08‏/09‏/2014

غياث الأمم في التياث الظلم 26

غياث الأمم في التياث الظلم 26

]المرتبة الثانية: في خلوِّ الزَّمانِ عن المفتين ونقلة المذاهب[
قال رسول الله صل الله عليه وسلم  لمعاذ بن جبل رضي الله عنه: (بم تحكم يا معاذ؟ فقال: بكتاب الله. قال: فإن لم تجد؟ قال:فبسنة رسول الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي)
فقرره رسول الله عليه السلام وصوَّبه، ولم يقل: فإن قصر عنك اجتهادُك، فماذا تصنع؟. فكان ذلك نصاًّ على أن الوقائع يشملها القواعدُ التي ذكرها معاذ.  
 
645للشرع مبني بديع، وأسٌّ هو منشأُ كلِّ تفصيل وتفريع، وهو معتمد المفتي في الهداية الكلية والدراية، وهو المشيرُ إلى استرسال أحكام الله على الوقائع مع نفي النهاية، وذلك أن قواعد الشريعة متقابلة بين النفي والإثبات، والأمر والنهي، والإطلاقِ والحجر، والإباحة والحظر، ولا يتقابل قَط أصلان[1] إلا ويتطرق الضبط إلى أحدهما، وتنتفي النهايةُ عن مقابله ومناقضه.  
 
646 ـ ونحن نوضح ذلك بضرب أمثال، ثم نستصحب استعمالَ هذه القاعدة الشريفة في تفاصيل الأغراض من هذه الرتبة، والله المستعان في كل حين وأوان، فنقول:

647 ـ قد حكم الشارع بتنجيس أعيان، ومعنى النجاسة التعبّد باجتناب ما نجَّسه الشرع في بعض العبادات على تفاصيلَ يعرفها حملةُ الشريعة في الحالات، ثم ما يحكمُ الشرعُ بنجاسته ينحصر نصاًّ واستنباطاً، ومالا يحكم الشرع بنجاسته لا نهايةَ له في ضبطنا، فسبيلُ المجتهد أن يطلب ما يُسأل عن نجاسته وطهارته من القسم المنحصر، فإن لم يجده منصوصاً فيه، ولا ملتحقا به بالمسلك المضبوط المعروف عند أهله ألحقه بمقابل القسم ومناقضه، وماحكم بطهارته.
648ـ فاستبان أنه لا يُتَصَوَّرُ والحالةُ هذه خلوُّ واقعةٍ في النجاسة والطهارة عن حكم الله تعالى فيها .
ثم هذا مسلك يطَّرد في جميع قواعد الشريعة، ومنه ينسبط حكمُ الله تعالى على ما لا نهاية له.

649_ وهذا سرٌّ في قضايا التكاليف لا يوازيه مطلوبٌ من هذا الفنٍّ علوًّا وشرفاً، وسيزداد المطَّلِع عليه كلَّما نهج في النظر منهاجاً، ثم يزداد اهتزازاً وابتهاجاً. فإذا تقرر هذا نقول:

652 ـ وإذا فصلتُ ما أبتغيه فصلا فصلا، وذكرتُ ما أحاوله أصلا أصلا، تبيَّن الغرضُ من التفصيل، وعلى فضل الله وتيسيره العويل. فلتقع البداية    بكتاب الطهارة.
]كتاب الطهارة[        
فنقول في حكم المياه:     
653 ـ قد امتن الله على عباده بإنزال الماء الطهور، فقال عزَّ من قائل:     ]وأنزلنا من السماء ماء طهورا[.
والطهورُ في لسان الشرع هو الطاهر في نفسه المطهِّرُ لغيره. وتطرأ على الماء الطهورِ ثلاثةُ أشياء:
أحدها: النجاسة.
والثاني: الأشياء الطاهرة.
والثالث: الاستعمال.    
654 ـ فأما النجاسةُ إذا وقعت في الماء، فمذهب مالك رضي الله عنه أن الماء طهورٌ ما لم يتغير، واستمسك في إثبات مذهبه بما رُوي عن النبي صل الله عليه وسلم أنه قال: (خُلق الماءُ طهوراً لا ينجسه شيء إلا ما غير طعمَه أو ريحَه)
655 ـ ومذهب الشافعي رضي الله عنه أن الماءَ إذا بلغ قلتين لم ينجُس ما لم يتغير، وهو قريبٌ من خمسِ قِرب، فإن لم يبلغ هذا المبلغ، فوقعت فيه نجاسة، تنجَّس، تغيَّر أو لم يتغيَّر.      

657 ـ فإن فُرض عصرٌ خالٍ عن موثوق في نقل مذاهب الأئمة، والتبس على الناس هذه التفاصيل التي رمزتُ إليها، وقد تحققوا أن النجاسة على     الجملة مجتنبة، ولم يخفَ على ذوي العقول أن النجاساتِ لا تؤثِّرُ في المياه العظيمة، كالبحار والأودية الغزيرة كدجلةَ والفرات وغيرهما، ولا بد من استعمال المياه في الطهارات والأطعمة وبه قوامُ ذوي الأرواح.

658 ـ والذي يقتضيه هذه الحالة أن من استيقن نجاسةً اجتنبها، ومن استيقن خلو ماءٍ عن النجاسة، لم يسترب في جواز استعماله، وإن شك فلم يَدْرِ، أخذَ بالطهارة، فإن تكليف ماءٍ مستيقَن الطهارة، بحيث لا يتطرق إليه إمكانُ النجاسةِ عَسِرُ الكونِ، مُعْوِزُ الوجودِ، وفي جهاتِ الإمكان متسعٌ، ولو كلف الخلقُ طلبَ يقين الطهارة في الماءِ، لضاقت معايشُهم، وانقطعوا عن مضطرَبهم ومكاسبهم، ثم لم يصلوا آخراً إلى ما يبغون. 
   
659 ـ فهذه قواعدُ كليةٌ تخامرُ العقولَ من أصول الشريعة لا تكاد تخفى، وإن درست تفاصيلُ المذاهب.    

660 ـ وإن استيقن المرءُ وقوعَ نجاسةٍ في ماء يقدّره كثيراً، وقد تناسى الناسُ القلتين، ومذهبَ الصائرِ إلى اعتبارهما، فالذي تقتضيه هذه الحالة أن المغترفَ من الماء إن استيقن أن النجاسة قد انتشرت إلى هذا المغترَف، وفي استعماله استعمالُ شيء من النجاسة فلا يستعمله.

وإن تحقق أن النجاسةَ لم تنته إلى هذا المغترَف استعمله، وإن شك أخذ بالطهارة؛ فإن مما تقرر في قاعدة الشريعة استصحابُ الحكم بيقين طهارة الأشياء، إلى أن يطرأ عليها يقين النجاسة.     

661 ـ وهذا الذي ذكرته قريبٌ من مذهب أبي حنيفة الآن.
662 ـ ولو تردد الإنسان في نجاسة شيءٍ وطهارته، ولم يجد من يخبره بنجاسته أو طهارته، مفتياً أو ناقلاً، فمقتضى هذه الحالةِ الأخذُ بالطهارة، فإنه قد تقرر في قاعدة الشريعة أن من شك في طهارة ثوبٍ أونجاسته، فله الأخذ بطهارته.

663 ـ فإذا عسر دركُ الطهارةِ من المذاهب، وخلا الزمانُ عن مستقلٍّ بمذهب علماء الشريعة، فالوجه ردُّ الأمرِ إلى ما ظهر في قاعدة الشرع أنه الأغلب.
    
664 ـ وقد قدمنا: أن الأصلَ طهارةُ الأشياءِ، وأن المحكومَ بنجاسته معدودٌ محدود. ولو وجدنا في توافر العلماءِ عيناً وجوَّزنا أنها دمٌ، ولم يبعد أن يكون صبيغاً مضاهياً للدم في لونه وقوَامه، واستوى الجائزان فيه عندنا؛ فيجوز الأخذُ بطهارته بناءً على القاعدة التي ذكرنها.

676 ـ ونحن نقول وراءَ ذلك: لا يخفي على أهل الزمان الذي لم تدرُس فيه     قواعدُ الشريعة، وإنما التبست تفاصيلُها أناَّ غيرُ مكلَّفين بالتوقِّي مما لا يتأتَّى التوقِّي عنه، ولا يخلو مثلُ هذا الزمان عن العلم بأن ما يتعذر التصون عنه جداً، وإن كان متصوَّراً على العُسر والمشقة معفوٌّ عنه، ولكن قد يخفى المعفوُّ عنه قدراً وجنساً، ولا يكون في الزمان من يستقلُّ بتحصيله وتفصيله.    

677 ـ فالوجه عندي فيه أن يقال: إن كان التشاغُل به مما يُضَيِّقُ متنفّسَ الرجل ومضطربَه في تصرفاته وعباداته وأفعاله، التي يُجريها في عاداته، ويجهدُه ويكُدّه مع اعتدال حاله، فليعلم أنه في وضع الشرع غيرُ مؤاخذٍ به؛

678 ـ وإن لم يكن التصوُّن عنها مما يجرُّ مشقَّةً بيِّنةً مُذْهِلَةً عن مهماتِ الأشغال، فيجبُ إزالتُها.
679 ـ هذا مما يقضي به كليُّ الشريعة عند فرض دروس المذاهب في التفاصيل.


682 ـ فأما طرئانُ الأشياء الطاهرة على الماءِ، فلا يتصور أن يخفى مع ظهور قواعد الشرع في الزمان أن ما يردُ على الماء من الطاهرات، ولا يغير صفةً من صفاته، فلا أثر له في سلب طهارة الماءِ وتطهيره.
وإن غيره مجاوراً أو مخالطاً، فهذا موضع اختلاف العلماء، ولا حاجة بنا إلى ذكره.
ولكن أذكر ما يليق بالقاعدة الكلية؛ فأقول:     
683 ـ تخصيص الطهارات بالماء من بين سائر المائعات مما لا يعقل معناه، وإنما هو تعبُّدٌ محضٌ، وكل ما كان تبعداً غيرَ مستدرَكِ المعنى، فالوجه فيه اتباعُ اللفظ الوارِد شرعاً، فلنتبع اسمَ الماءِ؛ فكلُّ تغيُّر لا يسلبُ هذا الاسمَ لا يُسقطُ التطهيرَ.
وهذا الذي ذكرتُه كلياً في تقدير دروس تفاصيل المذاهب، هو المعتمد في توجيه المذهب المرتضى من بين المسالك المختلفة؟    
684 ـ وأما طرئان الاستعمال، فالمذاهب مختلفةٌ في الماء المستعمل.
والذي يوجبه الأصلُ لو نُسيت هذه المذاهب تنزيله على اسمِ الماء وإطلاقِه، وليس يمتنع تسميةُ المستعمل ماءً مطلقاً. فيسوغ على حكم الأصل من غير تفصيلٍ التوضؤُ به، تمسكاً بالطهارة والاندراج تحت اسم الماء المطلق.

فهذا ما يتعلق بأحكام المياه على مقصدنا في هذا الركن. والله أعلم.

0 التعليقات: