13‏/11‏/2016

روح الإشتراكية 36

روح الإشتراكية 36
                     


       التضامن الاجتماعى 

                          1 – التضامن الاجتماعى والإحسان
       يعتبر كثير من الناس مبدأ التضامن الاجتماعى ومبدأ الإحسان من فضيلة واحدة والواقع أنهما يدلان على معنيين مختلفين ، فالمجتمعات الحديثة تسير جهرا نحو مبدأ تضامن المصالح وتبتعد عن مبدأ الإحسان . 

      يجب بيان هذه الفروق لتبدو جليا الهوة بين تضامن المنافع القائم على نظام مالى مؤسس على تقدير العواقب وبين الإحسان المبنى على الميل المفترض عند بعض الناس إلى عمل الخير أو على محبة الغير المشكوك فيها . 

    إذا نظرنا إلى الإحسان فى مجموعه فإنه يتجلى لنا أن ضرره أكثر من نفعه عمليا لأنه يؤدى فى الغالب إلى تموين أناس كثيرين يكتفون به فيظلون كسالى . 

      ليس القيام بإسعاف العاطلين من العمل والأرامل والفقراء جديرا بغير العجائز المسنات اللواتى لا شغل لهن يتعاطينه . 

      لربما كان النزوع إإلى التضامن إى إلى إشتراك المنافع المتماثلة من أكثر الميول الاجتماعية وضوحا ومن أشد العوامل تأثيرا فى تطورنا فقد صارت كلمة التضامن أكثر تداولا على الألسنة من كلمتى المساواة والإخاء القديمتين وأخذت تحل محلهما .

     وبجانب هذين السببين سبب آخر مهم يدفع الانسان فى الوقت الحاضر إلى الاشتراك وهو أنه لما أضاع آلهته وأخذ يرى اضمحلال العائلات ولم يبق له من أمل فى المستقبل صار يشعر باحتياجه إلى ركن يستند إليه وهذا الركن هو التضامن 

    إن تضامن إفراد المجتمعات البشرية ذوى المنافع المتجانسة لشئ قديم يرجع إلى أدوار تاريخنا الأولى ، ولكنه حدد قليلا أو كثيرا بحسب الأجيال وكان ميدانه مقتصرا على المصالح الدينية والاقتصادية . 

                         
                         2 – أشكال التضامن فى الوقت الحاضر 

      لا يكون التضامن الحقيقى إلا بين أشخاص تجانست مصالحهم ، فمما تقتضيه مصلحة العامل الفرنسى النقدية أن يتخلص من الوسطاء بواسطة شركات التعاون .

      إن شركات المساهمة هى أكثر أشكال التضامن انتشارا ، فهذه الشركات هى كما قال عنها المسيو " لروا بوليو " ( ستصبح ملكة العالم وورثة الاستقراطية الساقطة والنظام الإقطاعى القديم وسيكون العالم فى قبضتها ، فالساعة التى يقسم العالم فيها إلى أسهم قد دنت ) 

وهى كما قال هذا المؤلف عها أيضا ليست نتيجة للغناء بل للنظام الديموقراطى ولانتشار رءوس الأموال بين كثير من الأيدى . 

       والاستثمار بالمساهمة هو الشكل الممكن لضم رءوس الأموال الصغيرة بعضها إلى بعض ، وهذه شيوعية ولكنها ظاهرية لما للمرء من حرية الدخول فيها والخروج منها ولأن ما تمنحه من الربح يكون على نسبة المجهود أى على نسبة المبلغ الذى يشترك فيه المرء ،

 وسوف يكون الانسان قد قطع مرحلة عظيمة نحو الرقى عندما يصبح العامل صاحبا للمصنع الذى يشتغل فيه عن طريق شركات المساهمة ويحتمل أن يتم تحرير طبقة العمال اقتصاديا بهذه لطريقة المثمرة ويزول بعض التفاوت الطبيعى والاجتماعى . 

       إن شركة المحاصة التى يمكن أن تراعى فيها مصالح رب العمل والعامل هى شركة المساهمة المستلزمة اشتراكا فى الخسارة والربح والتى يمكن ابتياع أسهمها فى جميع الاسواق المالية .

       فنفرض مثلا أن صاحب مصنع يريد أن يحول مصنعه إلى أسهم ليبيعه إلى العمال ولنفرض أنه كان يؤدى كل واحد من عماله خمسة فرنكات يوميا ثم لنفرض أنه أخذ بعد ذلك يؤديه أربعة فرنكات ونصف حتى يتكون من الفرق الضئيل سهم تساوى قيمته 25 فرنكا ليضع هذا السهم فى صندوق رسمى باسم مالكه على أن لا يحق لهذا المالك أن يبيع السهم قبل مضى عدد من السنين ،

 فينال العامل بذلك فى وقت قليل عددا من الأسهم يكون مورد دخل أيام شيخوخته ، وهكذا يصبح ذا دخل من غير أن تتدخل الحكومة . 

      وأما ما يناله العامل بذلك من النتائج الأدبية فأعظم من الفوائد المادية ،

 لأنه يعتبر نفسه حينئذ مالكا للمصنع فيهتم بنجاحه ويتعلم من حضوره جلسات المساهمين كيف يدرك المسائل ويناقش فيها ولا يلبث أن يطلع على شأن رأس المال وتعقد مقتضيات الاقتصاد فيعدل بعد ذلك عن النظر إلى الممول كعامل بسيط ويخرج فى النهاية من دائرته الضيقة وأفقه المحدود وهكذا يحل الائتلاف بين العمل ورأس المال بالتدريج مكان النفرة الواقعة بينهما الآن وتلتئم المصالح المتباينة ، وسيعد الرجل المفكر العامل الذى يطبق هذا الفكر على العمل من المحسنين على البشر فيصبح مثالا يحذو الآخرين حذوه . 

       فللتضامن نوع آخر يقتضى أن نشير إليه ، وهو أن يتعاهد لفيف من الناس على القيام بإصلاح أو المدافعة عن بعض المنافع . 

      قال " تاين " باحثا عن انجلترا : 
 عندما للمرء يبدو  فكر صائب فإنه يخبر به أصدقائه عنه فيستصوبه مؤدين نقودا لإذاعته وموجهين أنظار الناس إليه كى يكتبوا فيه ، وكلما مال الناس إليه واكتتبوا فيه يزداد اشتهارا ، وهذا تكبر كرة الثلج حتى تقرع باب البرلمان وتفتحه أو تخرقه . 

      على هذه الصورة ينجز العمل الذاتى وعلينا أن نخبر أنفسنا بوجود وشائع ثلجية فى انجلترا ستصبح كرى . " 

      ولقد نال الانجليز أكثر اصلاحاتهم فائدة بواسطة ما عندهم من الجمعيات التى هى من هذا النوع – كجمعية " كوبدن " فى حرية المبادلة – إذ لا تلبث هذه الجمعيات أن تلزم البرلمان السير على ما تشير به بعد أن يتضح أنها تعبر عن رغائب الشعب . 

                            3 – نقابات العمال   

         إن غاية النقابات هى أن يجمع تحت إدارة أناس ذوو مصالح مشتركة ومهنة واحدة . 

        أكثر الطبقات انتفاعا بالنقابات هى صنوف العمال ، فهذه الصنوف لم تنل قوتها الحاضرة بواسطة التصويت العام بل بواسطة النقابات على وجه الخصوص ، فالنقابات أصبحت سلاح الصغار والضعفاء ، 

وبها صاروا مساويين لأعظم أمراء الصناعة والمال وبتأثيرها أخذت تتطور العلائق بين العمال وأرباب العمال والمستخدمين تطورا كليا فلم يبق رب العمل إزاء عماله رجلا مطلقا مديرا للعمل دون أن يناقشه أحد الحساب ولا حاكما لعدد كبير من العمال حسب الكيفية التى يريدها منظما لأمور الصحة والعافية الخ . 

     فقد انتصبت اليوم أمام إرادته وأهوائه وضعفه وأغلاطه نقابات لها بعدد أفرادها ووحدة عزائمهم قوة معادلة لقوته . 

     لا يفر العامل من استبداد إلا ليعانى استبداد آخر ولكن هذا الاستبداد الأخير يفيده فالحكومة تهاب النقابات وتعاملها كما تعامل الدول . 

     فالخير والإحسان هما عاطفتان من بقايا الماضى الميت ولا تأثير لهما وسوف لا يعترف المستقبل بهما .

                           4 – الصنائع التى تديرها البلديات
                                      الاشتراكية البلدية 

      إن الجيل الحاضر هو جيل الاشتراك ، فالحضارة  شئ معقد ثقيل لا يستطيع أكثر الناس أن يسيروا معه بسهولة ، ولذلك يحتاجون إلى سند معين ، وقد نشأ عن هذه الضرورة المتجبرة وضع أناظيم كثيرة .   

     يوجد نقابات ألجأ إلى تأسيسها ما عند الجماعة التى يتعاطى أفرادها مهنة واحدة من الحاجات المتماثلة ، أما الحاجات العامة المتباينة – كالصحة مثلا فى إحدى المدن – فقد وجد لأجلها إدارات محلية فى كل زمان . 

     ولقد زادت هذه الأمور خاصة فى انجلترا حيث عدد الاشتراكيين قليل كما هو معلوم فالبلديات تقوم فى انجلترا الآن بمشاريع عديدة كالإنارة والنقل الخ لغرض اقتصادى فقط ، وهى تنجح فى ذلك غالبا لوجود أناس قديرين على رأسها ذوى قابليات عملية لا يوجد نظيرها إلا عند أمم قليلة . 

        كتب المسيو " بوردو " : " وقع فى ( غلاسكو ) تبديل تام سريع إذ أرغمت بلديتها الملاك على هدم البيوت المضرة وحولت أحياء العمال وأنشأت بيوتا لتؤجرها بأجرة معتدلة وأسست حمامات ومغاسل ومسارح ومعارض فنية ومتحفا ودورا للكتب وملاجئ للمساكين ومدارس
 للصنائع الخ ،

 ولقد تم جميع ذلك من أرباح المشاريع العامة التى قامت بإدارتها البلديات الانجليزية كالترام والماء والغاز والتنوير الكهربى . 

     وتحذو المدن الألمانية حذو البلديات الانجليزية ، ولما كان أكفاء الرجال فيها أيضا غير نادرين فقد نجحت فى مشاريعها وإن كان ذلك النجاح دونه فى انجلترا . 

    إن اللامركزية لا يمكن تطبيقها بين الأمم اللاتينية ، نعم إن المركزية لشئ صارم ثقيل متلف ولكنها ضرورية لنا إذ لولا تأثيرها لخضنا غمار الفوضى المخيفة حالا . 

     فالتجربة هى من طرق الإثبات النادرة التى تؤثر فى الجماعات بسهولة ، يتطلب رجالا من الدرجة الأولى ، فأولو الجرأة الذين يقاومون تيار العوام بدلا من اتباعه خائفين هم أندر من الكبريت الأحمر ويستحقون لدفاعهم بسالة عن البنيان الاجتماعى أن تنصب لهم تماثيل .

0 التعليقات: