فَيَخِفُّوا على البدار، وينتدبوا من غير أن يتثاقلوا، ويتشاغلوا بقضاء أرَبٍ، وتمهيد سبب.      وغرضُنا الاكتفاءُ بتراجم كلية في التقاسيم.
 والفقهاء يستقلون بإيضاح التفاصيل. فهؤلاء صنف من الصنفين المذكورين آخراً.     
والصنف الثاني: الذين انتصبوا لإقامة أركان الدين، وانقطعوا بسبب اشتغالِهم واستقلالهم بها عن التوسّل إلى ما يُقيم أَوَدَهم، ويسدُّ خَلَّتَهم. ولولا قيامُهم بما لابَسُوه، لتعطَّلت أركان الإيمان.
فعلى الإمام أن يكفيهم مُؤَنَهم حتى يسترسلوا فيما تصدَّوا له بفراغ جنان، وتجرُّدِ أذهان، وهؤلاءِ هم: القضاةُ والحكامُ، والقسَّامُ والمفتون والمتفقهون، وكل من يقومُ بقاعدةٍ من قواعد الدين، يُلهيه قيامُه عمّا فيه سدادُه وقوامُه.
فأما المرتزقة، فالمال المخصوص يعم أربعة أخماس الفيء.     
والصنف الثاني يُدِرُّ عليهم كفايتَهم وأرزاقَهم من سهم المصالح، وقد أتى مساقُ التقسيم على صنفين من الأصناف الثلاثة المتقدمين.    

 والصنف الثالث: قومٌ يصرف إليهم طائفة من مال بيت المال على     غِناهم واستظهارِهم، ولا يتوقف استحقاقهم على سدّ حاجة، ولا استيفاء كفاية، وهم بنو هاشم، وبنوا المطلب المسمَّوْن في كتاب الله ذا القربى، فهؤلاء يستحقون سهماً من خمس الفيء والغنيمة من غير اعتبار حاجة وكفاية عند الإمام الشافعي رحمه الله.
وقد شهدت بصحة مذهبه الأخبارُ الصحيحة، والنصوص الصريحة، وسيرُ الخلفاء، ومذاهبُ العلماء قبل ظهور اختلاف الآراء.     
فهذه جملٌ في مصارف أموال بيت المال، يليق بالايالة العظمى حفظُها.
وقد انتهى الغرض في هذا الفن

أما المرتزقة إن توفَّرت عليهم كفايتُهم، وانسدَّت خَلاَّتُهم، وفَضَل من أربعة أخماس الفيء فاضلٌ، فيجب فضّ الفاضل عليهم على أقدار أعطيتِهم وأقساطِهم.    

وأما المال المرصد للمصالح، فلا نتصوَّر انقطاعَ مصارفه.
والإمام يبدأ فيه بالأهم فالأهم، فإن مسَّت الحاجةُ إلى ضم طائفةٍ منه إلى مال المرتزقة، أو صَفِرَ بيت المال عن الفيء، فأهم المصالح تمهيدُ كفايةِ المرتزقة، وإن لم تف الزكوات بحاجات المحاويج سدَّ الإمام حاجاتِهم بمال المصالح.

فإذن مال المصالح مُعَدٌّ لكل مصلحة ليس لها على الخلوص والخصوص مال، وكل مصرِف قَصَر عنه المال المُعَدُّ له، فمالُ المصالح يستتمُّه ويستكمله، ولو فرض زوال الحاجات وارتفاع الضرورات، فهؤلاء يقولون: فاضلُ مال المصالح يبني به الرِّباطاتُ والقناطرُ والمساجدُ وغيرُها من جهات الخير.