03‏/01‏/2018

المحارب 6

المحارب 6



رقصة الحياة :
عندما يولد الإنسان يأتي مزوداً بحاجتين مختلفتين ، لا بل متضادتين فيما بينهما
أحدهما : التبعية . والأخري: تحقيق الذات .
فالطفل قبل ولادته يكون تابعا بأكلمه لبطن أمه فهي تتنفس وتأكل من اجله وما عليه هو إلا أن ينمو . إن أول سلوك هام وذي معني يقوم به الطفل بعد ولادته هو التنفس . وابتداء من هذه اللحظة يأخذ الطفل طريقة في الاستقلالية وتحقيق الذات رويداً رويداً.
نعم من هذا التوازن بين التبعية وتحقيق الذات تتشكل ما تسمي رقصة الحياة لكل فرد .
العامل الأهم في هذا الموضوع هي الثقافة التي تحد نهج الأسرة التي ينشأ فيها الطفل ، وبعبارة هوسرل:"نية تلك الثقافة"
فعلي سبيل المثال ، تطلب الأم من ولدها البالغ من العمر أربع سنوات ، حين خروجه إلي الشارع ليلعب مع أصدقائه قائلة ارتد معطفك الصوفي
لماذا تقول الأم لولدها " ارتد معطفك الصوفي ؟"


فلنفترض أن هذه الأم لم تجد حاجة لأن يرتدي ولدها معطفه وتركته ينزل إلي الشارع دون إرتدائه ، فإنها ستخجل مما سيقوله جيرانها وأمها وحماتها : أي نوع من الأمهات أنت حتي تتركي ولدك ينزل إلي الشارع دون ارتداء معطفه الصوفي؟!
ولذلك فإن الأم بشكل شعوري أو لا شعوري ، برغبة كاملة منها أو خشية ما سيقوله الآخرون ، تطلب من ولدها ارتداء معطفه .
إن هذا الطلب يتناسب مع نية تلك الثقافة في وجوب أن يكون أبناء هذه الثقافة مرتبطين ببعضهم البعض
يتلقي الطفل المعلومات القادمة من جسده ويقول لأمه " أمي أنا لا أشعر بالبرد"
من خلال مضمون الرد الذي يقول فيه الطفل لأمه :"أنا لا أشعر بالبرد يا أمي"
يمكن الحديث عن عملية تفاعل حساسة من ناحية تطور مفهومي التبعية وتحقيق الذات . ويمكن أن ترد الأم علي ولدها بأحد الخيارات التالية :
"أهذا ماتراه ياولدي؟ إذا لا داعي لارتداء معطفك"
بهذا الموقف تكون الأم قد عبرت لولدها عن مايلي:
"أنت إنسان طبيعي ولديك القدرة علي تحديد ما إذا كنت تشعر بالبرد أم لا ..
بإمكانك اتخاذ القرار الذي تراه مناسبا حول وضع يخصك ، وانا من جهتي احترم قراراتك ، فأنت تمتلك القدرة علي اتخاذ القرارات المتعلقة بجسدك...
نستطيع أنا وانت أن نجري نقاشا حول مشاكلك  فكما لدي الحق في التعبير عن رأيي ، كذلك لديك الحق في وضع حلول للمشاكل التي تخصك.
يمكن للأم أيضا أن تقول لولدها ، الذي لايريد ارتداء معطفه ما يلي:
"يوجد برد في الخارج ستصاب بالمرض ولن أسمح لك بالخروج ما لم ترتد معطفك الصوفي
"
بهذا الموقف تعبر الأم لولدها عن مايلي:
" أنت لست طبيعيا ولا تمتلك القدرة علي معرفة ما إذا كنت تشعر بالبرد أم لا. ولذلك يجب أن تولي أهمية لما يقوله الآخرون أكثر من الأهمية التي توليها لما تقوله أنت .."
"أنت لا تستطيع اتخاذ القرار المتعلق بوضعك ، إذ أنك لا تملك القدرة علي اتخاذ القرارات في المواضيع التي تخص جسدك.."
"إذا وقعت مشكلة بيني وبينك فأنا من سيحلها ، وأنا من سيقول لك ما الذي يجب أن تفعله ، فلا يمكن حل المشاكل من خلال مناقشتها فيما بيننا ، أنا أملك حق التعبير عن رأيي ولكن أنت لا تملك هذا الحق.."

ويمكن أن تقول الأم لولدها الذي لايريد ارتداء معطفه الصوفي ما يلي:
" حسنا يا ولدي يمكنك الخروج واللعب دون ارتداء معطفك ، ولكنني سأعلق معطفك علي الكرسي الموجود خلف الباب ، فإن شعرت بالبرد تعال وارتده، بهذا الموقف تكون الأم قد عبرت لولدها عن ما يلي:
" إنك إنسان طبيعي وتمتلك القدرة علي تحديد ما إذا كنت تشعر بالبرد أم لا ، ولكن الحياة تقتضي إجراء بعض التغييرات ولذلك من الطبيعي جدا أن تغير قرارك إن اقتضت الظروف ذلك ..
"يمكنك أن تتخذ قرارا حول وضعك وكذلك يمكنك تغيير هذا القرار إن شئت ، إنني احترم قراراتك كما احترم رغبتك بتغيير هذه القرارات ، فأنت تمتلك القدرة علي اتخاذ القرارات التي تخص جسدك ، كذلك تمتلك القدرة علي تغيير هذه القرارات..
يمكننا انا وانت حل المشاكل من خلال مناقشتها فيما بيننا ، فكما أملك الحق في التعبير عن رأيي كذلك أنت تمتلك الحق ذاته فيما يخص حل مشاكلك".
 


0 التعليقات: