14‏/05‏/2015

قواعد الأحكام في مصالح الأنام 22

قواعد الأحكام في مصالح الأنام 22





فإن قيل: القتل معصية من القاتل الكافر، فكيف يتمنى الإنسان الشهادة مع أن تسببها معصية؟ فالجواب أنه ما يتمنى القتل من جهة أنه قتل وإنما تمنى أن يثبت في القتال، فإن أتى القتل على نفسه فكان ثوابه على تعرضه للقتل لا على نفس القتل الذي ليس من كسبه، وعلى هذا يجعل قوله تعالى: {وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ}، أي تمنون القتل في سبيل الله من قبل أن تلقوا أسبابه في يوم أحد، ويجوز أن يتمنى الإنسان القتل من جهة كونه سببا لنيل منازل الشهداء، لا من جهة كونه قتلا ومعصية، وقد كان عمر رضي الله عنه يقول: اللهم إني أسألك الشهادة في سبيلك، وموتا في بلد رسولك. وأما قتل أهل البغي فإنه خطأ من البغاة، ولا يثاب المقطوع على خطأ غيره، وكذا الثواب على دفع مفسدة البغي بالقتال.



فصل: فيما يثاب عليه من حسن الصفات و ما لا يثاب عليه
...
فصل: فيما يثاب عليه من حسن الصفات وما لا يثاب عليه
كل صفة جبلية لا كسب للمرء فيها، كحسن الصور، واعتدال القامات وحسن الأخلاق، والشجاعة والجود، والحياء والغيرة، والنخوة وشدة البطش، ونفوذ الحواس، ووفور العقول، فهذا لا ثواب عليه مع فضله وشرفه لأنه ليس بكسب لمن اتصف به، وإنما الثواب والعقاب على ثمراته المكتسبة، فمن أجاب هذه الصفات إلى ما دعت إليه الشريعة كان مثابا على إجابته جامعا لصفتين حسناوين إحداهما: جبلية، والأخرى كسبية، ومن لم يجب إلى ذلك كان وصفه حسنا وفعله قبيحا، وأما ما يصدر عن هذه الأوصاف من آثارها المكتسبة فإن لم يقصد بها وجه الله فلا ثواب عليها، وإن قصد بها الرياء والتسميع أثم بذلك، وإن قصد بها وجه الله تعالى أجر وفاز بخير الدارين ومدحهما.



لا تكليف بما يشق اجتنابه مشقة فادحة، ولا بما يطاق فعله ولا تركه. ومبدأ التكليف العزوم والقصود، فالعزم على الحسنات حسن، وعلى السيئات قبيح، وعلى المباح مأذون.


فكم من شرف عظيم لا ثواب عليه لأنه خير من الثواب فإن النظر إلى الله أشرف من كل شريف وأفضل من كل نعيم روحاني أو جثماني، وقد جعل زيادة على الأجور، لأنه أعظم من أن يقابل به عمل من الأعمال أو حال من الأحوال، وكذلك



فصل: فيما يثاب عليه المتناظران وما لا يثابان عليه
إن قيل: هل يثاب المتناظران على المناظرة أم لا؟ قلنا إن قصد كل واحد بمناظرته إرشاد خصمه إلى ما ظهر له من الحق فهما مأجوران على قصدهما وتناظرهما، لأنهما متسببان إلى إظهار الحق، وإن قصد كل واحد منهما أن يظهر على خصمه ويغلبه، سواء أكان الحق معه أو مع خصمه فهما آثمان، وإن قصد أحدهما الإرشاد وقصد الآخر العناد، أجر قاصد الإرشاد، وأثم قاصد العناد.



فصل: في تفضيل الحكام على المفتين و الأئمة على الحكام


وأجر الإمام الأعظم أفضل من أجر المفتي والحاكم، لأن ما يجلبه من المصالح ويدرأه من المفاسد أتم وأعم؛ وكذلك جاء في الحديث: "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، إمام عادل"، فبدأ به لعلو مرتبته. وأجمع المسلمون على أن الولايات من أفضل الطاعات فإن الولاة المقسطين أعظم أجرا وأجل قدرا من غيرهم لكثرة ما يجري على أيديهم من إقامة الحق ودرء الباطل، فإن أحدهم يقول الكلمة الواحدة فيدفع بها مائة ألف مظلمة فما دونها، أو يجلب بها مائة ألف مصلحة فما دونها، فيا له من كلام يسير وأجر كبير

قال سيد المرسلين: "المقسطون على منابر من نور على يمين الرحمن وكلتا يدي ربي يمين" وعلى الجملة فالعادل من الأئمة والولاة والحكام أعظم أجرا من جميع الأنام بإجماع أهل الإسلام، 


قواعد الأحكام في مصالح الأنام 21

قواعد الأحكام في مصالح الأنام 21



وقد استثنى في سقوط الوسائل بسقوط المقاصد، أن الناسك الذي لا شعر على رأسه مأمور بإمرار الموسى على رأسه، مع أن إمرار الموسى على رأسه وسيلة إلى إزالة الشعر فيما ظهر لنا، فإن ثبت أن الإمرار مقصود في نفسه لا لكونه وسيلة، كان هذا من قاعدة من أمر بأمرين فقدر على أحدهما وعجز عن الآخر.


فصل: في اختلاف الآثام باختلاف المفاسد
 
يختلف إثم المفاسد باختلافها في الصغر والكبر، وباختلاف ما تفوته من المنافع والمصالح، فيختلف الإثم في قطع الأعضاء وقتل النفوس وإزالة منافع الأعضاء باختلاف المنافع، فليس إثم من قطع الخنصر والبنصر من الرجل كإثم من قطع الخنصر والبنصر من اليد، لما فوته من منافعها الدينية والدنيوية، وسواء قطع ذلك من نفسه أو من غيره، وليس الإثم في قطع الأذن كالإثم في قطع اللسان، لما سنذكره من منافع اللسان إن شاء الله تعالى، وليس من قتل فاسقا ظالما من فساق المسلمين بمثابة من قتل إماما عدلا، أو حاكما مقسطا، أو وليا منصفا، لما فوته على المسلمين من العدل والإنصاف. 


وعلى هذا حمل بعضهم قوله تعالى: {مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً} لما عمت المفسدة في قتل نفس جعل إثمها كإثم من قتل الناس جميعا لما فوته على الناس من مصالح ولما عمت المفسدة في إنقاذ ولاة العدل والإقساط والإنصاف من المهالك، جعل أجر منقذها كأجر منقذ الناس من أسباب الهلاك جميعا لعموم ما سعى فيه من المصالح، وكذلك جناية الإنسان على أعضاء نفسه يتفاوت إثمها بتفاوت منافع ما جنى عليه، وبتفاوت ما فوته على الناس من عدله



وإقساطه وبره وإنصافه ونصرته للدين، وليس لأحد أن يتلف ذلك من نفسه، لأن الحق في ذلك كله مشترك بينه وبين ربه، وليس قطع العالم أو الحاكم أو المفتي أو الإمام الأعظم لسان نفسه كقطع من لا ينتفع بلسانه. وكذلك قطع البطل الشديد النكاية في الجهاد يد نفسه أو رجل نفسه أعظم من قطع الضعيف الذي لا أثر له في الجهاد يد نفسه أو رجل نفسه، ولا يلزم من تساوي الأعضاء في الأبدال تساوي تفويتها في الآثام.

 وكذلك فقء العينين أشد إثما من صلم الأذنين، وكذلك قطع الرجلين أعظم وزرا من قطع أصابعهما، وكذلك قطع الإبهام والسبابة من إحدى اليدين أعظم وزرا من قطع الخنصر والبنصر منهما. والمدار في هذا كله على رتب تفويت المصالح وتحقيق المفاسد. فكل عضو كانت منفعته أتم كانت الجناية عليه أعظم وزرا، فليست الجناية على العقل واللسان كالجناية على الخناصر والآذان.

 

وأما قوله عليه الصلاة والسلام: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث؛ صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" ، ومعناه انقطع أجر عمله أو ثواب عمله فهذا على وفق القاعدة لأن هذه المستثنيات من كسبه.



وقد ظن بعض الجهلة أن المصاب مأجور على مصيبته، وهذا خطأ صريح فإن المصائب ليست من كسبه بمباشرة ولا تسبب، فمن قتل ولده أو غصب ماله أو أصيب ببلاء في جسده، فليست هذه المصائب من كسبه ولا تسببه حتى يؤجر عليها، بل إن صبر عليها كان له أجر الصابرين وإن رضي بها كان له أجر الراضين ولا يؤجر على نفس المصيبة، لأنها ليست من عمله، فقد قال تعالى: {إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}، كيف والمصائب الدنيوية عقوبات على الذنوب، والعقوبة ليست ثوابا، ويدل على ذلك قوله تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ}، وقوله عليه السلام: "ما من مؤمن يشاك شوكة فما دونها إلا قص به من سيئاته"، وقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يصيب المؤمن من وصب ولا نصب حتى الهم يهمه والشوكة يشاكها إلا كفر به من سيئاته". فيحمل قوله عليه السلام: "من عزى مصابا فله مثل أجره"، على تقدير فله مثل أجر صبره.

قواعد الأحكام في مصالح الأنام 20

قواعد الأحكام في مصالح الأنام 20




المثال الخامس: قتل الصبيان والمجانين إذا صالوا على الدماء والأبضاع، ولم يمكن دفعهم إلا بقتلهم.

المثال السادس: حد الحنفي على شرب النبيذ، مع الجزم بعدالته، وأنه ليس بعاص، دفعا لمفسدة شرب المسكر.


فإن قيل: هلا حددتم بالوطء في النكاح المختلف في صحته، كما حددتم الحنفي بشرب النبيذ المختلف في حل شربه؟ قلنا: الفرق بينهما أن مفسدة الزنا لا تتحقق في النكاح المختلف فيه؛ فإنه يوجب المهر والعدة، ويلحق النسب، ويثبت حرمة المصاهرة، بخلاف الزنا فإنه يقطع الأنساب، ولا يوجب مهرا ولا عدة، والمفسدة في شرب النبيذ مثلها في شرب الخمر من غير فرق.


المثال السابع: إذا وكل وكيلا في القصاص، ثم عفا ولم يعلم الوكيل، أو أخبره فاسق بالعفو فلم يصدقه، وأراد الاقتصاص، فللفاسق أن يدفعه بالقتل إذا لم يمكن دفعه إلا به دفعا لمفسدة القتل من غير حق.


المثال الثامن: إذا وكل وكيلا في بيع جاريته فباعها، فأراد الموكل وطأها ظنا أن الوكيل لم يبعها، فأخبره المشتري أنه اشتراها، فلم يصدقه، فللمشتري أن يدفعه عنها ولو بالقتل، مع أنه لا إثم عليه دفعا لمفسدة الوطء بغير حق، وإن وطئها في الحال لم يكن زانيا ولا آثما.


المثال التاسع: ضرب البهائم في التعليم والرياضة دفعا لمفسدة الشراس والجماح وكذلك ضربها حملا على الإسراع لمس الحاجة إليه على الكر والفر والقتال.



، وكل شيء يمثل به في هذا الكتاب من أمثلة المصالح والمفاسد، فمنه ما هو مجمع عليه وهو الأكثر، ومنه ما هو مختلف فيه.

 

. ويدل على فضل التوسل إلى الجهاد قول الله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَأُونَ مَوْطِئاً يُغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ}. وإنما أثيبوا على الظمأ والنصب وليسا من فعلهم، لأنهم تسببوا إليهما بسفرهم وسعيهم. وعلى الحقيقة فالتأهب للجهاد بالسفر إليه، وإعداد الكراع والسلاح والخيل، وسيلة إلى الجهاد الذي هو وسيلة إلى إعزاز الدين، وغير ذلك من مقاصد الجهاد، فالمقصود ما شرع الجهاد لأجله، والجهاد وسيلة إليه، وأسباب الجهاد كلها وسائل إلى الجهاد الذي هو وسيلة إلى مقاصده، فالاستعداد له من باب وسائل الوسائل

وكذلك الولايات تختلف رتبها باختلاف ما تجلبه من المصالح وتدرؤه من المفاسد، فالولاية العظمى أفضل من كل ولاية، لعموم جلبها المنافع، ودرئها المفاسد، وتليها ولاية القضاء لأنها أعم من سائر الولايات، والولاية على الجهاد أفضل من الولاية على الحج، لأن فضيلة الجهاد أكمل من فضيلة الحج، وتختلف رتب الولايات بخصوص منافعها وعمومها فيما وراء ذلك من جلب المصالح ودرء المفاسد، ولا شك بأن الوسائل تسقط بسقوط المقاصد فمن فاتته الجمعات والجماعات أو الغزوات سقط عنه السعي إليها، لأنه استفاد الوجوب من وجوبهن. 









قواعد الأحكام في مصالح الأنام 19


قواعد الأحكام في مصالح الأنام 19



المثال الثاني والستون: الحبس وهو مفسدة في حق المحبوس، لكنه جاز لمصالح ترجح على مفسدته وهي أنواع: منها حبس الجاني عند غيبة المستحق حفظا لمحل القصاص، ومنها حبس الممتنع من دفع الحق إلى مستحقه إلجاء إليه وحملا عليه، ومنها حبس التعزير ردعا عن المعاصي، ومنها حبس كل ممتنع من تصرف واجب لا تدخله النيابة: كحبس من أسلم على أختين وامتنع من تعيين إحداهما، والمقر بأحد عينين وامتنع من تعيينها دفعا لمفسدة المبطل بالحق، ومنها حبس من امتنع من أداء حقوق الله التي لا تدخلها النيابة كالممتنع من صيام رمضان.








الحال الرابعة: إن ثبت عسره فلا يجوز حبسه حتى يثبت يساره، لأن الأصل بقاء عسرته، وأنه إن اكتسب شيئا صرفه في نفقته ونفقة من يلزمه نفقته.
فإن قيل: تخلدون مجهول الحال في الحبس إلى أن يموت؟ قلنا المختار أنه لا يخلد ويجب على الحاكم أن يبعث عدلين يسألان عن أمره في اليسار والإعسار، فإذا غلب على ظنهما فقره شهدا بذلك ووجب إطلاقه؛ إذ لا يليق بالشريعة السهلة السمحة أن يخلد المسلم في الحبس بظن ضعيف، وإنما يخلد في الحبس من ظهر عناده وإصراره على الباطل إلى أن يفيء إلى الحق. وأما المحبوس على القصاص فإنه يخلد في الحبس إلى أن يموت؛ حفظا لحق مستحق القصاص إلى أن يقدم الغائب أو يبلغ الصبي، إذ لا مندوحة عن ذلك إلا بحبسه الذي هو أخف عليه من قتله أو قطع يده.

المثال الثالث والستون: من أمثلة الأفعال المشتملة على المصالح والمفاسد مع رجحان مصالحها على مفاسدها:
قتال البغاة دفعا لمفسدة البغي والمخالفة، ولا يشترط في درء المفاسد أن يكون ملابسها أو المتسبب إليها عاصيا. وكذلك لا يشترط في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يكون المأمور والمنهي عاصيين، بل يشترط فيه أن يكون أحدهما ملابسا لمفسدة واجبة الدفع، والآخر تاركا لمصلحة واجبة التحصيل. ولذلك أمثلة: أحدها أمر الجاهل بمعروف لا يعرف إيجابه.

المثال الثاني: نهيه عن منكر لا يعرف تحريمه.
المثال الثالث: قتال أهل البغي، مع أنه لا إثم عليهم في بغيهم لتأويلهم.
المثال الرابع: ضرب الصبيان على ترك الصلاة والصيام، وغير ذلك من المصالح.

فإن قيل: إذا كان الصبي لا يصلحه إلا الضرب المبرح فهل يجوز ضربه تحصيلا لمصلحة تأديبه؟ قلنا لا يجوز ذلك، بل يجوز أن يضربه ضربا غير مبرح؛ لأن الضرب الذي لا يبرح مفسدة، وإنما جاز لكونه وسيلة إلى مصلحة التأديب، فإذا لم يحصل التأديب سقط الضرب الخفيف، كما يسقط الضرب الشديد؛ لأن الوسائل تسقط بسقوط المقاصد.


قواعد الأحكام في مصالح الأنام 18

قواعد الأحكام في مصالح الأنام 18








المثال الثاني والأربعون: قتل الممتنعين من أداء الحقوق بغير عذر إذا امتنعوا من أدائها بالقتال، دفعا لمفسدة المعصية، وتحصيلا لمصلحة الحقوق التي امتنعوا من أدائها.

المثال الثالث والأربعون: قتل المرتد مفسدة في حقه، لكنه جاز دفعا لمفسدة الكفر.


 


المثال الخامس والأربعون: من ترجيح المصالح على المفاسد: الغيبة مفسدة محرمة، لكنها جائزة إذا تضمنت مصلحة واجبة التحصيل، أو جائزة التحصيل، ولها أحوال:

 أحدها: أن يشاور في مصاهرة إنسان فذكره بما يكره كما قال صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت قيس لما خطبها أبو جهم ومعاوية: "أبا جهم ضراب للنساء، وإن معاوية صعلوك لا مال له" فذكرهما بما يكرهانه نصحا لها ودفعا لضيق عيشها مع معاوية وتعريضا لضرب أبي الجهم. فهذا جائز، والذي يظهر لي أنه واجب لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنصح لكل مسلم.

الحالة الثانية: القدح في الرواة واجب، لما فيه من دفع إثبات الشرع بقول من لا يجوز إثبات الشرع به، لما على الناس في ذلك من الضرر في التحريم والتحليل وغيرهما من الأحكام. وكذلك كل خبر يجوز الشرع الاعتماد عليه والرجوع إليه.


الحالة الثالثة: جرح الشهود عند الحكام فيه مفسدة هتك أستارهم، لكنه واجب لأن المصلحة في حفظ الحقوق من الدماء والأموال والأعراض والأبضاع والأنساب وسائر الحقوق أعم وأعظم، فإن علم منه ذنبين أحدهما أكبر من الآخر لم يجز أن يجرحه بالأكبر لأنه مستغنى عنه، وإن استويا تخير ولا يجمع بينهما.





المثال السابع والأربعون: هتك الأعراض مفسدة كبيرة، لكنه يجوز في الشهادة على الزاني بالزنا لإقامة حد الله تعالى، وعلى القاتل بالقتل لإقامة القصاص، وعلى القاذف بالقذف لإقامة الحد للمقذوف، وعلى الغاصب بالغصب لتغريم الأموال والمنافع. وكذلك الشهادة على السراق وقطاع الطريق بما صنعوه من أخذ الأموال وإراقة الدماء، لإقامة حقوق الله تعالى وحقوق عباده؛ فهذا كله صدق مضر بالمشهود عليه هاتك لستره، لكنه جاز لما فيه من مصالح إقامة حقوق الله وحقوق عباده.

قواعد الأحكام في مصالح الأنام 17

قواعد الأحكام في مصالح الأنام 17








المثال التاسع والعشرون: نكاح الأحرار الإماء مفسدة محرمة  لما فيه من تعريض الأولاد للإرقاق، لكنه جائز عند خوف العنت وفقد الطول، دفعا لمفسدة وقوع التائق في الزنا الموجب في الدنيا للعار وفي الآخرة لعذاب النار.
فإن قيل: كيف يحرم تحصيل مصلحة ناجزة محققة لتوقع مفسدة ممهلة؟ قلنا لما غلب وقوع هذه المفسدة جعل الشرع المتوقع كالواقع، فإن العلوق غالب كثير، والشرع قد يحتاط لما يكثر وقوعه احتياطه لما تحقق وقوعه.



المثال الحادي والثلاثون: التقرير على الأنكحة الفاسدة مفسدة إلا في تقرير الكفار على الأنكحة الفاسدة إذا أسلموا، فإنه واجب، لأنا لو أفسدناها لزهد الكفار في الإسلام خوفا من بطلان أنكحتهم فتقاعدوا عن الإسلام، والترغيب في الإسلام بتقريرهم على أنكحتهم أولى من التنفير من الإسلام بإفساد أنكحتهم، إذ لا مفسدة أقبح من تفويت الإسلام والسعي في تفويته. وكذلك لا يقتص منهم بمن قتلوه من المسلمين ولا يغرمون ما أتلفوا على المسلمين من الأموال؛ لأنا لو ألزمناهم ذلك لتقاعدوا عن الإسلام.




المثال الرابع والثلاثون: وجوب إجارة رسل الكفار مع كفرهم، لمصلحة ما يتعلق بالرسالة من المصالح الخاصة والعامة.
المثال الخامس والثلاثون: التقرير بالجزية، وهو مختص بأهل الكتابين لإيمانهم بالكتب السماوية التي يوافق أعظم أحكامها أحكام الإسلام فخف كفرهم لإيمانهم بتلك الأحكام، بخلاف من جحدها فإنه كذب الله سبحانه وتعالى في معظم أحكامه وكلامه، فكان كفره أغلظ، بخلاف من آمن بالأكثر وكفر بالأقل، ولا تؤخذ الجزية عوضا عن تقريرهم على الكفر، إذ ليس من إجلال الرب أن تؤخذ الأعواض على التقرير على سبه وشتمه ونسبته إلى ما لا يليق بعظمته، ومن ذهب إلى ذلك فقد أبعد، وإنما الجزية مأخوذة عوضا عن حقن دمائهم وصيانة أموالهم وحرمهم وأطفالهم، مع الذب عنهم إن كانوا في ديارنا، وليست مأخوذة عن سكنى دار الإسلام إذ يجوز عقد الذمة مع تقريرهم في ديارهم




المثال السادس والثلاثون: التقرير على المعاصي كلها مفسدة لكن يجوز التقرير عليها عند العجز عن إنكارها باليد واللسان، ومن قدر على إنكارها مع الخوف على نفسه كان إنكاره مندوبا إليه ومحثوثا عليه، لأن المخاطرة بالنفوس في إعزاز الدين مأمور بها كما يعذر بها في قتال المشركين، وقتال البغاة المتأولين، وقتال مانعي الحقوق بحيث لا يمكن تخليصها منهم إلا بالقتال وقد قال عليه السلام: "أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر". جعلها أفضل الجهاد لأن قائلها قد جاد بنفسه كل الجود، بخلاف من يلاقي قرنه من القتال، فإنه يجوز أن يقهره ويقتله فلا يكون بذله نفسه مع تجويز سلامتها، كبذل المنكر نفسه مع يأسه من السلامة.

المثال الثامن والثلاثون: قتل الكفار من النساء والمجانين والأطفال مفسدة، لكنه يجوز إذا تترس بهم الكفار بحيث لا يمكن دفعهم إلا بقتلهم.

المثال التاسع والثلاثون: قتل من لا ذنب له من المسلمين مفسدة إلا إذا تترس بهم الكفار وخيف من ذلك اصطلام المسلمين، ففي جواز قتلهم خلاف، لأن قتل عشرة من المسلمين أقل مفسدة من قتل جميع المسلمين.

المثال الأربعون: التولي يوم الزحف مفسدة كبيرة لكنه واجب إذا علم أنه يقتل من غير نكاية في الكفار، لأن التغرير بالنفوس إنما جاز لما فيه من مصلحة إعزاز الدين بالنكاية في المشركين، فإذا لم تحصل النكاية وجب الانهزام لما في الثبوت من فوات النفوس مع شفاء صدور الكفار وإرغام أهل الإسلام وقد صار الثبوت ههنا مفسدة محضة ليس في طيها مصلحة.


 


قواعد الأحكام في مصالح الأنام 16

قواعد الأحكام في مصالح الأنام 16



ولو وقع بركبان السفينة نار لا يرجى الخلاص منها فعجزوا عن الصبر على تحملها مع العلم بأنه لا نجاة لهم من آلامها إلا بالإلقاء في الماء المغرق؛ فالأصح أنه لا يلزمهم الصبر على ذلك، إذ استوت مدتا الحياة في الإحراق والإغراق، لأن إقامتهم في النار سبب مهلك لا انفكاك عنه. وكذلك إغراق أنفسهم في الماء لا انفكاك عنه، وإنما يجب الصبر على شدة الآلام إذا تضمن الصبر على شدتها بقاء الحياة، وههنا لا يفيد الصبر على ألم النار شيئا من الحياة فتبقى مفسدة لا فائدة لها.
القسم الثاني: ما يغلب ترتب مسببه عليه وقد ينفك عنه نادرا فهذا أيضا لا يجوز الإقدام عليه؛ لأن الشرع أقام الظن مقام العلم في أكبر الأحوال.




لا يجوز تعطيل المصالح الغالبة لوقوع المفاسد النادرة


ما يؤثر بطبعه الذي جبله الله عليه لا يقف تأثيره على قصد القاصدين 


المثال التاسع عشر: الحجر على المفلس مفسدة في حقه لكنه ثبت تقديما لمصلحة الغرماء على مفسدة الحجر، وإن شئت قلت تقديما لمصلحة غرمائه على مصلحته في الإطلاق، بخلاف الإنفاق عليه وعلى أهله إلى يوم قضاء الدين، فإن مصلحته بالكسوة والإنفاق ومصلحة من يلزمه مصلحته مقدمة على مصالح غرمائه. فإن قيل: كيف يكون الحجر عليه مفسدة في حقه مع ما فيه من إبراء ذمته الذي هو مهم في الشرع والطبع؟ قلنا: المقصود الأعظم توفير الحقوق للغرماء وبراءة ذمته تبعا لذلك، 


المثال الثاني والعشرون: وضع اليد بغير إذن المالك مفسدة موجبة للضمان، إلا في حق الحكام ونواب الحكام، إذا غلطوا بذلك في معرض التصرف بالأحكام، أو النيابة عن الحكام. لأن التغريم يكثر ويشق عليهم ويزهدهم في ولاية الأموال


المثال الرابع والعشرون: القتل بغير حق مع الجهل بكونه مستحق مفسدة موجبة للضمان على القاتل أو على عاقلته، إلا أن يكون جلادا، لما في تغريمه من تكرر الغرم الداعي إلى ترك القيام بمصلحة إقامة الحدود والقصاص.
 

المثال الخامس والعشرون: قتل المسلم مفسدة محرمة، لكنه يجوز بالزنا بغير الإحصان، وبقطع الطريق والبغي والصيال.
المثال السادس والعشرون: تقديم عاقلة الحاكم الدية فيما يخطئ به الحاكم في معرض الأحكام، ومصالح الإسلام مضرة على عاقلته، فتجب على بيت المال دون العاقلة على قول، لما في تغريم عاقلته من تكرير تحميل العقل وكذلك ما يفسده الإمام ويفوته من الأموال بسبب تصرفاته لأهل الإسلام، هل يغرمه أو يجب في بيت المال؟ فيه القولان



المثال الثامن والعشرون: تولي الآحاد لما يختص بالأئمة مفسدة، لكنه يجوز في الأموال إذا كان الإمام جائرا يضع الحق في غير مستحقه، فيجوز لمن ظفر بشيء من ذلك الحق أن يدفعه إلى مستحقيه تحصيلا لمصلحة ذلك الحق الذي لو دفع إلى الإمام الجائر لضاع، ولكان دفعه إليه إعانة على العصيان، وقد قال الله تعالى: {وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}.