06‏/12‏/2014

حرب العصابات في قبرص 30

حرب العصابات في قبرص 30

      وقد رأى كثير من اعضاء ايوكا نفسها ومن أنصارها – أن تدخل ديجينيس فى السياسة  والمقاومة السلبية هى جزء من السياسة كان موقفا خاطئا , لا لأنه يناقض ما تعهد به ديجينيس على نفسه بعدم التدخل فى السياسة فحسب بل لأنه لم يكن من رجال السياسة . .

 لقد كان الجميع معجبين بمواهبة العسكرية وكان لا يزال لديهم الشخص الغامض الذى تتجسم فيه القوة والشخص الذى يقبض بيديه على مصير الأمة ومستقبلها والدرع الذى يقيها الكارثة ..

 أما كإنسان فلم يكن يعرفون شيئا كثيرا عنه والشئ اليسير الذى كانوا يعرفونه عنه لم يكن مما يسرهم أو يرتاحون اليه . .

 وبسبب سيطرة ديجينيس على أيوكا فقد نحت هذه المعركة منحى معاديا للطبقة القبرصية المثقفة , كما أن تدخله فى الأمور السياسية قد أشاع الفرقة فى الصفوف وأمد اليساريين بالمبررات التى تعوزهم لتسليح أنفسهم , كما ساهم كثيرا فى تعكير صفو المستقبل .

      العنف يفسد كل شئ والعقلاء من الناس هم الذين يحق لهم أن يستخدموه , ولكن فى نطاق معلوم ومحدد .

     كل ما كان يسمح لنا معرفته هو أن الأسقف وحكومة أثينا قد قالا لا , ولست أعنى بهذا القول أنه كان ينبغى علينا قبول تلك المقترحات وانما اقصد ان تتاح لنا الفرصة لمناقشتها على الاقل , حتى نعرف كل شئ عنها . .

 لقد فكرنا ذات مرة فى اصدار صحيفة تكرس لمعالجة مشاكل قبرص , فوافق الاسقف على الفكرة الا أن ديجينيس اعترض عليها وحال بينها وبين ابرازها الى حيز الوجود ..

لم يكن للآراء والمناقشات مكان فى حرب العصابات .

    كان ديجينيس حتى سنة 1957 يعد متصرا وكان الأجدى به أن يغير من تكتيكه , غير أن كل شئ كان يختفى وراء غلالة رهيبة من الخوف والدماء . .
لقد مرت بنا لحظات كنا ندرك فى صميم نفوسنا قيمة الشجاعة بالنسبة للانسان .



     بينما كان اليونانيون يقتلون بعضهم بعضا , انتهز الاتراك الفرصة وأخذوا يسددون ضرباتهم . .

 لقد وجد الأتراك فى مقترحات البريطانيين حجة قوية لانتهاج تلك السياسة وأخذت اذاعة أنقرة تقول لهم : انهم على وشك ان يباعوا لليونانيين , وتردد على أسماعهم الشعار الدموى البغيض ((التقسيم أو الفناء)) .

    وقد أسفرت مخاوف الأتراك التى كان يغذيها التعصب الى اصطدامات فاجعة بين الجانبين . .

 بدأت الهجمات فى اوائل شهر يونيو فى نيقوسيا ثم امتدت الى الجزيره كلها وقد اشارت التقارير الى ان الطائفتين قد اشتبكت احداهما مع الاخرى فى اكثر من 150 منطقة من الجزيرة . .

 وعلى العكس من اليونانى الذى يلجأ الى العنف بدافع عفوى عادة ونتيجة لأمور غير متوقعة أو نتيجة للاستفزازات , الى آخر ما فى القائمة من مناقب النفس البشرية وعيوبها , فإن التركى فى أعمال العنف , كما هو فى كل شئ آخر انسان متزن سفسطائى لا تثيره او تسوقه شياطين العناد والاضطراب العصبى , وعلى حين اليونانى منقلب المزاج ودينماكى , فان التركى ثابت ومتحفظ ..

 اليونانى مستعد دائما لكل تحد , اما التركى فلا يستجيب الا للاراء الجماعية او للاغراء , برغم انه لا يسلم بسهولة . .

ولهذا عندما بدأ الاتراك يهاجمون اليونانيون كانوا مصممين على ان يجعلوا من شعار ((التقسيم أو الفناء)) حقيقة واقعة .

    لقد أخذ عدد القتلى بين الطرفين يزداد . . ففى المناطق التى كان الأتراك يسيطرون عليها أظهروا وحشية لا مزيد عليها , فقد دمروا وأحرقوا جميع مساكن اليونانيين . . ومن حسن الحظ أن السكان قد أخطروا مقدما فأستطاعوا مغادرتها فى الوقت المناسب .

وفى يوم 8 من يونيو سنه 1958 قام نحو ألف تركى مسلحين بالمدى والخناجر والقضبان والهراوات والحجارة بالزحف على الحى اليونانى وهم يرددون هتافات عدائية ضد اليونانيين

وقد أنطلقت اجراس الكنائس تحذر اليونانيين الذين أمسكوا بكل ما كان فى متناول أيديهم ووقفوا على استعداد للدفاع عن أنفسهم . .

 كما كانت السلطات قد استعدت هى الاخرى , وقبل أن يبدأ الاتراك زحفهم كان الفان من الجنود من لابسى الخوذات قد أتخذوا مواقعهم وفرضوا حالة منع التجوال على كلا القطاعين

, واحتلوا النقاط الامامية بعد أن عزلوا الطرفين , واستمرت دوريات حول القطاعين , وبرغم كل هذه الاحتياطات فقد أصيب نحو 59 يونانيا اثنتان منهم قاتلتان , كما دمر 15 محلا يونانية وكنيسة يونانية واحدة كما جرح عدد من الاتراك .

     لسوء الحظ اسفرت الدماء التى سفكت عن تفاقم المشاكل فلم يعد اليونانيون يعاشرون الاتراك او يتعاملون معهم والعكس بالعكس . .

 كما لم يعد التركى يقبل السكنى بجوار اليونانى , وارتدت قبرص من الناحية الطائفية قرنا ونصف قرن الى الوراء , ومهما كان من أمر الحلول التى كان يتقدم بها البريطانيون  فقد كانوا هم الطرف الوحيد الذى يتقدم بها . .

 وفى 19 من يونيو عام 1958  تقدموا بمشروع جديد وهو مشروع المشاركة الشهير الذى تقدم به ماكميلان . .

 وقد تم وضع هذا المشروع فى أوائل العام وهو يخول لقبرص التمتع بجميع فوائد المشاركة لا مع المملكة المتحدة , ومن ثم مع دول الكومنولث , بل ومع تركيا واليونان .

وقد حدث فترة سبع سنوات لوضع المشروع موضع التنفيذ ..

 والفكرة التى يقوم عليها هذا المشروع هى أن يتعاون كل من ممثلى الحكومتين التركية واليونانية مع الحاكم فى وضع أسس نظام للحكم النيابى  الداخلى و الاستقلال الطائفى , على أن يبقى الوضع الدولى للجزيرة خلال السنوات كما هو , على شرط ألا يؤثر هذا المشروع على أى حل نهائى أو على أمانى ووجهات نظر الأطراف المعنية .

     وقد رفضت اليونان وتركيا المشروع بازدراء , وجاء رفضها تعبيرا عن الحزازات التى كانت تسيطر على النفوس من جراء الصراع الطائفى الدموى الناشب بين الطرفين . .

ومع ذلك فهذا المشروع لم يوصد الباب أمام الأطراف المعنية , بل على العكس فتح أمامها أبوابا كثيرة , وفوق ذلك فقد فتح ثغرة فى مبدأ السيادة المقدس ضالة الدول المستقلة الحديثة.

إن المشروع يدعو ممثلى دول أجنبية أن يتقاسموا مسئولية الحكم , وان كان على نطاق محدود , مع حاكم بريطانى , ترى ما الاثر الذى سوف يتركه تطبيق هذا المبدأ على الشئون الدولية . .

 ولسنا فى حاجة الى التفصيل , ولكن هل يستطيع اى انسان ان يتصور ضمانا افضل للسلام العالمى من اشتراك ممثل روسى فى الكونجرس الامريكى واشترك ممثل امريكى فى اجتماعات اللجنة المركزية للحزب الحاكم فى موسكو ؟

    كان اكثر ما اتسمت به هذه الرحلة من خطورة يعود الى الثورة العنيفة التى كانت قد انفجرت لتوها فى العراق . .

والتى كان الاعتقاد يسود أنها سوف تتطور الى حرب شاملة تشعل الشرق الأوسط كله . .

فنقلت القوات البريطانية عن طريق الجو إلى الأردن بينما نزلت القوات الامريكية فى لبنان , لكى تقوم على حد قول الذين أرسلوها – بعملية (مكافحة النيران) فى نفس الوقت الذى أخذ الروس يتحدثون عن شحنات من القنابل النووية , كان لا بد ان تحول الاسطول السادس الى بركان يحرق القوات الامريكية .

    بعد ثلاث سنوات وعشرة ايام من نفى الأسقف عن أرض الوطن عاد الى قبرص . .

 وقد احتشد نصف سكان الجزيرة تقريبا لاستقباله كزعيم حقيقى للأمة  حقق لها الحرية والسلام .

 ولكن كان لا يزال هناك وراء الستار الرجل الذى حقق كل ذلك لقبرص بشجاعته واخلاصه وصلابته خلال اربعة أعوام مضنية . .

فلا غرو ان يصبح شخصية اسطورية , فلقد كان فريدا فى تنظيمه وفى قيادته لثورة مسلحة من بدايتها الى نهايتها دون أن يتراخى موقفه أو ينسحب من ميدان المعركة . .

 انه القائد الذى صمد لأكبر عملية مطاردة فى التاريخ من أهوال حرب سرية من رصاصة عدو أو صديق قد يطلقها عليه من الخلف . .

 وبرغم هذا كله فقد وقعت الاتفاقية وديجينيس ما زال يحتفظ بمنظمته كما هى , كما كان تحت قيادته من الرجال يوم توقيع الإتفاقية اكثر مما كان فى أى وقت .

0 التعليقات: