17‏/01‏/2015

إمبراطورية الثروة ج2-13

إمبراطورية الثروة ج2-13


         ولد نظام الاحتياطى الفدرالى الجديد فى عام 1913 , و اصبح للولايات المتحدة مصرف مركزى , وإن كان لا يخلو من العيوب , للمرة الأولى منذ أن كان أندرو جاكسون رئيسا .

إن من أعظم المصادفات فى التاريخ الاقتصادى للولايات المتحدة أن جى بى مورغان – الذى كان يعد مضطلعا بمهام المصرف المركزى فى معظم حقبة ما بعد الحرب الأهلية – وقد ولد فى عام 1936 , فى العام نفسه الذى انتهت فيه رخصة المصرف الثانى للولايات المتحدة .

وقد توفى فى العام نفسه الذى رأى فيه المصرف الاحتياطى الفدرالى – وهو بديله الذى طال انتظاره – النور .

       هذه الأرض المعطاء – التى ترابطت أوصالها بفضل المراكب البخارية وخط التلغراف كما لم يحدث من قبل – كانت لا تزال بعيدة عن أوروبا وسياساتها الدولية المبغضة للغير وسباق التسلح الخطير الذى انتهجته .

 وكان جيش الولايات المتحدة من بين أصغر جيوش القوى العظمى , ولكن اتساع جبهة الأطلسى وامتلاك الولايات المتحدة ثالثة اكبر قوة بحرية لحماية تلك الجبهة أسبغ على البلاد شعورا بالأمن و البعد عن كل ما قد يحدث فى العالم القديم .


      قال هربرت هوفر : إن مشكلة الرأسمالية هى الرأسماليون , فهم جشعون جدا .
     
اثر الحرب العالمية :

        كانت روسيا أحد أكبر مصدرى القمح فى العالم فى أواخر القرن التاسع عشر , لكن حصتها من السوق العالمية ذهبت على الفور الى الولايات المتحدة وكندا والارجنتين واستراليا .
ولم تسترد حصتها منذ ذلك اليوم .

ومن أهم أسباب ذلك بالطبع الدمار الذى لحق الزراعة الروسية على يد الشيوعية .

        وبين ديسمبر 1913 وابريل 1914 صدرت الولايات المتحدة ثمانية عشر مليون (شوال) من القمح . وفى الفترة ذاتها من العام التالى , وصلت صادرات القمح الى ثمانية وتسعين مليون شوال . 

ومع استمرار الحرب استدعيت اعداد متزايدة من العمال الزراعيين الى الخدمة العسكرية فى اوروبا وظلت الصادرات الزراعية الأمريكية فى ازدياي . وارتفع دخل المزارع الصافى فى سنوات الحرب الى اكثر من الضعف , ليصل الى 10 مليارات دولار . وارتفعت قيمة الاراضى والأبنية والمعدات الزراعية بنسبة 30 فى المائة تقريبا .

        كما زاد حجم التصنيع فى الولايات المتحدة بمعدلات سريعة ايضا .

 وباتت اسواق امريكا اللاتينية واسيا التى كانت الشركات الاوروبية تمدها بالسلع الضرورية مفتوحة انذاك أمام الشركات الأمريكية .

والأهم من هذا وذاك كان سيل طلبيات الشراء التى بدأت تتدفق على الشركات الأمريكية من بريطانيا العظمى وحلفائها على منتجات مثل الفولاذ والعربات وكل أنواع مركبات السكك الحديد وقضبان السكك الحديد .

ووردت طلبيات من الاطراف المتحاربة لشراء الأسلاك الشائكة – وهى ابتكار أمريكى يرجع الى سبعينيات القرن التاسع عشر كانت الغاية الأساسية منه حماية المزارع الغربية حديثة العهد بتكاليف بسيطة – وكانت الطلبيات بمئات الاف الأميال لحماية الخنادق من هجمات الجنود المشاة .

         بفضل الحرب الدائرة فى أوروبا بدأت الصناعة الأمريكية تسترد عافيتها والنمو بمعدلات غير مسبوقة منذ الحرب الأهلية .


إمبراطورية الثروة ج2-12

إمبراطورية الثروة ج2-12


الضرائب :
       إن السياسة فى الولايات المتحدة هى سياسة الوسط – لا اليمين ولا اليسار – وإن قدر هذه الأمة معايشة الاختلافات المقسمة أو السير على كلا المنهجين فى ان واحد ما كان الى ذلك سبيل . 

وفى السنوات المائة التالية , حين يتناوب الحزبان على إمساك مقاليد الهيمنة السياسية , ستعتمد البلاد سياسات اقتصادية تراعى مصالح الطبقتين العليا والدنيا .

لقد كانت النتيجة ذات اثار حميدة كلية تقريبا – على الرغم من أنها خلقت فوضى فلسفية – وهذا دائما حال العمل السياسى فى الدول الديموقراطية .

        ولم يشغل دوائر السياسة فى البلاد فى هذه الحقبة السليمة – الى جانب معيار الذهب – سوى النظام الضريبى .

فلقد اعتمدت الحكومة الفيدرالية على التعريفات الجمركية كمصدر رئيسى لإيرادتها منذ أيام الكساندر هاملتون , الى أن اضطرتها الحرب الأهلية  الى فرض ضرائب على كل شئ تقريبا بما فى ذلك الدخول.

         فى عام 1867 خفضت ضريبة الدخل المخصصة للحرب الأهلية الى 5 فى المائة على كل الدخول التى تزيد على 1000 دولار .

وبعد ثلاث سنوات خفض معدل الضريبة مرة أخرى حتى ألغيت نهائيا فى عام 1872 , ولم يكن قبل الحرب الأهلية تأييد يذكر – إن كان حقا ثمة تأييد – لضريبة الدخل , لكن كل برامج الحكومات – حالما كانت توضع قيد التطبيق – تخلق تأييدا سياسيا وهذا كان أيضا شأن ضريبة الدخل .


        لقد نجح مؤيدو ضريبة الدخل من الناحيتين المنطقية والسياسية – لنقل – فى حشد الرأى الى جانبهم . حيث إن الضرائب غير مباشرة – مثل ضرائب السلع الكمالية والتعريفات الجمركية – هى ضرائب على الاستهلاك , وبالتالى فهى تصاعدية بطبيعتها , أى انها تصيب أساسا اولئك الاقل قدرة على تحملها , فالفقراء مضطرون الى إنفاق نسبة عالية جدا من دخولهم على الحاجات الأساسية (الضروريات) تفوق نسبة ما ينفقه الأغنياء , وبالتالى فهم ينفقون نسبة أكبر كثيرا من دخولهم على ضرائب الاستهلاك .

       لقد شرح عضو مجلس الشيوخ جون شيرمان – وهو جمهورى من أوهايو , ولم يكن راديكاليا بأى شكل من الأشكال – فى أحد الحوارات موضوع إلغاء ضريبة الدخل فى عام 1872 فقال : إن لدينا هنا فى نيويورك السيد أستور .. بدخل يعد بالملايين يكسبها من تجارة العقارات .. ولدينا فى المقابل رجل فقير لا يزيد دخله السنوى على الف دولار .

ما وجه التمييز الذى يحمله القانون فى هذه الحالة ؟ إنه بالتأكيد متحيز ضد الرجل الفقير , إذ إننا نفرض ضريبة على كل ما يستهلكه هذا الرجل , ونبقى مع ذلك مترددين فى فرض ضريبة على دخل السيد أستور .

 هل ثمة عدالة فى ذلك لماذا يا سيدى تكون ضريبة الدخل الوحيدة التى تنحو الى مساواة هذه الأعباء بين الغنى والفقير ؟ .
      
       أقدم كورتيليو على الفعل الوحيد الذى كان باستطاعته القيام به فى ظل الظروف السائدة : أبلغ جى بى مورغان الحكومة الفدرالية بذل ما فى وسعها لاستئصال أسباب الهلع , واضعا ثقته به من جديد للخروج بحل لهذه الأزمة المالية التى عصفت بالبلاد .

       كان مورغان على دراية تامة بسبب المشكلة . وفى يوم الخميس 24 اكتوبر أبلغ الصحفيين أنه (إذا بقى المودعون أموالهم لدى المصارف فكل شئ سيكون على ما يرام) . 

لكن إقتناع الناس الذين  شلهم الهلع على التعاون كان الجانب الأصعب فى هذه المهمة.

       وأدرك مورغان أن نيكربوكر ترست كان متعذرا إنقاذه , وأن مؤسسة تسليف أخرى (مؤسسة التسليف الأمريكية) – وعلى الرغم من أنها كانت تستنزف إيداعاتها – إنما كانت مملوءة ماليا .

لذلك ارتأى أن (هذا هو الموضع حيث يجب أن تبدأ معالجة المشكلة) .

و أقنع كورتيليو بإيداع 35 مليون دولار لدى المصارف الوطنية , وطلب الى المصارف اقراض شركة التسليف الأمريكية .

ولما لم يكن لدى المودعين ما يكرههم على سحب أموالهم فإنهم ما عادوا راغبين فى سحبها . وهكذا زالت موجة الهلع التى ضربت شركة التسليف الأمريكية .


        لكن الوضع ظل حرجا . وفى يوم الخميس عبر رئيس بورصة نيويورك شارع برود ستريت الى مصرف مورغان ليبلغ مورغان بوجوب إغلاق البورصة لأنه لم تعد ثمة قروض تحت الطلب (وهى الأموال التى يقرضها السماسرة لعملائها لتمويل حسابات الشراء بالهامش) وقد رفض مورغان بثقة إغلاق البورصة وأمن مبلغ 27 مليون دولار فى خمس دقائق من المصارف الأخرى لتحاشى إغلاق البورصة .

واستدعى فى تلك الليلة المصرفيين الى مكتبته الجديدة العظيمة فى الجادة السادسة والثلاثين . ووضعوا خطة للحفاظ على سيولة المصارف وتحسين عمل الموسرة منها التى كانت تعانى ضغوطا كبيرة , وتوفير مزيد من أموال القروض تحت الطلب للسماسرة .

وقد أذاع أنه ((سيتم التصدى بالوسائل اللازمة لكل من يبيع على المكشوف مستغلا حالة الهلع)) . ولم يكن كثير من السماسرة فى حاجة الى من يدلهم على المقصود بذلك .

        لقد أشرفت الأمور على الانفلات تقريبا , لكن سوق نيويورك المالية استطاعت أن تكمل بقية الأسبوع من دون أن تقع ضحية الفشل أو الأنهيار .

وبعد أن طلب الاجتماع بالمصرفيين خلال الأسبوع طلب أيضا لقاء رجال الدين (الكهنوت) فى المدينة , وحثهم على إلقاء مواعظ شاحذة للهمم والمعنويات فى قداس الأحد .

        وبدأت موجة الهلع فى الأنحسار تدريجيا , وفى الأسبوع التالى زال الخطر . لقد ساهم كثير من مصرفيى نيويورك من أمثال جيمس ستيلمان وجورج إف بيكر , عينا ونقدا فى درء الأزمة .

لكن الرأى العام كان مجمعا على أن مورغان وحده – وكان أنذاك اكثر مصرفيى العالم نفوذا ومكانة , وربما فى كل الأزمان – كان قادرا على جمع شمل مجتمع وول ستريت بأسره وحمله على العمل لأجل المصلحة العامة .

         وقد أثنى ثيودور روزفلت نفسه – وكان مغرما بالتصدى ل (أشرار المال) – على رجال الأعمال وهؤلاء الرائعين أصحاب النفوذ الذين تصرفوا بتلك الحكمة وروح المصلحة العامة .


         فى عام 1907 بداية فترة كساد شديد , كما حدث فى انهيارات العامين 1873 و 1893 .


إمبراطورية الثروة ج2-11

إمبراطورية الثروة ج2-11


   الذهب :

       عاد البلد الى معيار الذهب كما كان مخططا له فى الاول من يناير 1879 , وطلب إلى الخزانة الاحتفاظ باحتياطى من الذهب بقيمه 100 مليون دولار لمقابلة الطلب على المعدن النفيس . 

لقد صوت الكونغرس فى السنة السابقة بالإبقاء على ما يعادل 346681000 دولار من الاوراق النقدية الخضراء التى كانت لا تزال قيد التداول , لكن على أن تكون قابلة للاسترداد ذهبا , كما كان شأن المسكوكات الفضية .

 كما أقر الكونغرس قانون (بلاند-اليسون) الذى أوجب على الخزانة شراء ما بين مليونى دولار و 4 ملايين دولار شهريا من الفضة فى السوق المفتوحة وتحويلها الى مسكوكات بنسبة معادلة (16 الى 1) من الذهب .

بكلمة أخرى , أعلن الكونغرس – وبقوة القانون – أن ست عشرة أوقية من الفضة تعادل أوقية واحدة من الذهب . وقد كان لمسكوكات الفضة الجديدة بالطبع أثر كبير فى زيادة عرض النقد فى البلاد , وتلك هى الطريق النموذجية نحو التضخم .

          فعل (قانون غريشام) فعله المحتوم .

إذ بما أن قيمة الفضة السوقية كانت تعادل واحدا من عشرين من قيمة الذهب , بينما كان السعر يحدد عند ضرب النقد بنسبة 1 الى 16 فقد سعى الناس – بطبيعة الحال – الى انفاق الفضة و الاحتفاظ بالذهب , وبدأت احتياطيات من الذهب ترشح من الخزانة .

          طرح كليفلاند السؤال التالى : ألديك ما تقترحه؟ وكان لدى مورغان ما يقترحه بالفعل . ذلك أن إصدار مزيد من السندات فى السوق المحلية – وفق رأيه – لن يفيد على الأجل الطويل بأى حال . 

ولأن الذهب سيكمل دورته الى خارج الخزانة فى نهاية المطاف .

لكنه وأوغست بيلمونت الابن – وهو وكيل ال روتشيلد فى الولايات المتحدة , وكان حاضرا فى البيت الأبيض ذلك اليوم – سيؤمنان مبلغ 100 مليون دولار ذهبا من أوروبا , وسيكون ذلك كفيلا بوقف نزيف الذهب من الخزانة . كما أن محامى مورغان وضعوا أيديهم على قانون غامض يعود الى زمن الحرب الأهلية – ولا يزال سارى المفعول – يسمح للحكومة بإصدار السندات اللازمة لشراء النقد المعدنى من دون العودة الى الكونغرس فى ذلك .

           كان مورغان – وهنا يكمن وجه الغرابة – راغبا فى أن يحول دون تدفق الذهب الى أوروبا , على الأقل فى الأجل القصير .

 وكان هذا عملا من ضروب الشجاعة المالية الفائقة .

وبفضل سمعته التى ملأت الافاق و اللجوء الى تقنيات متطورة فى اسعار الصرف استطاع مورغان الوفاء بالوعد الذى قطعه على نفسه .

وفى يونيو 1895 وصل احتياطى الخزانة من الذهب الى 107.5 مليون دولار . وبدأ الاقتصاد – وهذا الأهم – يتعافى . وهكذا انقذ مورغان معيار الذهب .
          ومن الطبيعى أن ماوئى معيار الذهب قد سلقوا مورغان و بيلمونت بألسنة حداد , وكان هؤلاء يهيمنون على المؤتمر الديموقراطى لعام 1896 , وقد قدم ويليام جينينج بريان – وهو عضو أسبق فى الكونغرس عن نبراسكا , وكان يرأس انذاك تحرير صحيفة (اوهاما وورلد هيرالد) , وكان من مؤيدى معدن الفضة بشدة – لوفود المؤتمر كل المعلومات المهمة التى كانوا تواقين الى معرفتها عن هذه المسألة , وذلك فى واحدة من أشهر الخطب العامة فى التاريخ الأمريكى .

         لقد طمأن بريان الحضور منذ البداية الى أن (احقر مواطن فى هذا البلد – عندما يتسربل بدرع قضية عادلة – يكون أقوى من كل قوى الخطيئة مجتمعة ) .

وكانت قضيته وقف العمل بمعيار الذهب , وعرض بكلمات رنانة كيف أضر هذا المعيار بمصالح المزارعين والعمال , ولم يخدم سوى مصالح من وصفهم – بكلمات توماس كارليل - ارباب المال العاطل المتكاسلين .

        وكان ذلك صلب القضية , كما اخبر الحضور . لمصلحة اى طرف سيقاتل الحزب الديموقراطى , لمصالح ارباب المال العاطل , المتكاسلين ام الى جانب الجماهير الكادحة ؟ .

        كان يشد الحضور طرف راحته عندما بلغ نهايته خطبته , و كان صوته يبلغ من دون جهد كل اركان قاعة المؤتمرات فى شيكاغو : بحصولنا على دعم الجماهير المنتجة فى الأمة و العالم , مدعومة بالمصالح التجارية ومصالح العمال والكادحين فى كل مكان ,
سنرد على مطالبهم بمعيار الذهب بأن نقول لهم : لن تثبتوا على جبين العمال تاج الشوك هذا , لن تصلبوا البشرية على صليب من ذهب .


        أعلن بريان فى خطبته العظيمة : لقد عرضنا مطالبنا .. لكنها قوبلت بازدراء , لقد توسلنا .. لكن توسلاتنا لم تلق أذنا صاغية , لقد تضرعنا .. لكنهم سخروا منا فى محنتنا .

إننا لن نتوسل بعد الان .. لن نتضرع .. لن نطالب .. وإننا نتحداهم .

إمبراطورية الثروة ج2-10

إمبراطورية الثروة ج2-10


      لقد كتب كارنيجى ( ان الرجل الذى يموت غنيا يموت مسربلا بالخزى والعار) فتبرع بكامل ثروته تقريبا لبناء ما يربو على خمسة الاف مكتبة فى المدن الصغيرة .. الى جانب كثير من الاعمال الخيرية الأخرى .

     عندما دخل ثيودور روزفلت البيت الابيض فى سبتمبر 1901 بدأ اتجاه الحكومة الفدرالية نحو الحرية الاقتصادية (دعه يعمل) فى التغير .

وفى عام 1904 اعلنت الحكومة انها ستتخذ الخطوات القانونية بموجب قانون شيرمان لمكافحة الاحتكار – وكان ثمة اعتقاد أن هذا القانون صار فى طى الماضى – لتفكيك أحد اندماجات مورغان الجديدة وشركة الأوراق المالية الشمالية .

وهرع مورغان الى واشنطن لتسوية المسألة . وهناك أخبر الرئيس , موجزا له فكرته عن الية عمل العالم التجارى : إذا كنا قد أخطانا فى شئ .. فارسل محاميك الى محامى ليعملا على اصلاح الخطا .


        رحب الجناح الليبرالى فى أروقة السياسة الأمريكية بالحكم , بكل تأكيد , ولكن فى واحدة من أغرب المفارقات فى التاريخ الاقتصادى الأمريكى , كان أثر الحكم الصادر على أكبر تكتل للثروة فى العالم أجمع هو أن زاد تلك الثروة .

ففى العامين اللذين أعقبا تفكيك ستاندرد أويل تضاعفت قيمة أسهم الشركات التى انبثقت عنها , مما زاد من ثروة جون دى روكفلر الى ضعف ما كانت عليه .

        السبب المباشر للكساد الذى بدأ فى عام 1893 , كما كانت الحال فى معظم فترات الكساد السابقة فى هذا البلد , هو فرط التوسع الاقتصادى نتيجة افتقاد البلاد مصرفا مركزيا يعمل مكابحه وقت الضرورة .

       كتب جارفيلد – اكثر حكماء المال فطنة – فى التقرير الذى اصدرته اللجنة انه ( مادمنا نعتمد معيارين للقيمة يقرهما القانون – ويمكن ان يتعارضا بوسائل مصطنعة – فإن المضاربة على سعر الذهب هى مصدر إغراء كبير من الصعب مقاومته ) .

      لقد أراد جارفيلد – بعبارة اخرى – العودة الى معيار الذهب ووقف التعالم بالاوراق النقدية الخضراء (الدولار) .

      إن لمعيار الذهب ميزة كبيرة كنظام نقدى : فهو يجعل التضخم بعيدا خارج دائرة الاحتمال .


      التضخم أثير دائما على قلوب المدينين لانه يساعدهم على سداد الديون المستحقة عليهم بنقد انخفضت قوته الشرائية .

إمبراطورية الثروة ج2-9

إمبراطورية الثروة ج2- 9



جومبرز :
      كان جومبرز يؤمن بإنشاء الاتحادات وفق المهنة معطيا الأولوية للمنظمات الوطنية – على حساب المحلية – ولبلوغ أهداف العمال عن طريق الفعل الاقتصادى (الإضرابات و المقاطعات و الاعتصامات وما سواها) وليس العمل السياسى .

 كان على اقتناع بأن العمل الاتحادى (المحض والبسيط) هو سبيل النجاح و (الانعتاق الصناعى) . 

كان جومبرز اشتراكيا – فى عقيدته – لكنه أدرك أن السبيل الوحيد لبلوغ ذلك الهدف البعيد هى أن يرى جانب العمل يزداد قوة تكفى للتفاوض الندى مع الإدارة فى المقام الأول .


الإغلاق التعجيزى :
        وقف العمل و إغلاق رب العمل للمكان فى أثناء الخلاف مع العمال لإجبارهم على قبول شروطه .
       الاقتصاد الأمريكى فى أواخر القرن التاسع عشر كان يرتز أساسا على صناعة الفولاذ .

       لقد أدركت الشركة أنه ليس ثمة ما يتحكم فى سعر النفط الخام , لكنها يمكن أن تتحكم – جزئيا على الأقل – بأحد العناصر المهمة الأخرى فى سعر المشتقات النفطية ألا وهو النقل .

فبدأت مفاوضات جريئة مع خطوط السكك الحديد للحصول على تخفيضات فى أسعار النقل لقاء مستويات عالية ومضمونة من الشحنات . كانت هذه الأتفاقية هى ما سمح للشركة بالبيع بأسعار تقل عن أسعار منافسيها والحصول مع ذلك على ارباح وفيرة , مما ساهم فى تقوية مركز الشركة التنافسى الذى كان قويا فى الأساس .

     لقد صار توسع ستاندرد أويل من القصص الأسطورية التى تروى عن أمريكا أواخر القرن التاسع عشر , حينما حقق حملة أسهمها الثراء الذى لا يدركه الخيال وازداد تأثيرها ونفوذها فى الاقتصاد الأمريكى بصورة كبيرة .

وبالفعل فإن ردة فعل وسائل الإعلام على ستاندرد أويل جون دى روكفلر فى العصر الذهبى مشابهة – وياللغرابة – لرد الفعل الذى قوبل به ارتقاء شركة مايكروسوفت وبيل غيتس بعد مائة عام . 

ولربما كان من قبيل المصادفة أن روكفلر وغيتس كانا فى العمر نفسه تقريبا – فى مطلع الأربعينيات – عندما صار اسماهما يترددان فى كل مكان ورمزين خالدين لهيكل اقتصادى جديد , يحمل فى طياته تهديدا للبعض .

مخاطر الاحتكار :

      الاحتكارات كغيرها تسعى الى تعظيم ارباحها , وليس اسعارها . فالاسعار المتدنية – التى ترفع الطلب وبالتالى كفاءة العمل , التى بدورها تخفض التكلفة – هى فى العادة افضل السبل لتحقيق اعلى مستويات الارباح .

أما ما يجعل الاحتكارات شرا كبيرا على الاقتصاد (وأغلبها اليوم وكالات حكومية من مكاتب السيارات الى المدارس العامة) فهو حقيقة أن غياب الضغوط التنافسية يجعلها تحجم من تحمل المخاطر وبالتالى تقلع عن الابتكار ولا تكترث براحة العملاء .

      أثرى أثرياء أمريكا هم دائما محدثو الثراء ويتحدد سلوكهم بوجبات ذلك , وبالتالى فإن عبارة (الاستهلاك التفاخرى) تاخذ معنى جديد فى كل جيل .


      تبرع الأثرياء بالأموال الطائلة للمؤسسات الخيرية هو صنيع يميز الأمريكيين .

إمبراطورية الثروة ج2-8

إمبراطورية الثروة ج2 - 8



      لكل من رأس المال و العمل أهميته فى الإنتاج الصناعى واسع النطاق كصناعة الفولاذ . ذلك أنه لا يمكن لأى من عنصرى الإنتاج هذين خلق الثروة من دون وجود الأخر .

      أول إضراب سجل فى ما يعرف اليوم بالولايات المتحدة إنما وقع فى عام 1768 عندما تظاهر الخياطون المياومون فى مدينة نيويورك . وفى عام 1798 تأسست أول نقابة عمالية .

      أصل المشكلة فى الحرب العوان الدائرة بين رأس المال والعمل فى الاقتصاد الأمريكى .

إذ يتحدث رأس المال بصوت واحد (بصوت جماعى) , إما لأن شخصا واحدا يهيمن على الشركة – من أمثال أندرو كارنيجى أو يستأجر حملة الأسهم إدارة تتكلم بصوتهم .

أما العمل فهو فى المقام الأول مشتت , وليس للعمال كأفراد الخيار إلا بقبول ما هو مقدم لهم .

       وحتى بعد تأسيس اتحادات العمل المهنية فإنها لم تفعل كثيرا لمساعدة العمال غير المهرة . 

وقد نظر العمال المهرة بين التعالى والتباهى إلى العمال غير المهرة – وكثير منهم كانوا من المهاجرين الجدد – فلم يروهم فقط حلفاء ضد الإدارة , بل عبثا على الشركة قد ينعكس سلبا على أجورهم . 

وقد ولد هذا انقساما عميقا بين فئات العمال لن يتم رأبه حتى خمسينيات القرن العشرين .

      كانت ثمة محاولات عدة لتأسيس منظمات تمثل العمال جميعا – على غرار اتحاد العمل الوطنى , الذى تأسس فى عام 1866 , والاتحاد ذائع وكان يضم أكثر من سبعمائة الف عضو فى ثمانينيات القرن التاسع عشر .

وقد قبل فى عضويته عمالا من كل مستويات الخبرة ومن مختلف المناطق , لا بل إنه قبل فى عضويته أيضا العمال السود .

إن اتحاد عمال العالم الصناعيين الذى تأسس عام 1905 لم تتعد عضويته مئات الالاف , لكنه كان ذا نفوذ عظيم بفضل تكتيكاته المتقنة واقتراحاته التقدمية .

       إن الاشتراكية فى شتى صورها تقوم على مفهوم الطبقات , وعلى فكرة أن طبقات المجتمع المختلفة ثابتة لا حراك بها , و بالتالى فإن أفراد كل طبقة لديهم مصالح أقتصادية مشتركة تتعارض مع مصالح الطبقات الأخرى .

 لكن الطبقات كما هى فى الدول الديموقراطية ليست فى الواقع أكثر من خطوط يرسمها المفكرون من خلال ما يعد فى الواقع صيرورة اقتصادية مستمرة .

 لقد عد أكثر من 90 فى المائة من الأمريكيين – طوال أجيال خلت – من أبناء الطبقات الوسطى .


       ولم يوجد بلد – على مر التاريخ – هيكلا اجتماعيا أكثر مكافأة للنجاح الاقتصادى للفرد كذلك الذى خلقته الولايات المتحدة .

إمبراطورية الثروة ج2-7

إمبراطورية الثروة ج2 - 7




       إن الهجرة إلى الولايات المتحدة بحثا عن الفرص الاقتصادية لم تتوقف , على الرغم من وضع ضوابط قانونية لهذه الهجرة فى مطلع عشرينات القرن العشرين . وساعدت هذه الهجرة السريعة على توفير اليد العاملة اللازمة لتشغيل الاقتصاد الأمريكى . وقد أكسبت الولايات المتحدة تركيبة سكانية كانت الأكثر تنوعا فى العالم أجمع .

وبفضل هذا , فقد وفرت لها روابط وعلاقات شخصية وثيقة مع كل دول العالم تقريبا , وهذا يعد ميزة اقتصادية وسياسية عظيمة.

        يمثل الكوك مقارنة بالفحم العادى ما يمثله الفحم النباتى مقارنة بالخشب .

إذ إن تسخينة من دون هواء للتخلص من الشوائب , يحوله إلى كربون خالص يحترق عند درجة حرارة معتدلة ويمكن ضبطها بيسر وسهولة .

ولا يمكن الاستغناء عن الفحم النباتى وفحم الكوك فى إنتاج الحديد والفولاذ .

 ومع تنامى صناعة الحديد فى بتسبرة تحولت تدريجيا إلى فحم الكوك الذى كان الانتقال بإنتاجه الى النطاق الصناعى أسهل كثيرا من الانتقال بالفحم النباتى .

التكامل العمودى :

        إن التكامل العمودى هو أن تضع شركة واحدة يدها على بعض مراحل الإنتاج – أو كلها – من مرحلة التأمين المواد الأولية إلى مرحلة التوزيع .


أشترك كارنيجى و فريك فى فلسفة إدارية بسيطة :

1 – الابتكار الدائم و الاستثمار بكثافة فى أحدث المعدات والتقنيات بغية خفض التكاليف التشغيلية .

2 – حرص الصناعى على أن يكون أقل المنتجين تكلفة للمحافظة على مركز رابح عندما تسوء الظروف الاقتصادية .

3 – استبقاء معظم الأرباح فى الفترات المواتية للاستفادة من الفرص المتاحة فى الفترات غير المواتية حينما ينتهى المنافسون الأقل كفاءة إلى الفشل .

        لم يشغل كارنيجى نفسه أى منصب إدارى فى الشركات التى خضعت لسيطرته , لكنه بفضل حيازته أغلبية كافية تماما فى ملكية الأسهم , ظل دائما مسيطرا على مقاليد القيادة والمسؤولية .