22‏/06‏/2014

حرب المستضعفين 25

حرب المستضعفين 25
ونظراً لعدم وجود انتصارات كبيرة، كان الهوك بحاجة إلى تحقيق نجاحات، لإعطاء انطباع بأنهم سيكسبون في النهاية، أي خلق ذلك الانطباع الذي شكل قاعدة النجاح في كثير من الحركات الثورية.

لقد انطلقوا انطلاقة جيدة، لكنهم لم يُحسنوا استغلالها. وقد أضعفت إصلاحات ماغساي ساي المطالب الشعبية في الوقت المناسب ووسعت القاعدة السياسية للنظام، وأنقصت القاعدة السياسية للحركة، حتى اللحظة التي ألفت هذه الحركة نفسها فيها منتهية عملياً كقوة ثورية.


  

 

أما في ماليزيا فيما بعد الحرب، فكان الموقف يختلف جذرياً عنه في الفليبين، رغم التماثلات الظاهرية. فقد تواجدت حركة شيوعية قوية من حرب العصابات، تلقت التدريب على يد خبراء، كما في الفيلبين، ولقد وُصف ( تشين بنغ )، الأمين العام للحزب الشيوعي الماليزي، بأنه ( أصلح ثائر عصابات في انجلترا ) وكذا مائتا عضو من الحزب الذين تدربوا على الحرب غير النظامية في مدرسة بريطانية خاصة في سنغافورة قبل عامين من ذلك.


وبالإضافة إلى ذلك، فقد كان في ماليزية منظمة سياسية واسعة هي ( مين يوين )، أو حركة الجماهير، التي كان لها عملياً فروع في كل التجمعات السكنية الكبرى في ماليزيا.

ولسوء حظ الشيوعيين، كان جيش التحرير (m.r.l.a) يتشكل بأكمله من الصينيين، وخاصة ممن وصلوا حديثاً إلى ماليزيا، فلم تكن لهم جذور أصلية في البلاد.

وقد تباينت التقديرات عن عدد ثوار العصابات بين خمسة وعشرة آلاف، واستطاعوا شن حملة من الإرهاب والتخريب كانت البداية فعالة. وكان ضعفهم يكمن بأنه كان يمكن عزلهم بسهولة.

ففي الأدغال غير المأهولة التي أُجبروا على اللجوء إليها، كان يقطن عدد محدود جداً من السكان المحليين، لذا وجد الثوار صعوبة بالغة في الحصول على المؤن، واضطروا بالتالي إلى جلب ما يحتاجون إليه من القرى بالتهريب، بواسطة شبكة ( مين يوين )، لكن يقظة الشرطة أوقفت هذه التجارة بسرعة.

ونفذت الحكومة برنامجاً واسعاً وكلفاً للإسكان، شمل أكثر من خمسمائة ألف صيني، معظمهم من العاملين في مناجم القصدير أو في مزارع أشجار المطاط، وبفضل هذا البرنامج نقل الصصينيون المذكورون من الأكواخ التي كانوا يقيمون فيها على حافة الأدغال، وأُسكنوا في قرى محمية سهلة المراقبة، وقُدمت إليهم بعض الميزات الحياتية فمالوا إلى الانفصام عن المتمردين.

وبانقطاع اتصال الثائرين عن أغلب السكان، وبعدم تلقيهم المساعدة المادية المتوقعة من الجماعة الصينية، فقد اضطروا تدريجياً للخضوع أو للإبادة النهائية عن طريق الكمائن.

وقد اهتم الأخصائيون في الحرب المضادة للثورة بهذا البرنامج من الإسكان، والذي شكل نموذجاً من القرى المحمية، أُنشئت فيما بعد في فيتنام. كما توجهوا بعنايتهم إلى وسائل أخرى استعملها البريطانيون في ماليزيا.

ومع ذلك، لم يكن الحدث الهام في هذه التجربة هزيمة جيش التحرير المايزي – المقدر له الأخفاق منذ البداية – بل الزمن الذي استغرقته حملة القمع ونفقاتها الباهظة. ورغم الظروف السيئة التي عمل فيها ثوار العصابات، فإنهم لم يبادوا كقوة مقاتلة إلا بعد عشر سنين، ولا يزال بعضهم موجوداً في الأدغال، لكنهم لا يشكلون خطراً يحسب حسابه.

وقد جمدوا خلال تلك السنوات العشر 40 ألف جندي بريطاني، و 100 ألف من رجال الشرطة النظاميين والمساعدين. ويسمح لنا التقرير التالي عن عملية ( ناسو )، المنفذ بقوة كتيبة، أن نأخذ فكرة عن الجهد العسكري الذي كان لا بد من بذله.

(
بدأت عملية ( ناسو ) في كانون الثاني 1954، وانتهت في أيلول 1955. ويغطي مستنقع كوالا لانغات مساحة أكثر من مائتي كيلومتر مربع، وهو دغل كثيف، فيه أشجار يزيد ارتفاعها عن أربعين متراً، ولا تتعدى مسافة الرؤية فيه ثلاثين متراً. وخصصت كتيبة بريطانية لهذا القطاع، حيث جرت عدة اغتيالات، وأقيمت الرقابة على المؤن بطريقة التقنين وبمراقبة المرور والتحريات. وبدأت سرية من الكتيبة عملها في 21 كانون الأول 1954 في المستنقعات، لكن العمليات الفعلية لم تبدأ إلا في التاسع من كانون الثاني 1955، بقصف ناري بالمدافع والهاونات والطائرات. وتضمَّن المخطط في الأصل إزعاج الثوار ليلاً نهائياً في المستنقع. وأحياناً كانت تخرج أرهاط التموين لجلب الأغذية، ولم يكن السكان المدنيون يُعلمون السلطات عنها لشدة خوفهم منها.

(
ولذلك تعدّل المخطط، واقتصر رمي الإزعاج على الليل، بينما استمر نصب الكمائن وتكثيف الدوريات. ودام ذلك ثلاثة أشهر دون أن ظهر أية نتيجة . وفي 21 آذار، نجحت وحدة كامنة بقتل اثنين من ثمانية ثوار، بعد انتظام دام خمسة وأربعين ساعة. وانغمس أول دبوسين برأس أحمر على خريطة العمليات للدلالة على سقوط القتيلين، وارتفعت المعنويات.

(
وانقضى شهر آخر حتى أتت إخبارية أخرى، فسمحت بنصب كمين آخر، قتل في خلاله أحد الثوار. ولم يحدث شيء في شهر أيار. وفي حزيران حدث تماس بالصدفة مع دورية، مما أدى إلى قتل رجل وأسر آخر. وبعد ذلك بأيام، وبينما كانت فصيلة تعود من دوررية، دامت أربعة أيام، دون جدوى، اصطدمت مع الثوار وقتل اثنين منهم، وأسر أحد قادة القطاع من الشيوعيين. ولقد أعلن الأسير بأن المراقبة على المؤن كانت فعالة بشكل أن أحد رجاله قد قتل أثناء شجار على الطعام.

(
وفي 7 حزيران، خصصت سريتان جديدتان للقطاع، واشتدت الدوريات ورمايات الإزعاج، فاستسلم ثلاثة ثوار، وأرشد أحدهم فصيلة من الجيش إلى معسكر آمره، فقتلت أربعة رجال بينهم الآمر نفسه. وقتلت الدوريات أربعة آخرين. وفي نهاية تموز، بقي في المستنقع ثلاثة وعشرون ثائراً بدون غذاء أو اتصالات مع العالم الخارجي.

(
حصيلة العملية: إطلاق 60 ألف قذيفة مدفعية، و 30 ألف قذيفة هاون، وألفي قنبلة طائرات، من أجل قتل أو أسر 35 ثائراً. وقد تطلَّب كل واحد من هؤلاء 1500 ( رجل / يوم ) من الدوريات والكمائن. ومع هذا، فقد اعتبرت ناسو نجحاً، لأنها قربت نهاية الحملة .

وهكذا، كان لا بد من جهد مستمر لكتيبة، ولمدة تسعة أشهر، ومصروفات من القذائف والقنابل، تزيد عما يوجد في ترسانة بعض جمهوريات أمريكا الجنوبية، وكل ذلك لتصفية خمسة وثلاثين من ثوار العصابات.

ولا يمكن لهزيمة الشيوعيين في ماليزيا، والتي كلفت ثمناً باهظاً، أن تشكل إلا إلهاماً محفزاً لثوار عصابات آخرين أقوياء في بلاد محروسة بصورة أقل من ماليزيا. وكم من أنظمة قليلة التماسك في أمريكا الجنوبية، تجيز لنفسها مثل تلك النفقات، دون أن نتحدث عن المخاطر السياسية، وذلك ليس لتصفية خمسة وثلاثين، بل لتصفية ألف من الثائرين المصممين؟ وفي أي مدى من الزمن؟


  


وتقدم لنا اليونان حالة خاصة. فالثورة التي دامت فيها ثلاثة أعوام، وقُمعت من قبل حكومة يمينية وبمساعدة انجلترا والولايات المتحدة، عبارة عن تجربة تقدم الكثير من الدروس إلى الذين يرغبون بمعرفة الطريقة التي ( لا ينبغي أن تُدار بها الكثير من حرب العصابات ).


لقد نُسبت خلال ذلك الصراع (1946-1949) عملياً كل دروس التجربة، وكل المبادئ الموضوعة من قبل المنظرين الماركسيين – اللينينيين للحرب الثورية، التي انتهكها الشيوعيون اليونانيون على عكس ما كان منتظراً.

وكما في بلدان أخرى، وجد القادة الشيوعيون أنفسهم في نهاية الحرب العالمية الثانية في موقف مناسب مادياً وسياسياً، بسبب تحالف الشيوعية مع الحركة المعادية للفاشية، ولأن الشيوعيين سيطروا في حركة المقاومة (إيلاس E.l.a.s). وكان الحزب يحتل إذن مركزاً فكرياً قوياً، وضم الثوريون آلافاً من الطليعيين في (إيلاس). ومع أن هذه المنظمة قامت بسليم رمزي لأسلحتها في العام 1945، إلا أن أفضل ما استلمته من انجلترا والولايات المتحدة، أثناء الصراع ضد النازية، بقي في أيدي ثوار العصابات، عندما اندلعت الحرب الأهلية في العام 1946.

وكان الثوار ضعفاء عددياً، بحدود ألفين وخمسمائة محارب أمام ثلاثين ألفاً من رجال الدرك الوطني، ومع هذا فقد بدأت أعمالهم بداية جيدة. وعملت القضية الشيوعية على اكتساب متطوعين جدد، وبدأت الأعمال القتالية في الجبال الشمالية على حدود ألبانيا ويوغوسلافيا وبلغاريا، وامتدت إلى مركز البلاد، ووصلت إلى جبال البيلوبوينز. ولم تؤد الأعمال الانتقامية التي مارستها مجموعات أقصى اليمين إلا إلى تأجيج الحريق.

لقد بدأت الحملة الشيوعية استناداً إلى قواعد سليمة نظرياً. واستعمل الجيش الديمقراكي تكتيك حرب العصابات، أي مجموعات صغيرة قادرة على الانتشار والاختباء وحتى على الاندماج، مع السكان عند الضرورة، وكان بإمكانهم أن تحتشد محلياً وبسرعة، لمهاجمة مراكز الشرطة أو الدوريات الصغيرة.

وعندما أصبح ثوار العصابات أكثر قوة، اضطرت الشرطة لترك مراكزها الصغيرة، والانسحاب إلى التجمعات السكنية الكبرى. ووعت حكومة أثينا الخطر فأسرعت إلى إعادة تشكيل الجيش الذي كان قد اختفى أثناء الاحتلال الألماني.

واصطدمت القوات المُرسلة إلى الجبال بالتكتيك نفسه، ولم تستطع الاستقرار أو التجول إلا بالقوة. والأخطر من ذلك، أنها لم تتمكن من مراقبة الحدود مع ألبانيا ويوغوسلافيا، حيث كان قد التجأ أربعة آلاف من (إيلاس) في نهاية عهد الاحتلال الألماني، وأخذوا يعودون إلى اليونان مع معداتهم.

وهكذا حاز الجيش الديمقراطي على منطقة خلفية منيعة وآمنة، لإقامة المستشفيات ومعسكرات التدريب وقواعد التموين.

وكانت الاستراتيجيةالعسكرية لحرب العصابات اليونانية ( لا دفاعية ولا هجومية ) لكنها مراوغة. وبالاختصار كانت حرب البرغوث: قرص هنا، ولدغة هناك، ومن ثم انسحاب سريع، والمطلوب إدماء الجيش، وإنهاك حكومة أثينا. وكُرست الأهداف العسكرية لخدمة الأهداف العسكرية لخدمة الأهداف السياسية. فبقطع الاتصالات، وبإشاعة الفوضى المدينية، وبتثقيل العبء الضريبي إلى حد بعيد، وبتفتيت الحياة الاقتصادية، كان الشيوعيون، يأملون بتقويض نظام أثينا، وخلق الضغوط الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، التي تسبب سقوطه في الوقت المطلوب.

وسارت الأمور بشكل جيد، وربما بشكل جيد جداً، من الناحية العسكرية. وآمنت العصابات الصغيرة بدلك سريعاً. ومنذ بداية العام 1947، أخذ الجيش الديمقراطي يحارب على مستوى الكتيبة. وبعد عام من ذلك، شكل ألوية ثم فرقاً، (8 فرق)، وكانت هذه الفرق تقريباً على نموذج الفرق النظامية. وقد بدأ الجيش الديمقراطي الحرب بألفين وخمسمائة مقاتل، ووصل عدده في نهايته العظمى إلى ستة وعشرين ألفاً ثم انحدر إلى حوالي ثمانية عشر ألفاً في نهاية الحرب.

وأدت النجاحات الأولى، مع عوامل أخرى، إلى اقتراف أخطاء جسيمة جداً، لا بل قاتلة. ومن أهم العوامل الأخرى التي أدت إلى فشل الثوار، الدعم البريطاني ثم الأمريكي لأثينا، والدعم الممنوح للجيش الديمقراطي من قبل البلدان الشيوعية الثلاث الواقعة في شمالي اليونان.

وكان أول الأخطاء، فقدان الاتصال الفعّال مع السكان. ففي بداية ولأسباب تتعلق بالراحة المادية من جهة وبالضرورات الأمنية من جهة أخرى، اجتاح الشيوعيون القرى التي طُرد الدرك منها، وقاموا بمصادرة المواشي والأرزاق، كما عمدوا أحياناً إلى تهجير السكان إذا دعت الضرورة. وكثيراً ما جُنِّد السكان بالقوة في صفوف العصابات، أو طُردوا خارج منطقة حرب العثابات.

وشكل اللاجئون بالنسبة إلى أثينا مشكلة في غاية الصعوبة، ولكنهم كلفوا الشيوعيين ثمناً باهظاً من الناحية السياسية، من حيث سمعتهم والدعم الشعبي لهم. وكانت لذلك أيضاً نتائج عسكرية، إذ أن اختفاء المدنيين من منطقة العمليات، خلِّص الحكومة من كل حيرة في قصف المناطق المسكونة، ولم يعد الطيارون يتساءلون عن صفة الهدف المتبين: فكل ما يتحرك في منطقة حرب العصابات كان شيوعياً.

أما الخطأ الجسيم الثاني، المقترف لأسباب لم تتوضح بشكل كامل، فقد تمثل اعتباراً من العام 1947، في محاولة الاحتفاظ بالأرض، وتبنّي خطة دفاعية تقليدية لا تلائم مطلقاً ثوار عصابات بتفوق العدو عليهم عددياً، ومجهزين بأسلحة خفيفة، ولا يمتلكون إمداداً مضموناً تماماً.

ورغم نموهم العددي، فإنهم لم يكونوا أبداً على مستوى تحمل أعباء مواجهة مكشوفة، مع جيش قوة دفاع وطنية، يضمان معاً زهاء 265 ألف رجل، مجهزين بالدبابات والمدفعية وبطيران شديد الفعالية.

وكان القرار بالانتقال من حرب العصابات إلى القيام بعمليات تقليدية ( استعمال الألوية ثم الفروق، واحتلال منطقة الشمال ) محكوماً على ما يبدو باعتبارات سياسية. إذا كانت قد تشكلت حكومة شيوعية، وكانت هذه الحكومة بحاجة إلى أرض محررة. ولكن يطلب الثوار من العالم الاعتراف ( باليونان الحرة)، كان لا بد من البرهنة على وجودها.

ولا شك أن عوامل أخرى لعبت دورها. فلم يكن بإمكان الشيوعيين التنازل عن قواعدهم الخارجية، والامدادات التي كانت تصلهم من يوغوسلافيا على قوافل البغال. وكان الحفاظ على حدود مفتوحة واحداً من أهداف العمليات الدفاعية في الشمال.
وسواء كان ذلك مناسباً أم غير مناسب، فإن الجيش الديمقراطي، نجح فعلياً في البداية واحتفظ بالأرض. وفي صيف 1948، توصل 12000-15000 من الثوار إلى منع 50000 من الجنود الحكوميين من دخول جبال ( غراموس )، أي أنهم سيطروا على منطقة مساحتها خمسمائة كيلومتر مربع، طوال شهرين ونصف. وعندما أضحى الضغط الحكومي كبيراً جداً، انسحب الجيش الديمقراطي إلى ألبانيا، ثم ظهر من جديد في منطقة جبل ( فيتسي ) في الشمال الشرقي، وخاض قتالاً دفاعياً ظافراً. وبعد أقل من ستة أشهر، احتل ثوار العصابات مجدداً جبال (غراموس)، وأخفقت الحملة الحكومية في الشمال.

وأجبرت الهزيمة أثينا على اتخاذ إجراءات تعسفية، واستُدعي رئيس الأركان العامة السابق الجنرال ألكسندر باباغوس إلى الخدمة، وحصل عملياً على الحرية الكاملة في إعادة تنظيم الجيش، وزيادة عدده حتى 250 ألف رجل إذا كان ذلك ضرورياً.

واستبدل باباغوس الضباط العاجزين، وتبنى تكتيكياً جديداً أشد عدوانية. فزج 25 ألف رجل في معركة (البيلوبونيز) التي عمد الشيوعيون فيها إلى الهجوم، وفي بداية العام 1949 أبيدت قوة الثوار في هذه المنطقة (3600 ثائر)، وحقق الجيش نجاحات، جيدة في وسط اليونان. وفي نهاية حزيران 1949، تعرض الجيش إلى هزيمة في كل مكان، إلا في معاقلة الحصينة في ( غراموس ) و ( فيتسي ) التي كان الجيش يستعد لمهاجمتها بقة كبيرة.


وخلال ذلك، وقع حدث سياسي عالمي هام، سبب ضربة شديدة للشيوعيين، وذلك عندما اختلف تيتو مع ستاليين، وخرجت يوغوسلافيا من الكومنترن. وفي شهر تموز أغلقت الحكومة اليوغوسلافية حدودها مع اليونان، مما أدى إلى قطع الإمداد عن ثوار مقدونيا وتراقيا الغربية، وعزل في يوغوسلافيا قوة من الثوار اليونانيين تقدر بأربعة آلاف رجل، وقطع القوات الرئيسية لقطاع ( غراموس – فيتسي ) عن الثوار في بلغاريا وتراقيا الشرقية ومقدونيا. وألفى الجيش الديمقراطي نفسه مقتصراً على الإمداد الذي يصله من ألبانيا، والذي كان قليل الأهمية ورديء النوعية بالنسبة إلى ما كان يأتيه من يوغوسلافيا.

وفي مثل هذه الشروط، بدا الجيش الديمقراطي عاجزاً عن الصمود مدة طويلة أمام قوات نظامية أفضل منه تسليحاً وتدريباً وتنظيماً، وتتفوق عليه عددياً، وتتمتع بدعم كاف من المدفعية والطائرات. وفي خلال 3 أيام هزم الثوار المدافعون عن موقع جبل فيتسي ( 7 آلاف ثائر )، وانسحب خمسة آلاف منهم إلى ألبانيا. أما في غراموس، فلقد استمر الهجوم الحكومي الحكومي خمسة أيام، وأسفر عن هزيمة الثوار، وانسحب أربعة آلاف ثائر إلى ألبانيا. وانتهت بذلك الحرب الأهلية عملياً. ومع أنه قد بقي الآلاف من قدماء المحاربين وعدد كبير من المتعاطفين مع الثورة في البلاد، إلا أن الثورة كانت قد سُحقت، بدون أمل في ولادتها من جديد.

ولا يبدو لي أنني أبالغ، وإذا قلت بأن الشيوعيين قد ساهموا إلى حد بعيد في الوصول إلى هذه النتيجة. لأن خسارتهم لتعاطف السكان في الجبال الشمالية، وتطبيقهم الإرهاب ضد المدنيين، وتمسكهم بقواعدهم، واعتمادهم على الموارد الخارجية، واتخاذهم بشكل مبكر قرار التمسك بالأرض ضد قوى متفوقة من كل النواحي قد هيأت المناخ لمجموعة الهزائم التي لم ينهضوا بعدها.

لقد خسروا في الساحتين العسكرية والسياسية، لأن انتصار الجيش اليوناني حدَّد أيضاً نهاية الحركة الثورية


يؤكد المثال اليوناني تماماً المبادئ الثورية. فليس هدف حرب العصابات كسب المعارك، بل تجنب الهزيمة، كما أنه لا يتمثل في إنهاء الحرب بل في تمديدها حتى يحدث انتصار سياسي، أكثر أهمية من أي انتصار عسكري. وعند تضحيتهم بمزايا تكتيك حرب العصابات، في سبيل استراتيجية عسكرية أساسها احتلال الأرض، وضع الشيوعيون اليوانانيون الضعف أمام القوة. وعندما غامروا بقبول الأرض، وضع الشيوعيون اليونانيون الضعف أمام القوة. وعندما غامروا بقبول المواجهة العسكرية، فإنهم لم يخاطروا بقواتهم فحسب، بل بالأهم من ذلك بكثير، ألا وهو الشعور الذي ولدوه عند الشعب بأنهم سيكسبون، والذي بدونه لا يمكن أن تنجح أية حركة سياسية.

الثورة، بالتعريف، ظاهرة جماهيرية. وتوضح اليونان وماليزيا والفيليبين تلك البديهية الفائقة، بأنه لا يمكن أن تتواجد ثورة بدون مساهمة الجماهير أو دعمخا على الأقل. ولقد أضاع الهوك في الفيليبين هذا السند الشعبي، ولم يحوزه الصينيون في ماليزيا مطلقاً، كما حرم الشيوعيون اليونانيون أنفسهم منه بمحض إرادتهم.

  

0 التعليقات: