17‏/02‏/2009

تاريخ الفقه الإسلامي - جمل مختارة 22

أسباب الجمود الفكري والتعصب المذهبي

1- الغلو في تعظيم الأئمة

2- طريقة التدوين والتأليف:

أ - كثرة التأليف في الفقه :
لك أن تتعجب كيف كان رسول الله صلي الله عليه وسلم ينهي عن تدوين سنته ، وأنظر كذلك في سيرة أبو بكر وعمر كيف كانا ينهيان الصحابة من الاكثار من رواية السنة ، وكذا كان أئمة السلف كاأحمد بن حنبل رض الله عنه فقد كان ينهي عن تدوين كلامه
وما ظهر وانتشر في عصر التقليد من كثرة التدوين والتصنيف والشروح والحواشي والمختصرات وكان كل ذلك علي حساب الاشتغال بالكتاب والسنة ، وقد عنون ابن خلدون رحمه الله في مقدمته " فصل في أن كثرة التأليف في العلوم عائقة عن التحصيل ".
ب- المختصرات الفقهية :
يمكننا أننوجز المفاسد الناتجة عن هذه المختصرات في :
1- إغراق المؤلفين في الاختصار أدي إلي الإخلال بالبلاغة ، وصعوبة الفهم ، ولذلك احتاجوا إلي الشروح ، والشروح احتاجت إلي الحواشي.
2- إفساد التعليم ، لأنهم يقصدون إلي المونات التي هي غايات في العلم ويلزمون الطلبة المبتدئين بدراستها .
3- إشغال طالب العلم والعالم بحل رموز العبارة وبيان معانيها لشدة إختصارها وفي هذا ضياع للوقت في أمر ليس له فائدة ، وكان الواجب الرجوع إلي الكتب الواضحة العبارة التي تبين عن نفسها بنفسها ، وبذلك يزول الإلغاز ، وتتضح المعاني.
4- هذه الطريقة فيها إفساد للملكة العلمية ، ولذلك فإن الملكة العلمية تنعدم أو تنشأ قاصرة .

لقد كا نمختصر خليل أقرب إلي الألغاز منه إلي الكتب العلمية
لقد أصبحت هذه المختصرات المعقدة قيوداً وآصاراً أحاطت بالعقول في عصر التقليد كما يقول الحجوي" أحاطت بعقولنا قيود فوق قيود ، وآصار فوق آصار"
فالقيود الأولي: التقيد بالمذاهب ، وما جعلوا لها من القواعد ، ونسبوا لمؤسسيها من الأصول
والقيود الثانية : أطواق التأليف المختصرة المعقدة التي لا تفهم إلا بواسطة الشروح

ج – عدم اتباع المنهج العلمي في التوثيق:
فقد وقعوا في خطئين هما :
أولاً: اختلافهم كثيراً فيما ينقلونه من نصوص الإمام ، وفيما يصححونه منها ، وكل أصحاب طريقة ينقلون عن إمامهم خلاف ما ينقله هؤلاء ، مع أن المرجع في هذا كله إمام واحد ( كخراسانية وعراقية في مذهب الشافعي) ومن هنا أصبح معرفة المعتمد في المذهب في غاية الصعوبة ، وحصل فيه اضطراب شديد.
ثانياً: كثرة الاستدلال بالأحاديث الضعيفة والموضوعة علي ما يذهبون إليه نصراً لقولهم
ويذكر الشوكاني أن الغزالي والجويني إذا تكلموا في الحديث جاؤوا بما يضحك منه سامعه، وذلك لكثرة استشهادهم بالضعيف والموضوع ، والزمخشري والرازي مع كونهم يؤلفون في الحديث فإنه لا علم لهم به ، واستشهادهم بالضعيف كثير.

وقد وقد حاول المحدثون سد هذه الثغرة في المؤلفات الفقهية ، فاتجهوا إلي تخريج المؤلفات الفقهية المشهورة المتداولة ، فخرج الحافظ الزيلعي كتاب الهداية في فقه الأحناف ، وخرج ابن حجر العسقلاني كتاب الرافعي الكبير في فقه الشافعية ، وفي هذا العصر خرج الألباني كتاب منار السبيل في فقه الحنابلة.

3- ضعف الدولة الإسلامية :
فقد عقد ابن خلدون في مقدمته فصلا لبيان " أن العلوم إنما تكثر حيث يكثر العمران وتعظم الحضارة " والسبب في ذلك " أن تعليم العلم من جملة الصنائع ، والصنائع إنما تكثر في الأمصار ، وعلي نسبة عمرانها في الكثرة والقلة والحضارة والترف تكون نسبة الصنائع في الجودة والكثرة ، لأنه أمر زائد علي المعاش ، فمتي فضلت أعمال العمران عن معاشهم انصرفت إلي ما وراء المعاش من التصرف في خاصية الإنسان وهي العلوم والصنائع "

4- تمكين السلاطين لاتباع المذهب الذي اعتنقوه:
وقصروا مناصب القضاء والافتاء عليه ، وقد صرف هذا همم الناس إلي اتباع المذاهب وتقليدها وترك الاشتغال بعلوم الكتاب والسنة.

وبسبب انتصار كل حاكم من الحكام لمذهب معين من المذاهب انقرض كثير من المذاهب كمذهب سفيان الثوري ، وسفيان بن عيينة ، وعبد الله بن المبارك ، وأبو عمرو الأوزاعي ، وعبد الرحمن بن أبي ليلي ، والليث بن سعد ، وداود بن علي ، وأبو ثور ، وابن جرير الطبري وغيرهم.
وقد كان مذهب أبي حنيفة في المشرق ، ومذهب مالك في المغرب أوسع المذاهب انتشاراً ، لأنه أتيحت لكل من المذهبين دولة تتبناه وتنشره ،
فالدولة العباسية تبنت مذهب أبي حنيفة ، ومكنت له ، فقد ولي الخليفة الرشيد أبا يوسف رئاسة القضاء ، وقد كان بدوره يولي القضاء لأتباع مذهب إمامه

وعمل الأمويون في الأندلس علي نشر المذهب المالكي،
والأيوبيون علي نشر المذهب الشافعي، والسعوديون علي نشر المذهب الحنبلي.

5- دعوي بعض العلماء أن كل مجتهد مصيب
وقد عقد ابن عبد البر في كتابه جامع بيان العلم بابا عنوانه " باب ذكر الدليل في أقاويل السلف علي أن الاختلاف فيه خطأ وصواب يلزم طلب الحجة عنده "وذكر فيه رد الصحابة بعضهم علي بعض عند اختلافهم
وذكر قول مالك " ما الحق إلا واحد ،قولان مختلفن لا يكونان صواباً جميعاً، ما الحق والصواب إلا واحد "
ثم قال أبو عمر رحمه الله " الاختلاف ليس بحجة عند أحد علمته من فقهاء الأمة إلا من لا بصر له ، ولا معرفة عنده ، ولا حجة في قوله "
قد يريد بعض العلماء بقوله كل مجتهد مصيب ، أي مرفوع عنه الاثم ، قال ابن تيمية " فإذا أريد بالخطأ الإثم ، فليس المجتهد بمخطئ ، بل كل مجتهد مصيب مطيع لله ، فاعل ما ؟أمره الله به"

المجتهدون معذورون مأجورون وإن أخطأؤوا:

وسواء أكان اجتهادهم في الأصول أو الفروع ، والذين قالوا بإثم المجتهدين في الأصول إذا أخطؤوا دون الفروع هم المعتزلة كما يقول ابن تيمية

0 التعليقات: