17‏/02‏/2015

العقد الإجتماعي 7

العقد الإجتماعي 7


                                فى المشرع

          يتطلب اكتشاف أفضل قواعد المجتمع , التى تتلاءم مع طبيعة الأمم , عقلا ممتازا يرى كل أهواء الناس على الا يتعرض هو نفسه لأى منها ؛ عقل لا صلة له بطبيعتنا البشرية ولكنه يدرك جذورها ؛ وأن تكون سعادته مستقلة عن سعادتنا ولكنه مع ذلك يهتم بسعادتنا ؛ وأخيرا يتطلب الأمر أن يرنو هذا العقل ببصره إلى المستقبل البعيد وينتظر يوم مجده فى عهد لم يأت بعد , أى أن يزرع فى قرن ويحصد الثمار فى قرن أخر . بعبارة أخرى , إن الامر يتطلب الهة تمنح البشر قوانينها .
         
         بيد أنه إذا كان صحيحا أن الأمير العظيم لا يوجد ألا نادرا , فكيف الحال بالنسبة لواضع القوانين العظيم ؟

فليس على الأول إلا أن يسير على النمط الذى يجب على الثانى أن يضعه . فالثانى هو المهندس الذى يبتكر الالة , بينما الأول ليس سوى العامل الذى يمتطيها ويديرها .


إن مونتيسكو يقول : عندما تولد المجتمعات يضع زعماء الجمهوريات الأنظمة ؛ وبعد ذللك تصنع الأنظمة زعماء الجمهوريات .


         كل من يجرؤ على أن يأخذ على عاتقه أن يضع لشعب ما نظما يجب أن يدرك أنه انما يغير , بذلك الطبيعة البشرية ؛ إذ يحول كل فرد , هو فى ذاته كلا قائما بذاته منعزلا , إلى جزء من كل أكبر يتلقى منه هذا , بمعنى ما ؛ حياته وكيانه ؛ ويبدل من تكوين الانسان ليكفل له قوة أكبر ؛ ويستبدل بالكيان المادى المستقل الذى تمنحنا إياه الطبيعة , كيانا جزئيا ومعنويا . وبالاختصار , إنه ينتزع من الإنسان قواه الخاصة به ليمنحه قوى غريبة عنه , وهى قوى لا يستطيع استعمالها دون معونة الاخرين .

 وكلما قضى على هذه القوى الطبيعية وتلاشت كانت القوى التى يكتسبها أشد وأدوم وكان النظام أيضا أمتن وأكمل : بحيث إن كل مواطن لا يكون شيئا ولا يستطيع شيئا الا مع الاخرين , وإن القوة التى يكتسبها الجميع تكون إما مساوية لمجموع القوى الطبيعية لجميع الافراد وإما أكثر منها ؛ وعندئذ يمكننا القول بان الشرع قد بلغ منتهى ما يستطيع أن يصل اليه من الكمال .

          فالشرع من أية ناحية نظرت إلية , شخص ممتاز فى الدولة . وإذا كان كذلك بعبقريته فهو أكثر من ذلك بوظيفته . فهى ليست وظيفة حكم ولا سيادة .

          ورغم أن عمله هو تأسيس الدولة , فهو ليس جزءا منها .

 بل يقوم بوظيفة خاصة وسامية لا شئ مشترك بينها وبين حكم الناس , إذ انه إذا كان من يحكم الناس يجب ألا يحكم القوانين , فذلك من يحكم القوانين يجب ألا يحكم الناس : والا كانت قوانينه خادمه لأهواءئه ولا تؤدى فى كثير من الأحيان إلا الى دوام مظالمة ؛ فهو لن يستطيع تجنب أن تؤدى وجهات نظره الخاصة الى انحراف فى عمله المقدس .


         وقد بدأ (ليكورجوس) بالتخلى عن العرش عندما وضع القوانين لوطنه .

وكان العرف السائد بين معظم المدن الإغريقية أن تعهد الى اجانب بوضع قوانينها .

كما أن الجمهوريات الحديثه فى ايطاليا كثيرا ما اتبعت هذا التقليد .

 وكذلك جنيف لجأت الى نفس الطريقة واستفادت منها .

وقد شهدت روما فى عصرها الذهبى جميع جرائم الطغيان تعود بين ظهرانيها وكادت تهلك لا لشئ سوى أنها وحدت السلطة التشريعية والسلطة السيادية فى يد واحدة .

         كما أنه حتى (الحكام العشرة) أنفسهم لم يدعوا حق سن أى قانون بمحض سلطتهم . فقد قالوا للشعب ( ما من شئ نقترحه عليكم يمكن أن يصير قانونا دون موافقتكم . أيها الرومانيون ضعوا بأنفسكم تلك القوانين التى تكفل لكم السعادة ) .


        ومن ثم فإن من يصنف القوانين ليس له أى حق تشريعى , أو يجب ألا يكون له مثل هذا الحق الذى لا ينتقل حتى لو أراد ذلك , لانه بمقتضى الميثاق الأساسى ليس هناك ما يرتب التزاما على الأفراد إلا الإرادة العامة , كما لا يمكن التأكد أبدا أن إرادة خاصة تتطابق مع الإرادة العامة إلا بعد أن يدلى فيها الشعب بصوته بحرية .

0 التعليقات: