12‏/05‏/2016

روح السياسة 8

روح السياسة 8


   وشأن العقل فى جميع الانقلابات التى حدثت ببطء ضعيف إلى الغاية ، وقد اطلع على ذلك قادة التاريخ الحقيقيون ، فلم يسعوا فى التأثير فى عقول البشر ، بل فى نفوذ مشاعرهم وكسب قلوبهم .

    والتجربة وحدها التى تؤثر فى أصحاب النفوس المتهوسة ، قوانين جوائز البحرية التجارية – تكلف هذه القوانين بيت المال واحد وأربعين مليون فرنك كل سنة ، غير أنها تعجل انحطاط بحريتنا وتروج الشركات الألمانية .

    " تعلمون أن الحكومة الفرنسية تدفع جوائز إلى أصحاب البواخر حسب المسافة التى تقطعها ، وإن كانت غير مشحونة ، ومعنى ذلك أنها تطوف حول الأرض على حساب الميزانية الفرنسية .   
  إن بواخر فرنسية ترفض الشحن طمعا فى اكتساب الوقت ، لأنها ترى أن الغدو والرواح فارغة أفيد لها من أن تكون مشحونة .          

ومما ألمح إليه المسيو ( بلاته ) أن بعض الألمان طلبوا جوائز للمساواة بينهم وبين من ينالون جوائز فى فرنسا ، فرفض مديرو الشركات الكبيرة ذلك " لأنهم يعدون الجوائز قضاء على ملكة الاستنباط والنشاط فى ألمانيا وإنذارا بزوال حريتها .

   قانون نزع أملاك المحافل الدينية – مع أن الحكومة كانت تطمع فى دخل مليار فرنك من نزع تلك الأملاك لم تنل غير عشرة ملايين ، ثم أن القانون المذكور ألجأ الكومة إلى إنشاء عدد كبير من المدارس والمؤسسات الصحية ، فصارت تنفق كل سنة مئات من الفرنكات بدلا من المليار فرنك الذى كانت ترجو قبضه .  

 وقد أدى هذا القانون المنافى للأدب والذوق إلى نتائج اجتماعية مضرة كإيراثه سخط ألوف من أبناء الوطن ، وتقويته للمبدأ الاشتراكى القائل إن الحكومة تستطيع بوضعها قانونا أن تستولى على أملاك الأفراد ومصانعهم ، وأوجب نزع أملاك إحدى طبقات الشعب غيظا فى الأمم الأجنبية وتشويها لسمعتها .

   قوانين جوائز صنع السكر – ألغيت هذه القوانين بعد أن كلفت بيت المال عدة ملايين من الفرنكات ومن نتائجها زيادة انتاج السكر فى بلادنا زيادة غير طبيعية ، وبيع صانعيه له فى فرنسا بثمن أعلى خمس مرات مما كانوا يبعيونه فى انجلترا ، وجمعهم ثروة وافرة من المستهلكين .

   قانون حرية فتح القهوات والحانات وبيع المسكرات – لم يكلف هذا القانون الدولة شيئا فى الظاهر ولكنه أخر الوطن بتأديته إلى زيادة تعاطى المسكرات ، وتفشى الامراض ونهك القوى .  

   قال المسيو ( دولومبر ) حديثا : " فى كل مرة تحتكر بلدية باريس مشروعا بنقص دخل ذلك المشروع ، وتزيد رواتب مستخدميه ونفقاته الثانوية .

   قوانين معالجة أزمة الكروم فى جنوب فرنسا – تثبت هذه القوانين أن المشترع لا يقدر على مكافحة مقتضيات الطبيعة ، وإليك البيان : زاد سكان جنوب إنتاح الخمر بعد أن أفرطوا فى غرس الدوالى ، وماذا عليهم أن يفعلوا إزاء هذه الحال ؟ يجب أن يقتدوا بزارع  الفوة الذين عدلوا بعد اكتشاف حمرة الفوة عن زرع الفوة غارسين فى مكانها أشجارا أخرى ، ومن حسن الحظ أن الناس أيام اكتشاف تلك الحمرة كانوا قليلى الاتكال على الحكومة ، فلم يلجأوا إلها لتقضى على صنع حمرة الفوة الرخيصة فى سبيل عروق الفوة الغالية ، والآن لما تحول الناس باتشار المذهب الحكومى بينهم طالب سكان الجنوب الحكومة بابتياع ما لم يشتره الجمهور من الخمر أى منحهم جوائز تعويض فأجابتهم الحكومة إلى رغباتهم ، وسيظل تاريخ أزمة الجنوب مثالا خالدا على أفكار أمة أينع المذهب الحكومى فيها ، وبهذه المناسبة أذكر أن أزمة كتلك لا تقع فى انجلترا وأمريكا ، حث تعود الأفراد الاعتماد على نشاطهم الشخصى لا الحكومة .


   الاوهام أكثر حوادث الماضى العظيمة ، و يدلنا درس التاريخ درسا دقيقا عل أنه عبارة عن مساعى الأمم والشعوب فى خلق أوهام وتبديد أخرى .    

 وأن السياسة فى الماضى والحال لم تكن سوى تنازع الأوهام ، ولكن الأوهام غير متساوية فى قدرتها ، فهى متسلسلة المراتب تسلسلا يدفعنا إلى تصنيفها .

   نشأت تلك الأوهام الصغيرة الباطلة عن وهم أبدى ثابت أى الخوف ، يعرف اقطاب السياسة تأثير الخوف وما يحدثه فى النفوس من الأوهام ، فيقدرون بدهائهم على الانتفاع به وأما قصار النظر من الساسة فإنهم يكابدونه .

0 التعليقات: