17‏/08‏/2016

روح السياسة 23

روح السياسة 23

استفحال الجرائم
     أوجب انتشار الفوضى الاجتماعية زيادة الجرائم , ولا تخلو مطالعة ما دار حديثا فى البرلمان من المناقشات  حول الجرائم وعقوبة الإعدام من فائدة , فهى ترشدنا إلى السهولة التى يهذر بها أذكياء الخطباء عندما يتخذون السبل العاطفية دليلا لهم .    

  لقد أتوا بأدلة مختلفة لحماية القتلة من عقوبة الإعدام .

   الباعث على تلك المناقشات هو مسألة " التبعة " التى أثرت كثيرا فى سير العقوبات منذ خمسين سنة , واتضح أمرها الآن على وجه التقريب , فالتبعة لا تلحق المرء إلا إذا كان مريدا مختارا .

   الإنسان غيرمسئول عن أفعاله من الوجهة الفلسفية , ولكنه مسئول عنها اجتماعيا ,  احتاج الوقوف على الفرق بين التبعة الاجتماعية , وعدم التبعة الفلسفية إلى زمن غير قليل .


   يجب إنزال العقاب على المجانين وأشباههم إذا خرقوا حزمة القوانين الاجتماعية سواء مختارين كانوا أم غير مختارين , فإذا جاز ترك مبدأ التبعة الأدبية لا يجوز ترك مبدأ التبعية الاجتماعية , وإذا اقترف الجانى الجريمة , شاعرا كان أم غير شاعر فهو خطر ينبغى نفيه من المجتمع , فلولا التبعية الاجتماعية لما قامت حضارة ما .

   والحاجة إلى القتل للقتل نفسه تنمو ويشتد أمرها إذا لم يقض عليها بعنف , فهى ثمالة موروثة مستعدة للظهور فى كل حين
   ومع إن العقوبات فى انجلترا قصيرة المدة تطبق على المجرمين تطبيقا شديدا مؤثرا فى نفوسهم , فهم يكرهون على الشغل الشاق ويجلدون بسياط ذات تسعة أذناب .


   قللت هذه الطريقة عدد الجرائم فى انجلترا , وصارت لندن التى كانت تسكنها – كما بين الموسيو ( لاكاسان ) – عصابة من الأوباش لا تعرف هذه العصابة بعد أن جلد من قبض عليه من أفرادها وتشتتت .

   لقد سن نظام الجلد فى الدنمارك سنة 1905 عندما كثرت فيها الاعتداءات على الناس, وإنا لنرجو أن يدخل مشترعونا نظام العقوبات الجثمانية إلى فرنسا , بعد أن اثبتت التجارب تأثيره الحسن فى انجلترا , ودلت على أنه خير من اللبث فى السجن شهورا وسنوات . "


   وحينما تعيث عصابات الأشقياء فى الأرياف والحقول فسادا , ويتعذر على المرء أن يطوف فى باريس ليلا من دون أن يتقلد سلاحا , يفكر ولاة الأمور فى اتخاذ تدابير كافية للمدافعة عن أرواح الناس . 

ولكن عندما يقع ذلك فى وقت لا يكون فيه ما يكفى من قوانين العقوبات الشافية , ويكون كل امرئ مكرها على الدفاع عن نفسه يصول الشعب – كما صرح مقرر اللجنة القضائية فى مجلس النواب – صولة شديدة , فيشرع فى قتل الجناة من غير محاكمة .

   ومن العوامل فى زيادة الجرائم جبن قضاتنا الذين يخشون انتقام الجناة , ولا يشتدون إلا على النساء المذنبات ذنوبا طفيفة .

   ومن فوائد العقوبات الجثمانية أنها تذل من تطبق عليه أكثر من أن تؤلمه , فالوبش الذى يفتخر بالسجن حتى بالشنق لا يفتخربأنه جلد عشرين جلدة مثلا .

0 التعليقات: