01‏/11‏/2016

ثروة الأمم 19

ثروة الأمم 19



   إن ثروة البلد ، وإن كانت كبيرة جدا ، فهى إذا ما ظلت راكدة فترة طويلة ، فيجب ألا نتوقع رؤية أجور العمل مرتفعة فيه .          

الصين لم تزل من أغنى البلدان ، وأخصبها ، وأكثرها زراعة وصناعة وسكانا فى العالم ، غير أنها تبدو راكدة منذ منذ زمن طويل ، فماركو بولو ، الذى زارها منذ أكثر من خمس مئة عام ، يصف زراعتها ، وصناعتا وازدحامها بالسكان ، بنفس الألفاظ التى يصفها بها الرحالة فى هذه الأيام .

 ومن الجائز أن تكون قد توصلت حتى ، من قبل ماركو بولو ، إلى ذلك التمام من الثروات التى تسمح لها طبيعة قوانينها ومؤسساتها بأن تكتسبه . إن روايات كل الرحالة ، غير المتماسكة فى الكثير من الوجوه ، تتوافق على تدنى أجور العمل فيها ، وعلى الصعوبة التى يعانيها العامل فى إعالة أسرته فى الصين . فإذا استطاع بعد حفر الأرض طيلة اليوم ،
 أن يحصل ما يشترى له كمية من الأرز فى المساء رضى بما حصل . كما أن حال أصحاب الحرف اليدوية أسوأ . 

 فبدلا من أن يجلسوا فى محترفاتهم ، لا مبالين ، منتظرين دعوة الزبائن لهم ، كما هى الحال فى أوربا ، فهم يدورون باستمرار فى الشوارع ومعهم عدة حرفتهم ، يعرضون خدماتهم ، كما لو أنهم يتسولون العمل .

والفقر الذى تعانى منه طبقات الشعب الدنيا فى الصين يتجاوز بكثير كل ما يعرف عن أكثر أمم أوربا تسولا . 

   إلا أن الصين ، وإن صح أنها راكدة ، لا تبدو فى حال تقهقر ، فالسكان لم يهجروا أيا من مدنها . والأراضى التى كانت مزروعة ليست مهملة فى أى مكان ، لا بد إذا من أن تتم تأدية نفس الأعمال أو ما يقاربها سنويا .

   السخاء فى مكافأة العمل مؤشر على تزايد ثروة الأمة بقدر ما هو نتيجة ضرورية من نتائج هذا التزايد ، أما هزال الإبقاء على الكادحين الفقراء مؤشر طبيعى على أن الأمور واقفة ، كما أن حال الفاقة والتضور فمؤشر على أن الأحوال تتدهور بسرعة 

   ثمة تمييز فى كل أنحاء بريطانيا العظمى ، حتى فى أدنى أنواع العمل ، بين أجور الصيف وأجور الشتاء ، فأجور الصيف أغلى دائما .

   إن عدم التماثل فى تغيرات سعر العمل وتغيرات سعر المواد التموينية لا يقتصر على المكان أو الزمان ، بل كثيرا ما تكون تلك التغيرات متعاكسة .

   ففى إسكتلندا تؤكد بينة التصرفين المطلقين Fiars العلنية ، وهى تقويمات سنوية ، السنوية تجرى بعد قسم اليمين ، وفقا لحال الأسواق الفعلية ، لكل أنواع الحبوب فى كل مقاطعة من مقاطعات إسكتلندا .

   ولا يمكن يقينا لأى مجتمع أن يكون مزدهرا وسعيدا ، إذا كان السواد الأعظم من أفراده فقراء بائسين . لا بل إنه لمن الإنصاف ، فضلا عن ذلك ، أن يكون لأولئك الذين يطعمون الكل ، ويكسونهم ، ويؤونهم حصة من نتاج عملهم الخاص تكفل إطعامهم ، وكسوتهم ، وإيواءهم بشكل معقول ومرض .

   على أن الفقر ، وإن كان بلا شك يثنى عن الزواج ، فهو لا يحول دونه ، لا بل إنه يبدو مؤاتيا للإنجاب ، من ذلك أنامرأة نصف جائعة من الهضاب العليا هايلاند كثيرا ما تنجب أكثر من عشرين ولدا ، بينما تعجز سيدة مرفهة رائقة فى كثير من الأحيان عن إنجاب ولد واحد ، كما أنها تنهك إجمالا بعد إنجاب ولدين أو ثلاثة ،

 العقم شائع جدا بين النساء المترفات ، نادر جدا بين نساء الطبقة الدنيا . فالترف عند الجنس اللطيف ، وإن استطاع إثارة الرغبة فى التمتع ، يبدو أنه يضعف دائما ، وأحيانا يقضى نهائيا على قوى التناسل .

   فزيجاتهم ، وإن كانت إجمالا أوفر نسلا من الناس المترفين ، فإن نسبة ضئيلة من أولادهم يبلغون سن النضج . 

   يتكاثر كل نوع من أنواع الحيوان بصورة طبيعية تتناسب مع وسائل بقائه ، ولا يمكن لأى نوع من أن يتكاثر أكثر من ذلك . 

   فكما أن العرض السخى للعمل هو نتيجة من نتائج الثروة المتزايدة ، فهو أيضا سبب فى تزايد السكان ، فالشكوى منه إنما هى التباكى على النتيجة الضرورية والسبب الأول فى الازدهار العام الأعظم . 

   تبدو حال العمال الفقراء ، حال السواد الأعظم من الشعب ، كأسعد وأرفه ما تكون . وهى حال عسر فى المجتمع الراكد ، وبؤس فى المجتمع المتقهقر ، فالدولة المتقدمة هى فى الحقيقة الدولة القوية العزم المنشرحة الصدر بالنسبة إلى كافة مراتب المجتمع ، أما الراكدة فمغمومة البال ، وأما المتقهقرة فكئيبة . 

   إن العوض السخى للعمل من كد عوام الناس مثلما يشجع على تكاثرهم ، فحيث تكون الأجور مرتفعة نجد دائما العامل أنشط وأصبر ، وأسرع من المواضع التى تكون فيها متدنية . 

   والكد المفرط خلال أربعة أيام فى الأسبوع غالبا ما يكون السبب الحقيقى للبطالة خلال الأيام الثلاثة الأخرى . 

أعتقد أن الرجل الذى يعمل باعتدال يمكنه من العمل باستمرارلا يحافظ على صحته لأطول مدة ممكنة فحسب ، بل هو الذى ينتج الكمية الكبرى من العمل على مدار السنة .

   كل المصانع الكبرى التى تبيع هذا النتاج فى أماكن قصية من أن يعتمد بالضرورة على على الظروف المؤثرة فى الطلب فى البلدان التى يستهلك فيها ، وعلى السلم والحرب ، 
وعلى ازدهار المصانع الأخرى المنافسة أو انحطاطها ، وعلى إعتدال مزاج زبائنها الرئيسيين أو اعتكاره ، أكثر من اعتماده على غلاء المواسم أو رخصها فى البلدان التى صنع فيها . 

فالسعر النقدى للعمل ينتظم ضرورة بظرفين : الطلب على العمل ، وسعر ضروريات الحياة وكمالياتها . 

   إن الزيادة فى أجور العمل تزيد بالضرورة سعر الكثير من السلع ، وذلك عبر زيادة ذلك القسم منها الذى يعود إلى أجور العمل ، وتميل إلى تقليص استهلاكها فى الوطن وخارجه ، ولكن السبب نفسه الذى يرفع أجور العمل ، وزيادة رأس المال ،

 يميل غلى زيادة طاقته الإنتاجية ، وإلى جعل كمية صغرى من الجهد تنتج كمية كبرى من العمل .  

0 التعليقات: