23‏/12‏/2015

وثيقة المدينة 5

وثيقة المدينة 5
المبحث الثالث: نظام الدولة
المبدأ «الأيديولوجي» للدولة
ورد في ديباجة الكتاب: «بسم الله الرحمن الرحيم: هـذا كتاب من محمد النبي (رسول الله) بين المؤمنين والمسلمين من قريش و(أهل) يثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم، إنهم أمة واحدة من دون الناس»، وفي هـذا إعلان صريح -حسب اللغة المعاصرة- للأساس (الأيديولوجي) العالمي للدولة الجديدة... إنها دولة الفكرة والعقيدة «من دون الناس»، باب الولوج إليها هـو الإيمان، ويستوي في الانتماء إليها أهل (مكة)، قبيلة (قريش)، وأهل (يثرب) وغيرها ممن تابع وجاهد .
هـيكلة التنظيم السياسي للمجتمع
ضمت الدولة طوائف المدينة كلها، ولكنها لم تكن تتألف من أفراد، وإنما كانت تتكون من جماعات، فالفرد لا ينتمي إلى الأمة إلا عن طريق العشيرة والقبيلة، فقد جاءت بنود «الصحيفة» من رقم (3 إلى 11) المتعلقة بالمؤمنين مبقية التشكيل القبلي كما هـو وأن يدخل أفراد الأمة على التشكيل نفسه، وكذلك البنود من رقم (25 إلى 35) المتعلقة باليهود ، فقد تعاملت معهم أيضا عن طريق القبائل والعشائر لا عن طريق الأفراد، وبذلك أبقت الدولة التشكيل الاجتمـاعي كما هـو، لأن نظـام القبيلة والعشيرة لم يكن شرا كله، فما كان مفيدا أبقت عليه الدولة كإغاثة الملهوف مثلا، وكل ما كان يتعارض مع الانتماء الاجتماعي الجديد استغنت عنه ونبذته، كالعصبية والثأر مثلا، كما تركت رؤساء القبائل والعشائر كما هـم ولم يحل محلهم موظفون دينيون 
إن انصهار الكيانات القبلية والعشائرية في كنف الدولة المركزية القائمة على الفكرة والعقيدة بدلا من رابطة الدم لا يعني أن دور القبيلة قد انتهى، إذ بقي لها دور اجتماعي وسياسي إسلامي فاعل في تطبيق سياسة الدولة الجديدة في المدينة، حيث أبقت عليها واجبات النفقات التي ليست ذات صبغة خاصة محضة، وخصوصا فيما يتعلق بدفع الديات ، وفداء الأسرى، وهذا ما نصت عليه «الوثيقة» ابتداءً من البند رقم (3) إلى البند رقم (11)،
 ذلك أنه لم تكن قد وُجدت بعد خزينة للدولة. وكذلك أبقت للعشيرة والقبيلة مسألة الولاء 
سلطة القانون وسيادة الدولة
استطاعت الدولة الجديدة أن تجعل من المدينة، التي تضم عددا كبيرا من الأحياء العربية واليهودية المختلفة المتنافرة، التي حكمتها الفوضى وأنهكتها العصبية القبلية، مدينة موحدة، وحَّدت السكان جميعا على اختلاف دياناتهم وخصائصهم وأعرافهم حول إعلان دستوري مركزي هـو «الأول من نوعه في تاريخ الإنسانية» 
 يخضع له الجميع، تسهر على تنفيذه حكومة مركزية تملك السلطة العليا في المدينة، للحاكم فيها حقوقه ومسئولياته، وللمواطنين حقوقهم ومسئولياتهم، وللقانون كلمته وسيادته ، وهذا ما جعل كل أحياء المدينة التي كانت تعيش في فرقة كالجسد الواحد، حيث ينص البند رقم (40) على «أن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم».
وبالنسبة للقيادة والرئاسة، فقد تم تحديد هـذا العنصر خطيا في (دستور المدينة)

بأن الرسول هـو الحاكم الأعلى لهذه الدولة، له فيها سلطان الحكومة كاملا، فهو صاحب الولاية العامة، وصاحب القرار الأول والأخير في الإذن أو المنع بالدخول إلى المدينة والخروج منها، وله القضاء، وإليه التنفيذ في حل أي نزاع ينشأ بين مواطني (الدولة)

0 التعليقات: