01‏/05‏/2016

روح السياسة 6

روح السياسة 6

    تكوين كل حادثة يتم بفعل كثير من العوامل المتفاوتة فى أهميتها ، فشأن روح السياسة عبارة عن تعيين أهمية هذه العوامل ، وتمييز الأساسى بينها وطرح الثانوى منها .

    المبادئ السياسية تتضعضع بفعل كثير من العوامل غير المنتظرة على الدوام ، فعلى هذا الوجه نرى فى بعض الأوقات اختفاء تأثير بعض العوامل المألوفة إزاء جريان مفاجئ فى الآراء ،

وقد أدرك نابليون ذلك فقال : " إن جريان الأمور هو الذى يتكلم واتجاه الرأى العام هو الذى يقوده ، وما كنت يوما سيد نفسى ، فالاحوال هى التى كانت تسوقنى فى كل وقت .

    و" الأمير" الذى  حكىى عنه " ماكيافيللى " يسمى اليوم " الجماعة " ، وتصبح قدرة الجماعة مخيفة  عندما تتجه جميع العزائم نحو غرض واحد ، وإن كان هذا الاتجاه لا يدوم طويلا ، فعلى رجال السياسة أن يعلموا ذلك .                 

      وفى الغالب لا يفقه رجال أحد الأدوار ما قد يحدث فى دورهم من جريان فى آراء الشعب .

    ولا يحسن المرء معرفة أبناء طبقة إلا إذا كان من تلك الطبقة ، وهذا هو السر فى أن زعماء " اتحاد العمال " الذين هم من طبقة العمال يعرفون كيف يجعلون هؤلاء يطيعونهم كما يجب .

   عوامل التحول فى إحدى الحادثات الاجتماعية أكثرها تأثيرا أشدها خفاء ، فمن مجموعها تتكون حزمة من قوى خفية تقود مقادير الشعب .


    وعليه نرى لروح السياسة فائدتين أخريين :
 فائدة كشف العاقبة ، وفائدة نيل المقصد ،
فبهاتين الفائدتين تبطل عمل مفاجآت المستقبل وتأثيرها .  

روح السياسة 5

روح السياسة 5

    تقدم علم النفس فى الوقت الحاضر يثبت لنا ما للعقل من الشأن الضعيف فى نظام المجتمعات ومعتقداتها وسيرها ، وأن شأن أقطاب السياسة ينحصر فى معرفة مداراة المشاعر للتأثير فى الرأى العام ، فالجماعات لا تتأثر من انسجام الخطب المنطقى أبدا بل مما تورثه بعض الكلمات فى نفوسهم من صور عاطفية .

   إن لم يكن للثورة الفرنسية عالم نظرى من أرباب التأثير والنفوذ سوى ( جان جاك روسو ) .
   إن الناس فى كل جيل مسيرون بمبادئ قليلة تكونت ببطء ، وأن تلك المبادئ لم تبعث على السير والحركة إلا بعد أن تحولت إلى مشاعر .

    الخراب لا الغنى هو الذى يعقب الفوضى ، وحينئذ تبحث الأمة مثلما بحثت فى تلك الثورة عن حاكم مطلق نشيط قادر على إنقاذها من براثن الارتباك وقلة النظام . فالعقل قوام العلم والمعارف فقط ، وإنما المشاعر والمعتقدات هى التى تقود الناس للتاريخ .

    أصعب شئ فى روح السياسة هو أن نكتشف العوامل البعيدة والقريبة للحوادث تقوم الاشتراكية قبل كل شئ على مبدأ الأمل ، والأمل من أهم بواعث الحركة التى عرفها البشر فى كل حين .

    إن الشعور الدينى – أى احتياج المرء إلى الخضوع لأحكام ايمان يكون دليل أفكاره وخواطره – هو أحد مناحى الروح البشرية .     


عامل روح الجماعات وعامل العدوى النفسية الذى نفسر به ذيوع المعتقدات الكبيرة عند ظهورها .

     المشاهدة لا التجربة هى دليل العالم الاجتماعى فى الحوادث الاجتماعية ، نعم إن التجارب الاجتماعية ليست قليلة إلا أنها تقع دون أن يكون لنا شأن فى حدوثها ،

 ونحن لعجزنا عن تكريرها ترانا مضطرين إلى ايضاح أمرها فقط ، وكل يعلم ما توجبه هذه الإيضاحات من اختلاف فى الرأى ونقص فى اعتبار علم الاجتماع .


     سكان الولايات المتحدة ومستقبلهم أخلاقهم السياسية كانشاط والاعتماد على المجهود الشخصى والتفاؤل والاحتياج إلى الحرية الفردية وتعود الاستنباط الشخصى الذى يغنى عن تدخل الحكومة ، 

فأدركنا وجوب درس الأمريكى مستقلا عن حكومته لا درس هذه الحكومة أولا للإطلاع على حقيقته ، فالأمريكى لما ألقى حبله على غاربه تقدم فى معترك الحياة غير معول على أحد مقررا مصير نفسه بنفسه . 

روح السياسة 4

روح السياسة 4
فالسياسة – بحسب ما توصلنا إليه من المعرفة فى الوقت الحاضر – هى التوفيق بين السير والحركة وبين مقتضيات الوقت معقولة كانت أم غير معقولة .

     إن العقل يهيئ بالتدريج العوامل التى تتحول بها نفوسنا ، غير أن تأثيره المباشر ضعيف جدا ، والأمور التى تتحول به بغتة قليلة إلى الغاية .

     الإقناع ما للتكرار من الشأن العظيم ، ولم يباغ نابليون بقوله إن التكرار مظهر البلاغة الأساسى ، لأنه من أشد عوامل الإقناع تأثيرا ، ولا يسلم الناس بالآراء لصحتها ،

 بل يسلمون بها عندما تستولى – بفعل التكرار والعدوى الفكرية – على دائرة اللاشعور التى هى علة السير فينا .
     والانسان لا يستطيع أن يتصور الأمور المجردة كما يجب إلا إذا قاسها على ما أحسه بنفسه من الأمور قبلا .

     يخضع ذانك العالمان لعوامل متباينة تباين الآمال التى تبذرها فى النفوس ، فالأول وهو عالم الماضى لا نزال نعانى عزائمه على رغم موته ، والثانى هو عالم الحال حافل بالأسرار لما يحمل بين ثناياه من مستقبل مجهول . 

    وهكذا نرى قوة العدد تحل الآن محل الذكاء أكثر منها فيما سلف ، إن الحياة السياسية عبارة عن توفيق المرء بين مشاعره وبين البيئة التى تكتنفه ،

يتصف هذا الوقت بحلول سلطان العوامل الاقتصادية فيه محل سلطان الملوك والقوانين ، ثم يتبادل المنافع بين الشعوب التى كان بعضها منفصلا عن البعض الآخر .

   وفى عالم السياسة الحاضر لا يبحث عن الأحسن بل عن السهل ، والتاريخ يثبت أن تأثيرنا فى المجتمع ضئيل إلى الغاية ، وأن الانقلابات الأساسية لا تتم إلا بفعل الزمان ، وأن الأنظمة ليست سوى طرف خارجى لروح باطنية ، وانها تشبه اللباس الذى يتاسب جسما دون أن يقدر على تكوينه ، وأن الذى يلائم شعبا قد لا يلائم شعبا آخر .



    لا ننكر شأن النظم والرجال فى سير الحوادث ، فكل صفحة من صفحات التاريخ تدل على عظمته ، وإنما يبالغ التاريخ فى تقدبر أهمية ذلك الشأن غير ملاحظ أن النظم والرجال هى فى الغالب عبارة عن توسع ماض طويل ، وانها إذا لم تظهر فى الوقت المناسب تكون ذا عمل مخرب كعمل الفاتحين . 

روح السياسة 3

روح السياسة 3


    روح السياسة وهى من الأمور الحاجية التى لاغنية لأولى الأمر عنها حقا إن روح السياسة – وإن شئت فقل : فن الحكم – ضرورية لهم . 

قد جهل نابليون – وهو الخبير بأحوال الفرنسيين الروحية – مزاج الروس والأسبان الفكرى فشهر عليهم حروبا لم تعصمه مزاياه الحربية الخارقة للعادة من الفشل فيها إزاء وطنيتهم الصادقة التى لا تقهرها قوة .

   لروح السياسة مقومات مختلفة أهمها : روح الأفراد وروح الجماعات وروح الشعوب .

   وتنحصر بضاعة رجال السياسة القصيرى الباع فى علم النفس فى بضعة مبادئ تقليدية لا تنفع لحل المشاكل الحديثة .
 وقد أصبحت اندفاعات الأحزاب دليلهم فكثرت زلاتهم الفكرية ، ومن هذه الزلات الخطرة فصل الكنيسة عن الدولة ، ومنح الإكليروس استقلالا وسلطة لم يسمح بمثلهما أشد ملوكنا كثلكة ،
ومنها مبادئنا فى التربية المناقضة لمبادئ التربية الألمانية مع أن هذه المبادئ سر مبتكرات العلم 
والصناعة والاقتصاد فى ألمانيا ، ومنها سياسة الإدغام والتمثيل التى نطبقها على مستعمراتنا ، 

فأوجبنا بها انحطاط هذه المستعمرات وتأخرها ، وقرار الحكومة بإدخال الأشقياء فى سلك الجيش بعد أن كانوا لا يقبلون إلا فى كتائب خاصة خوفا من أن تسرى عدواهم إلى غيرهم ، وإذعان الحومة لأول اعتصام قام به موظفو البريد وسن كثير من القوانين التى زعم أنها مشبعة من حب الانسانية ،

 والاعتقاد الوهمى القائل : إن المجتمعات تتجدد بفعل المراسيم ، وإن الأمة تتحرر من تأثي الماضى .

   وفى بعض الأحيان تشتد المشاكل بين الشعوب فلا يحلها غير المدفع ،
وحينئذ يكون الحق فى جانب الأقوى ، غير أنه يمكن فصل المشاكل الثانوية بأساليب نفسية بدلا من فصلها بالحديد والنار ،

ولا يزدرى هذه الطريقة سوى الأقوياء الذين يفوقون أعداءهم – كنابليون وبسمارك – غير السيف حكما ، وما على الأعداء آنئذ إلا أن يلتزموا جانب الصمت حتة تدق ساعة الانتقام فى وقتها المحتوم .


    والوقوف على روح السياسة يعلم أولى الأمر كيف يحلون ما يعترضهم كل يوم من المشكلات، فيميزون بين الأوقات التى يلبون فيها رغبات الشعب أو يقاومونها .

 ومما يؤسف عليه ان هؤلاء الولاة يستصوبون تلك الرغبات أو يرفضونها حسب مزاجهم مع أن الواجب يقضى عليهم بأن يقاومونها أو يذعنوا لها حسب الأحوال ولا شئ أصعب من معرفة ذلك فى علم السياسة ، وقد يؤدى جهله إلى أسوأ النتائج.

روح السياسة 2

روح السياسة 2

المقصد والطريقة

    فقد أبصر المؤرخون الآن أن الأوهام فى الغالب هى التى استحوذت عليهم فى مباحثهم .

   اليوم نرى الحادثات الاجتماعية كثيرة التعقيد وثيقة الارتباط بعيدة جدا عن البساطة والسهولة مماثلة لحوادث الحياة الجثمانية ، فيجب على العالم الذى يكدح فى البحث عن النواميس التى تتحول بها الأنواع ، وتتكيف أن يبحث أيضا عن سنن النشوء الاجتماعى التى لم يعلم منها إلا القليل .

   وبما أن البحث فى عناصر المجتمع لم يتجاوز دائرة المزاعم الباطلة ظل الاطلاع على حقيقة الأمور ناقصا ، ولا يعبأ أصحاب العلوم النظرية بغير ما يستوقف النظر فى مقادير حياة الأمم .     
  
 فترى غاية التاريخ عندهم البحث فى أعمال الملوك وحروبهم فقط ، وقد استمر تجاهلهم حياة الشعوب والاستخفاف بها حتى الزمن الأخير .

   إن معرفة أساليب الحكم – أى معرفة روح السياسة – من أصعب المسائل فى جميع الأزمنة ولا سيما فى الزمن الحاضر حيث ثقلت وطأة مقتضيات الاقتصاد الناشئة عن مبتكرات العلوم والصنائع و أصبح لا تأثير للحكومات فيها .

   والتأثير هو أهم قواعد ذلك الحكم ، فمن تقدير وقت التأثير وكيفيته وحدوده يتألف فن السياسة .

   وإنعام النظر فى الهفوات السياسية التى حدثت فى غضون التاريخ نرى أنها ناشئة جهل علم النفس ، وكما أن الفنون والعلوم تخضع لقواعد لا يجوز نقضها كذلك قيادة الناس لها قواعد لا تخرق حرمتها ، من غير أن يؤدى ذلك إلى عواقب وخيمة ، ويصعب اكتشاف هذه القواعد بدليل أن عدد الذى صيغ منها حتى الآن قليل جدا .

   والكتاب الحقيقى الوحيد الذى بحث فى روح السياسة هو الكتاب الذى وضعه فلورنسى منذ أربعة قرون فخلد به اسمه ( كتاب الأمير لميكافيلي)


   " ماكيافللى 1527 في كتاب الأمير"  فقد تضمن هذا الكتاب قواعد سديدة فى قيادة أبناء ذلك 

الوقت ، ولو لم يختص هذا الكتاب النفيس بذلك الزمن لما ساء صيته بعد أن تطورت الأفكار والعادات . 

اطلع هذا العالم بثاقب نظره على حقائق الأمور ، فكان يبحث عن الممكنات لا عن الكمال . فتفسير سياسة العصر المذكور بأفكارنا الحاضرة هو من عدم الإصابة كشرح الحروب الصليبة والحروب الدينية وملحمة سان بارتلمى بمبادئ زماننا .

20‏/03‏/2016

روح السياسة

روح السياسة



اسم الكتاب : روح السياسة 
اسم المؤلف : غوستاف لوبون 
اسم المترجم : عادل زعيتر
دار النشر :  مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة 
عدد الصفحات : 259

الفهرس:

اﻟﺒﺎب اﻷول:المقصد واﻟﻄﺮﻳﻘﺔ
١-روح اﻟﺴﻴﺎﺳﺔ 
٢-ﻣﻘﺘﻀﻴﺎت اﻻﻗﺘﺼﺎد وﻧﻈﺮﻳﺎت اﻟﺴﻴﺎﺳﺔ 
٣-ﻃﺮق اﻟﺒﺤﺚ ﰲ روح اﻟﺴﻴﺎﺳﺔ 

اﻟﺒﺎب اﻟﺜﺎﻧﻲ:اﻟﻌﻮاﻣﻞ اﻟﻔﻜﺮﻳﺔ ﰲ ﻋﺎﻟﻢ اﻟﺴﻴﺎﺳﺔ 

١-ﻣﺼﺪراﻟﻘﻮاﻧين واﻷوﻫﺎم اﻻﺷﱰاﻋﻴﺔ 
٢-ﻣﺴﺎوئ اﻟﻘﻮاﻧين 
٣-ﺷﺄن اﻟﺨﻮف ﰲ ﻋﺎﻟﻢ اﻟﺴﻴﺎﺳﺔ 
٤-ﻧﺸﻮء اﻟﺤﻘﻮق اﻹﻟﻬﻴﺔ ﰲ اﻟﻮﻗﺖ اﻟﺤﺎﴐ 
٥-اﻟﻌﻮاﻣﻞ اﻟﻨﻔﺴﻴﺔ ﰲ المﻌﺎرك اﻟﺤﺮﺑﻴﺔ 
٦-اﻟﻌﻮاﻣﻞ اﻟﻨﻔﺴﻴﺔ ﰲ المﻌﺎرك اﻻﻗﺘﺼﺎدﻳﺔ 
٧-ﺗﻌﻠﻴﻢ اﻟﺠﺎﻣﻌﺎت وﺗﺄﺛيره النفسي 

اﻟﺒﺎب اﻟﺜﺎﻟﺚ: اﻟﺤﻜﻮﻣﺔ اﻟﺸﻌﺒﻴﺔ 
١-ﺻﻔﻮة اﻟﺮﺟﺎل واﻟﺠﻤﺎﻋﺎت 
٢-اﻹﻗﻨﺎع 
٣-ﻣﺰاج اﻟﻌﻤﺎل النفسي
٤-اﻷﺷﻜﺎل اﻟﺤﺪﻳﺜﺔ ﻟﺮﻏﺎﺋﺐ اﻟﺸﻌﺐ 
٥-المﺰاﻳﺪة اﻻﻧﺘﺨﺎﺑﻴﺔ وﻣﻘﺖ اﻟﻨﻈﺎم اﻟﻨﻴﺎﺑﻲ
٦-ﺗﻔﺎﻗﻢ اﻻﺳﺘﺒﺪاد 

اﻟﺒﺎب اﻟﺮاﺑﻊ: اﻷوﻫﺎم اﻻﺷﱰاﻛﻴﺔ واﻷوﻫﺎم اﻟﻨﻘﺎﺑﻴﺔ 
١-اﻷوﻫﺎم اﻻﺷﱰاﻛﻴﺔ 
٢-اﻷوﻫﺎم اﻟﻨﻘﺎﺑﻴﺔ 
 ٣-ﺗﻄﻮر اﻟﻨﻘﺎﺑﻴﺔ اﻟﻔﻮﺿﻮي 


اﻟﺒﺎب اﻟﺨﺎﻣﺲ: أﻏﻼط روح اﻟﺴﻴﺎﺳﺔ ﰲ ﻣﺎدة اﻻﺳﺘﻌﻤﺎر 

١-ﻣﺒﺎدﺋﻨﺎ اﻻﺳﺘﻌﻤﺎرﻳﺔ 
٢-ﻧﺘﺎﺋﺞ ﺗﻄﺒﻴﻖ اﻟﱰﺑﻴﺔ اﻷورﺑﻴﺔ ﻋﲆ اﻟﺸﻌﻮب المﺘﺄﺧﺮة 
٣-ﻧﺘﺎﺋﺞ ﺗﻄﺒﻴﻖ أﻧﻈﻤﺔ أورﺑﺎ وﻣﺒﺎدﺋﻬﺎ اﻟﺪﻳﻨﻴﺔ ﻋﲆ اﻟﺸﻌﻮب المﺘﺄﺧﺮة 
٤-أﺳﺒﺎب ﻋﺠﺰ اﻟﺤﻀﺎرة اﻷورﺑﻴﺔ ﻋﻦ ﺗﺤﻮﻳﻞ اﻟﺸﻌﻮب المﺘﺄﺧﺮة 
٥-ﻃﺮق اﻻﺳﺘﻌﻤﺎر اﻟﺤﺪﻳﺜﺔ 


اﻟﺒﺎب اﻟﺴﺎدس:ﺗﻄﻮر اﻟﻔﻮﴇ وﻣﺼﺎرﻋﺔ  اﻻﻧﺤﻼل  اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻲ 
١-اﻟﻔﻮﴇ اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ 
٢-اﺳﺘﻔﺤﺎل اﻟﺠﺮاﺋﻢ 
٣-اﻟﻘﺘﻞ اﻟﺴﻴﺎﳼ 
٤-اﻻﺿﻄﻬﺎد اﻟﺪﻳﻨﻲ 
٥-اﻟﻨﺰاع اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻲ 
٦-المقادير اﻟﺤﺪﻳﺜﺔ و ﺗﺒﺪﻳﺪ المقادير

٧-اﻟﺪﻓﺎع اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻲ


رابط تحميل الكتاب  
http://www.hindawi.org/books/29293972/


10‏/03‏/2016

ماذا حدث للمصريين ؟ 18

ماذا حدث للمصريين ؟ 18

مصر وحضارة السوق

كتب الأستاذ كارل بولانى " Karl Polanyi   " كتابا عنوانه ( الإنقلاب الكبير ) ، " The Great Transformation "

 وهو ظهور نظام السوق ، ويقصد ظاهرة أخطر وأعمق ، وهى بداية شمول عملية البيع والشراء ، بما فى ذلك الأرض والعمل الإنسانى .

      هذه الخصيصة : جميع الأشياء تصبح شيئا فشيئا قابلة للتسعير وقابلة للبيع فى مقابل كمية من النقود ، وأن هذه الخصيصة أهم بكثير من الفرق بين الرأسمالية والإشتراكية .

وكل ما كان يستعصى على البيع والشراء تحول إلى سلعة أو خدمة ذات ثمن معلوم ، وحتى الأشياء التى كان لها ثمن فى الماضى ، ولكنك متى دفعت الثمن استطعت الحصول منها على أى كمية تشاء ، وقد أصبح لها " عداد " بحيث  تزيد تكلفتها كلما إزداد استهلاكك منها كخدمة الإتصال التليفونى مثلا .

كان الحل العبقرى الذى تفتق عنه ذهن المنتجين والبائعين الباحثين عن أقصى ربح هو إكتشاف طريقة لكى تحل محل هذه الحاجة الطبيعية  لدى الإنسان التى يمكن إشباعها مجانا أو بتكلفة زهيدة ، حاجة جديدة أخرى لا تتمتع وسائل إشباعها بنفس الدرجة من الوفرة .

أحد الأمثلة الصارخة لذلك ما حدث من تحويل الحاجة لمياه الشرب إلى حاجة للمشروبات الغازية ، بحيث يكاد يستقر فى الذهن أن هذه المشروبات الغازية هى طريقة رى الظمأ ، فيتذكرها المرء بمجرد الشعور بالعطش بدلا من أن يتذكر الماء الطبيعى ، وهى بالطبع أقل ندرة من الماء الطبيعى ، ومن ثم أكثر ربحا .

      واختراع نظام " الموضة " حيث يتم عن طريقها إقناع المستهلك ،باحتياجه لملابس وأشياء جديدة تتبع الموضة  وتتغير الموضة فى الموسم التالى.

كان من بين نعم الله على منتجى السلع وموزعيها ، المناسبات والمواسم المختلفة كالأعياد القومية أو أعياد الميلاد ، أو حلول عام جديد ، والمناسبات الدينية أو مواسم العطلة أو دخول المدارس ....إلخ

فاخترع المنتجون والموزعون عيد الأم ، وكأن الأم يمكن أن يتذكرها المرء فى يوم معين .

واخترعوا يوما للحب سموه يوم " فالنتين " .

والراجح أن هذا الأمر لن ينتهى حتى تتحول أيامنا كلها إلى أعياد .

إن الكريسماس الذى بدأ كمناسبة دينية وعائلية محضة ، وهو يزيد طولا عاما بعد عام .

فأصبحت المحلات فى أوربا وأمريكا تبدأ فى الإعلان عنه قبل موعده بشهرين أو أكثر .

ترتب على هذا الإنتشار السرطانى لنظام السوق ، ان أصبح فن  "التسويق " من أكثر الأنشطة الإقتصادية رواجا وإدرارا للربح ، بل وأصبح علما يدرس ، وكمية  لا يستهان بها من المواهب .

فأصبح الرسام أو الموسيقى أو المغنى أو الممثل لا يجد عملا أكثر ربحية من عمله فى خدمة التسويق .

        فمع الإرتفاع المفاجئ فى الأسعار فى أعقاب ثورة النفط فى 73 -1974 ، ومع سحب الدولة يدها بالتدريج من التدخل لحماية ذوى الدخل المحدود ، ومع تدفق كميات غير معهودة من الأموال على مصر بسبب الهجرة إلى بلاد النفط ، إرتفعت حرارة نظام التسوق ، واشتدت قوة الدافع إلى تحقيق الثراء .

وأذا بكثير من الممتلكات العامة  يتحول إلى ممتلكات خاصة ، ومن ثم تجرى عليها عمليات البيع والشراء ، وما كان يتمتع به الجميع بلا مقابل كالحدائق العامة أوشواطئ البحر أو النيل ، يتحول كثير منه إلى أراض للبناء ، إما بغرض الربح ، أو لقصرالإنتفاع بهذه الأراضى أو الشواطئ على فئة معينة من الناس دون غيرها .

وأقبلت النوادى الرياضية على التنازل عن جزء بعد آخرمن أراضيها ومبانيها التى كانت متاحة لاستخدام الأعضاء بلا مقابل للترفيه أو التريض ، لتتحول إلى مشروعات تجارية لا تستهدف إلا الربح ناهيك بالطبع عن جهاز التليفزيون ، إذ إن فرص الربح هنا لا حدود لها .

فإذا بهذا الجهاز الإعلامى بالدرجة الأولى قد تحول إلى جهاز إعلانى من الطراز الأول ، تتحكم الإعلانات ليس فقط فى توقيت إذاعة البرامج ، بل وفى مضمون هذه البرامج نفسها .

شهر رمضان ، هذا الشهر أيضا قد جرى عليه حكم نظام السوق ، وكاد فانوس رمضان أن يحتل مركزا مماثلا للمركز الذى تحتله الآن فى الغرب شجرة الكريسماس التى تحولت إلى رمز وشعار لا يمكن  أن يكتمل الإحتفال بالكريسماس بدونه .

       هكذا يتحول فانوس رمضان الآن شيئا فشيئا إلى أن يصبح  رمزا وشعارا لشهر رمضان ، وقريبا يصبح الفانوس ركنا من الأركان  التى لا يقبل الصوم بدونها ، مثلما حدث بالتدريج  لفوازير رمضان التى أصبحت بدورها سمة ثابتة من سمات هذا الشهر .

 هكذا ترى أن زحف نظام السوق قد أخذ يطبع حياتنا الدينية بطابع وثنى .

إن نفس الجريمة التى إرتكبها هذا النظام ضد المسيحية يرتكبها الآن ضد الإسلام .          


انتهي بحمد الله تلخيص الكتاب