13‏/04‏/2010

أصول النظام الاجتماعي في الإسلام 6

3- إصلاح العمل
أعمال العاملين تجري علي حسب معتقداتهم وأفكارهم ، فجدير بمن صلحت عقائده وأفكاره أن تصدر عنه الأعمال الصالحة

الأعمال البشرية قسمان : نفسية وبدنية
إصلاح الضمائر يظهر في النهي عن الكبر ، والعجب ، والغضب ، والحقد والحسد ، وفي الأمر بالإخلاص وحسن النية والإحسان والصبر ، والمنهي عنه من هذه الأدواء القلبية كله حائل عن الكمال موجب لدوام النقص أو زيادته ،


أما الحقد فهو صارف للهمة إلي الانتقام وذلك صارف عن الكمال والاشتغال بما يفيد ، والغضب يتلف الفكرة ويسلب المواهب ، والحسد إنما ينشأ من اعتقاد العجز عن اللحاق بصاحب النعمة فيتمني زوال النعمة عن صاحبها وذلك بخس لصاحب النعمة والشأن وفيه تقصير عن اكتساب مثلها إن كانت فيه مقدرة أو عدم الرضا بما قسم له من ربه إن لم تكن له مقدرة علي اللحاق بالمنعم عليهم


والمأمور به من هذه الفضائل القلبية كله سبب اكتساب الكمال والمجاهدة للنوال ، فالإخلاص في العمل هو أن يريد المسلم بكل قول وعمل من البر وجه الله وبذلك يندفع إليه اندفاع العامللنفسه لا لإرضاء الناس ، فإن عمل لإرضاء الناس يسمي رياء وهو مشتق من الرؤية أي ليراه الناس وهو لا يرجي منه خير ، لأنه إذا خلا إلي نفسه ارتكب الموبقات وفتق ما رتقه من أعماله التي دفعه إليها الرياء


وحسن النية ينبعث من محبة الخير العام وإتقان العمل الصالح ، والإحسان أن يتذكر أن الله يراه في سائر أعماله ، فيعبده بامتثال أوامر شرعه واجتناب نواهيه ، كأنه يراه ماثلا هو بين يديه


والصبر ملاك ذلك كله والتدريب عليه هو وسيلة النجاح ، لأن جلائل الأعمال كلها يعترضها ضعف المقدرة وتثبيط الكسل وإنكار الجهال ولوم اللوام فلا تقل حدة ذلك كله إلا بالصبر ، ثم إن للصبر فائدة أخري عظيمة وهي تربية قوة الإرادة في النفس ، وتسمي هذه القوي بالهمة وبالعزيمة وهي خلق تنشأ عليه النفس ، من شأنه أن يدفعها إلي السعي في تحصيل ما تتطلبه بدون كلل فلا يزال هذا الخلق ينمي حتي تصير الأخطار لديه محتقرة ، وصاحب هذا الخلق مظهر للأعمال العظيمة في كل غرض يعمد إليه من علم أو تأليف أو تدبير دولة أو قيادة جيش أو غير ذلك


وغرضنا هنا هو الإشارة إلي فهم فضائل الأخلاق وأثرها في صلاح العمل


أما التوكل فهو الاعتماد علي الله في تحصيل المرغوب من الدنيا أو الآخرة وذلك بتيسير الأسباب للنجاح ودفع العوائق المفضية إلي الخيبة وله أثر عظيم في نجاح الأعمال ، إذ هو في معني الاستعانة بالله بعقد القلب علي رجاء الإعانة أو بسؤاله مع ذلك بالدعاء باللسان ، وقد أمر الله به في كتابه وأثني علي المتوكلين


وهذه الخصلة الجليلة هي مثار الثقة بالنجاح في ابتداء الأعمال وهي سر نجاح الأعمال والإقدام علي جلائلها في ابتداء العزم عليها ولاسيما في الأحوال النادرة التي يضطر إليها في المضايق العامة أو الخاصة بحيث لا مندوحة عن الإلقاء بالنفس فيها


قال تعالي : " قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين" البقرة:249


وقد انتفع المسلمون بإدراك كنهها عصراً طويلاً ، ثم اعتراها التحريف وعادت إلي عقائد الجاهلية فتوهموا التوكل الاستسلام والفشل والقعود عن العمل وهذه عقيدة جاهلية جاء في صحيح البخاري وكتب التفسير أن أهل اليمن كانوا يحجون بلا زاد ويقولون كيف نحج بيت الله ولا يطعمنا ؟ ويوقلون : نحن المتوكلون علي الله ثم يكونون كلا علي الناس بالإلحاف في السؤال فنزل فيهم قوله تعالي : " وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلي التهلكة " البقرية : 195
جاء رجل إلي أحمد بن حنبل فقال له : أريد أن أخرج إلي مكة علي التوكل بغير زاد ، فقال له أحمد : اخرج في غير القافلة ، فقال : لا ، إلا معها فقال أحمد : فعلي جرب (أوعية جلديه يوضع فيها الطعام ) الناس توكلت

والرضي بالقضاء والقدر أدب إسلامي موقعه عند الحوال التي يغلب المسلم فيها علي سعيه فيخيب فيه أو عند الحوادث الخارجة عن مقدرة الإنسان ، فمن الأدب الديني أن يرضي بذلك ولا يجزع وهو ضرب من الصبر معلل باعتقاد أن قدرة الله أكبر من كل مقدرة فعدم تيسر المسبب مع السعي في الأسباب بدون تقصير يدل علي أن الله لم تتعلق إرادته بحصوله ، ونعم هذا للرجل المسلم في حياته بحيث يكون مطمئن البال عند المصائب متأدباً مع ربه فالرضي بالقضاء والقدر سلوة وعزاء للمؤمن وليس عذراً يتعذر به المقصر عند تقصيره أو المستسلم في فشله

الأعمال البدنية :


ملاك صلاحها الوقوف عند حدود الشريعة فيها واعتقاد أن ذلك سبب النجاحروي البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلي الله عليه وسلم : " إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين ، فقال : ( ياأيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً ) المؤمنون :51 "


فالأحكام الشرعية الخمسة : الوجوب والندب والإباحة والكراهة والحرمة ، إصلاح للعمل


وملاك أصل نظام صلاح الأعمال النظر إلي المصلحة والمفسدة المطردتين أو الغالبتين ، وفي معاملات الناس ملاكه قوله صلي الله عليه وسلم كما في الموطأ " لا ضرر ولا ضرار "


وثمة أشياء تعين علي صلاح العمل وتيسره وهي : النظام ، والتوقيت ، والدوام ، وترك الكلفة والمبادرة ، والإتقان


فالنظام عون علي إكمال الأعمال ويسرها ، وشاهد في الشريعة ترتيب أركان العبادات وواجباتها كترتيب أعضاء الوضوء وأجزاء الصلاة
وأما الدوام ففي الحديث : " إن الله يحب من الأعمال ما كان ديمة وإن قل " وقد حذر الإسلام من سوء الخاتمة التي هي في معني إبطال الدوام علي العمل الصالح
وأما ترك الكلفة فقد قال الله تعالي : " قل ما أسئلكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين " وفي الحديث : " عليكم من الأعمال ما تطيقون ، فإن الله لا يمل حتي تملوا " وقد ظهر أن ترك الكلفة له انتساب بالدوام ،
وأما المبادرة بالعمل فلخشية طريان الموانع وقد قسمت الواجبات إلي واجبات مضيقة وواجبات موسعة ولهذه المبادرة انتساب بتوقيت بعض العبادات ، ثم إن المبادرة تؤذن بالحزم
وأما الإتقان فإنه يتفرع عن حسن النية ومعني الاتقان أنه صرف العامل جميع جهوده ومعرفته في عمله ليكون محصلاً لأحسن ما يقصد منه أو ينشأ عنه
قال الله تعالي : " صنع الله الذي أتقن كل شئ " النمل :88 وقد أمرنا بالحكمة وفُسرت بأنها التشبه بالخالق تعالي بقدر الإمكان البشري


ومما تجب العناية به في تحقيق صلاح الأعمال المحافظة علي تحقيق حصول المقاصد الشرعية منها ، فإن جميع التشريعات مشتملة علي تحصيل مصالح أو دفع مفاسد

0 التعليقات: