17‏/08‏/2016

روح السياسة 25

روح السياسة 25

النزاع الاجتماعى

   شهرت نقابة العمال الاممية فى السويد الحرب على المجتمع بإعلانها أمر الإضراب العام معتمدة على قوتها الكبيرة وعلى إطاعة العمال إياها إطاعة عمياء , فشعر آنئذ كل فرد من أفراد المجتمع بأن الوطن فى خطر , وبأنه يجب الدفاع ضج مطالب البرابرة الجدد .

 أجل هذا كله اضطر أبناء الطبقة الوسطى إلى الدفاع فحلوا من تلقاء أنفسهم محل العمال فى المصانع والمعاهد غير طالبين إلى الحكومة شيئا .  

 وبعد ثلاثة أشهرمضت فى نزاع قضى على الاعتصام الهائل مع ما بلته النقابة من الجهود العظيمة لإذلال المجتمع ووضعه تحت نيرها .

   وقد أسدت ( السويد ) بذلك الدفاع المجيد أعظم خدمة إلى الحضارة , إذ علمت الطبقات القائدة كيف تدافع عن نفسها .

   عندما تشعرإحدى طبقات المجتمع بزيادة نفوذها تصبو فى الحال إلى استعباد الطبقات الأخرى .
   زيادة النفوذ التى هى مقدمة الابتلاع تقع عندما يزول التوازن بين عناصر المجتمع , وحياة الأمة كحياة الأفراد لا تدوم إلا بتوازن قواها المتقابلة , فإذا اختل التوازن وقع المرض , وإذا استمر الاختلال وقع الموت .

   إذا المبدأ القائل بالمحافظة على التوازن بين عناصر المجتمع وبعدم ترويج عنصر على حساب العناصر الأخرى مبدأ سياسى أساسى .

  إن أعمالنا الظاهرة فى الغالب نتيجة قوى خفية لا نعرفها عادة إلا بآثارها , وهى لا تملى علينا أعمالنا فقط بل تملى أيضا الأدلة الضرورية لايضاح هذه الأعمال .  

وإذا دققنا فى عوامل السيرالتى تقود أولى الأمر منذ ثلاثين سنة فإننا نراها ترد إلى ثلاثة وهى :
-         أولا : الخوف الشديد من الناخبين .

-          ثانيا : اضطهاد الأقليات لنيل الحظوة عند الناخبين .
-         ثالثا : تأثير المبادئ الاشتراكية .
 فلنبحث فى فعل هذه العوامل الثلاثة .
   يتوقف مصيرنا على ما ستفكر فيه الشبيبة وتقوله وتفعله , ولقد وصلت هذه الشبيبه إلى ميدان الحياة الاجتماعية فرأت أمامها معتقدات الماضى منحلة , ودعائم المجتمع متداعية , وهى لما تجد مثلا أعلى تدافع عنه وشاهدت سلسلة المراتب ونظم العائلة والملكية والوطن والجيش منثلمة اعتقدت أن كل مجهود عقيم , واعتقاد مثل هذا سيقضى على الأخلاق التى صبر بها الناس على الاضطهاد والعنف .   

        فسرعان ما يصبح التعصب للشر قويا عندما لا يقاومه التعصب للخير .
   ومع ها كله لم تزل شبيبة الطبقة الوسطى خيرة أبناء الأمة لقبضها على زمام العلم والصناعة والآداب والفنون , بيد أن الخيرة لا تبقى خيرة إذا فقدت ؟أخلاقها .

المقادير الحديثة وتبديد المقادير

   يستدل على مقادير الجيل بالبحث فى مبادئه الناظمة التى تسير عزائمه وتعين وجهته , وأين نجد هذه المبادئ ؟        
                                          
   لا نجدها فى الجماعات والجماعات ذات شهوات لا مبادئ , وهل يظفر بها فى أرباب القلم الذين يؤلفون الكتب ويلقون الخطب ؟ هؤلاء لا يعبرون فى الغالب عن غير المبادئ المسلم بها لاستهواء سامعى خطبهم وقارئى كتبهم .

   وعلى رغم صعوبة استنباط المبادئ السائدة لأحد الأدوار قد يلم بها إلماما تقريبيا عند الاطلاع على تعاليم الأساتذة المسموعى الكلمة .

   للمقادير ثلاثة أنواع : النوع الأول هو المقادير الطبيعية الثابتة كالهرم وحوادث الجو وسير الكواكب , فنحن وإن كنا لا نقدر على تبديلها نستطيع أن نعين سننها ونخبر عنها قبل وقوعها ونحافظ على أنفسنا إزاءها محافظة جزئية ,  

               والنوع الثانى وهو المقادير المتبدلة كالأوبئة والمجاعات التى كانت تودى بحياة ملايين من البشر , فهذه المقادير تتبدد كلما تقدم العلم فحلل عناصرها وهاجم كل واحد من تلك العناصر على انفراد .        

 والنوع الثالث هو المقادير المصنوعة , فالتاريخ حافل بهذه المقادير , وبنا أن العلة بعد أن تتكون تأتى بنتائجها بحكم الضرورة كان من الصعب مقاتلة المقادير المصنوعة , ويجب السيطرة عليها ومقاومتها بمقادير مصنوعة أخرى لا تقل عنا قوة , وهذا ما يفعله أعاظم الرجال .

   والأغلاظ النفسية – وكذلك العجز عن التنبؤ بالمستقبل – مصدر المقادير المهلكة الثقيلة الوطأة على كثير من الأجيال .

   الموسيو ( هانوتو ) أحد وزراء خارجيتنا الأفاضل صرح لى بأنه لا يرى شيئا أكثر ضرورة من علم النفس للرجل السياسى فى أثناء قيامه بأمور وظيفته .  

 لا يعلم علم النفس أولى الأمر كيف يحاربون الأقدار التى تقيد حياة الأمم فقط بل يعلمهم أيضا كيف يسيرون الحوادث .

   ومع ما فى الإنسان من عجز عن تذليل المقادير الناشئة عن احوال لا سلطان له عليها ينتفع بها الرجل المحنك كما ينتفع الربان بالريح على رغم اتجاهه .   

 على هذا الوجه استطاع الألمان الذين رأوا زيادة الإنتاج والمزاحمة الخطرة من الأمور التى لا مفر منها أن يوجدوا نقابات إنتاج ليحولوا بها دون وقوعهم فى الأزمات الاقتصادية , وأما نحن فلعدم إدراكنا ضرورة التجمع الصناعى ترانا نقاتل بقوانين جائزة نقابات الإنتاج التى يساعدها إمبراطور ألمانيا .

   ترى ما يوجبه رجال السياسة الغافلون الأغرار من بلايا ومقدار احتياج البلاد إلى أعاظم الرجال الذين يعرفون كيف يقرأون المستقبل من ثنايا الحال ويذللون المقادير .

   فسياسة لا تبالى بغير الحال هى سياسة منحطة موجبة لأسوأ العوارض , ولا يكون النجاح فى عالم السياسة إلا ببعد النظر والتطلع إلى المستقبل .

   الصفات الخلقية هى التى تقوم عليها سيادة الأمة هى ضبط النفس والرزانة وتحمل التبعات والميل إلى الإتحاد والحزم والشجاعة , فإذا ضعفت هذه الصفات عجزت الأمة عن سياسة نفسها وعن منع الأمم الأجنبية عن التدخل فى شئونها .

   قلما تسيغ النفوس المبادئ لمجرد بيان صحتها , وإنما تهيمن عليها بعد أن تدخل بفعل التكرار فى أعماقها حيث تنضج بواعث السير والحركة .

0 التعليقات: