22‏/12‏/2014

إستراتيجية الاستعمار والتحرير 30

إستراتيجية الاستعمار والتحرير 30


القوة الاقتصادية :

          أما عن القوة الاقتصادية , وهى الأساس المادى الصلب للقوة السياسية , بينما أن هذه ليست إلا فيضها وفائضها والتعبير الخارجى عنها , القوة الأقتصادية بالنسبة إلى العالم الثالث ليست فقط ضرورة قوة بل ضرورة بقاء بكل معنى الكلمة الخام , لاسيما بعد النزيف الرهيب والنزح المفتن للموارد والثروات الذى تعرض له فى ظل الاستعمار قرونا وأجيالا ,

وحتى عند ذلك فالغريب والمؤسف أن قصارى ما يكمن أن يطمح إليه العالم الثالث فى مجال التطور والتقدم الحضارى , بالقياس إلى مستويات وطفرات الدول المتقدمة المذهلة , لا يعدو أن يكون تخفيفا للتخلف أو تحديثا للفقر ليس إلا .


       التحدى الجسيم الذى يواجه العالم الثالث هو بأخف تشبيه كيف لشخص غارق فى الطين أن يرفع نفسه بنفسه من رباط حذائه .

وكلمة السر من ثم هى التنمية , التنمية الذاتية , والتنمية المكثفة السريعة . 

فلابد من حشد وتجنيد كل الموارد الطبيعية والطاقات البشرية للتحرر من التخلف و للانطلاق فى مدارج التقدم والرفاهية ورأس الحربة فى هذا كله هو التصنيع .

       وهنا نلاحظ أن العالم اليوم يكاد ينقسم إلى ثلاثة أنماط عريضة من الاقتصاد القومى : دول منتجة للمصنوعات , ودول منتجة للخامات , ودول منتجة للغذاء .

وقد تجمع دولة بين أكثر من واحد ومن هذه الأنماط , لكن المهم أن الدول المتحررة النامية يقع معظمها فى النمط الثانى وذلك بعد أن حرمها الاستعمار السابق من الصناعات فى الوقت الذى حرمها أيضا من الكفاية الغذائية بتوجيهها غير المتزن إلى الخامات فأغلب الدول النامية تعيش بمقاييس العصر فى عصر ما قبل الصناعة , وأفضلها حظا لا يعدو مرحلة شبه الصناعة . وهى من ثم تكاد عمليا تكون محاصرة اقتصاديا بين دول النمطين الاخرين , ولا نقول بين قوسين من الجوع والفقر .   


      القروض الأجنبية تكون (رافعة) مساعدة إلى نقطة معينة , ولكنها أيضا يمكن بعدها أن تستحيل (رافعة خافضة) .

إذ تتراكم فوائدها بميكانيكية الربح المركب إلى الحد الذى يكاد ينسخ فاعليتها ويجعلها عقبة لا عتبة إلى التنمية .

      على وجه العموم , فنحن هنا لا نستطيع أن نغادر قضية القوة الاقتصادية فى العالم الثالث دون نبرة ختام حادة ولكنها مستحقة .

فواقع الأمر المختل المخجل أن التجارة الدولية اليوم قد باتت هى الشكل الجديد للاستعمار – أو تكاد .

ذلك أنه بعد تصفية الاستعمار القديم , بمعنى الاحتلال والاستيطان , أصبح الفارق الرهيب والانحدار العمودى العامد فى أسعار السلع بين الخامات والمصنوعات هو الأداة الجديدة التى اصطنعها وشرعها الغرب والدول الصناعية المتفوقة لاستبقاء التفرقة بينهم وبين العالم (الترسو) كسادة وتوابع وإنما فى نظام معيشى وتعايشى نوعى جديدين .

      وإذا كان البتروليون وحدهم هم الذين نجحوا مؤخرا فى اختراق حاجز الاسعار هذا , فذلك بمحض صدفة سعيدة فقط (أو غير سعيدة , حيث جاءت قفزتهم على حساب ورقاب ساءر الدول النامية ضمنا , فضخمت من أزمتهم وتخلفهم بالتضخم المضاعف) .


قوة العلم :

         قوة العلم , هى اليوم بلا جدال المحور الأساسى للقوة المادية والمعنوية .

فلئن كانت القوة الاقتصادية هو نواة القوة السياسية , فإن قوة العلم بدورها هى النواة النووية .

         قرن الذين يعلمون والذين لا يعلمون .

         والتكنولوجيا اليوم ملك لمن يملك ثمنها , وليس بالضرورة لمن يملك سرها .

         لا ينبغى الاسراف فى التفاؤل بغير عمل شاق ورهيب .

          المستقبل للمداريات – للعالم الثالث – لقوى عدم الانحياز (او كما وضعها فى حالة أفريقيا كاتب ساخر من ابنائها : إن المستقبل أسود) . والحقيقة أن العالم الثالث إذا كان اليوم فقيرا ضعيفا متخلفا , فإنما هو كذلك بالواقع لا بالامكانيات , بالفعل لا بالقوة .

           عدم الانحياز منذ البداية موزع بين التقدم والتقدمية , أى بين التكنولوجيا والأيديولوجيا على الترتيب .


           علينا الأن فى نهاية رحلتنا الطويلة المفعمة حول العالم والعصر أن نتقدم لنتقرب اقترابا مباشرا اكثر من هاتين القوتين الأعظم , نتفحصهما من الداخل اكثر ونحلل تركيبها فى صميمه الهيكلى وفى تطوره الذاتى الذى هو وحده يمكنه أن يفسر كل سلوكها السياسى بكل دقائقه وتفاصيله وبكل ذبذباته ومتغيراته طوال ربع أو ثلث القرن الأخير .

 بل أنه هو وحده الذى يمكن كذلك أن يحدد مصيرهما فى المستقبل القريب أو البعيد , وبذلك يعطينا مفتاح التنبؤ المستقبلى .

0 التعليقات: