22‏/07‏/2019

القانون الخمسون 31

القانون الخمسون 31

الاتجاه الجريء:


 لا يستطيع معظم الناس التعامل مع الملل . ھذا يعني أنه لا يمكنھم الاستمرار على شيء واحد إلى أن يتقنوه ، ثم يتساءلون لماذا ھم غير سعداء .
50 سنت
كانت الحياة بالنسبة لأغلب اسلافنا البدائيين عبارة عن صراع مستمر ، حيث تستلزم عملا لا نھاية له من أجل توفير المأكل والملبس . إذا كان ھناك أي وقت من الفراغ ، فإنه يخصص عموما للطقوس التعبدية التي تعطي معنى لھذه الحياة الشاقة.
وبمرور آلاف السنوات من الحضارة ، أصبحت الحياة بالتدريج أكثر سھولة للكثيرين ومعھا أتى المزيد فالمزيد من وقت الفراغ . ليست ھناك حاجة في مثل ھذه اللحظات إلى العمل في الحقول أو القلق بشأن الأعداء أو الموارد ، فھي مجرد فسحة من الساعات لملؤھا بطريقة أو بأخرى . وفجأة
ولدت عاطفة جديدة في ھذا العالم ، وھي الملل.
يكون العقل أثناء العمل أو التعبد مملوءا بمھمات متعددة لإنجازھا ، ولكن عند وجود الفرد بمفرده في المنزل ، فإن وقت الفراغ ھذا يسمح للذھن أن يتجول أينما شاء . وھو ينجذب ازاء ھذه الحرية إلى التفكير في الأمور المقلقة بشأن المستقبل والمشاكل المحتملة والأخطار . ھذا الوقت الفارغ
يعكس بصوت خافت الفراغ الأبدي للموت نفسه . لذلك فإن ھذه العاطفة الجديدة التي ھاجمت أسلافنا ، وصلت إلينا كرغبة تطاردنا إلى يومنا ھذا للھروب من الملل بأي ثمن من أجل إبعاد أنفسنا عن القلق. تشمل الوسائل الرئيسية للإلھاء بشكل عام جميع أنواع الترفيه  ، والمخدرات ، و الكحول والأنشطة الإجتماعية . إلا أن لتلك الملھيات أثر سريع الزوال كالمخدرات ، حيث نعشق الأشياء الجديدة والسريعة التي تخرجنا من أنفسنا وتبعدنا عن الوقائع القاسية للحياة وتسلل الملل . حضارة روما القديمة انھارت بأكملھا تحت ضغط ھذه الحاجة والعاطفة الجديدة ، إذ أصبح اقتصادھا مقيدا بابتكار الأنواع المستحدثة من الكماليات والترفيه التي استنزفت أرواح مواطنيھا ، ولم يتبق إلا القليل ممن لديه استعداد للتضحية بمتعتھم في سبيل العمل الجاد أو للمصلحة العامة.
ھذا ھو النمط الذي خلقه الملل للكائن الإنساني منذ ذلك الحين ،ننظر لما ھو خارج أنفسنا من أجل الملھيات ونغدو معتمدين عليھا . تتمتع ھذه الملھيات بسرعة ذات وتيرة أكبر من الوقت الذي نمضيه في العمل ، فبالتالي يختبر العمل كشيء ممل ، بطيء و متكرر . كما أن أي شيء آخر يشكل تحديا أو يتطلب جھدا ، ينظر إليه بذات الطريقة فھو ليس ممتعا ولا سريعا.
إذا مضينا في ھذا الاتجاه بعيدا بما فيه الكفاية ، سنجد أن اكتساب الصبر لتحمل العمل الجاد اللازم لإتقان أي نوع من الحرف ، يصبح صعبا على نحو متزايد . و يصعب كذلك إمضاء الوقت وحيدا ، وتنقسم الحياة بين ما ھو ضرور ي( وقت العمل) و ما ھو ممتع( الملھيات والتسلية ) .
في الماضي ، كانت الحالات الشديدة من الملل تصيب غالبا أولئك الذين في الطبقات العليا للمجتمع ، أما الآن فھو شيء يعاني منه معظمنا.
ومع ذلك ، فھناك علاقة أخرى مرتبطة بالملل و وقت الفراغ ، تتمثل في الشخص الجريء الراغب في تحقيق نتائج مختلفة جدا عن الإحباط والھروب  إذ يكون كالآتي : لديك ھدف كبير تتمنى إنجازه في حياتك ، شيء تشعر أنه مقدر لك القيام به.
إذا بلغت ھذا الھدف ، سيجلب لك مستوى من الإشباع أعمق بكثير من الرعشات الزائلة الناتجة عن الملھيات الخارجية.
لتفعل ھذا يجب أن تتعلم حرفة ما ، تعلم ذاتك وتطور المھارات الملاءمة ، حيث تتضمن جميع النشاطات الإنسانية تطورا طبيعيا من الاتقان . عليك أن تتعلم الخطوات المختلفة والإجراءات التي تحتويھا ، و تتقدم إلى المستويات الأعلى فالأعلى من الإحتراف . الأمر الذي يتطلب الانضباط ، المثابرة ، القدرة على تحمل الأنشطة المتكررة ، و البطء والقلق المتأتي من تحد كھذا.
حينما تبدأ بالمضي في ھذا المسار ، سيحدث شيئين : الأول: إن امتلاكك لھدف أكبر سيجعل عقلك خارج نطاق الوقت ويساعدك على تحمل العمل الجاد والكدح .
والثاني:أنه كلما أصبحت أفضل في ھذه المھمة أو المھنة ، سيكون الأمر ممتعا بشكل متزايد . حيث ترى تطورك ، وتطلع على العلاقات والاحتمالات التي لم تلاحظھا من قبل ويصبح عقلك منغمسا في إتقانھا أكثر  في خضم ھذا الانغماس ستنسى مشاكلك ، مخاوفك من المستقبل وألعاب الناس المقرفة . ولكن بخلاف الملھيات الآتية من مصادر خارجية ، فھذه تنبثق من الداخل.
أنت تطور مھارة لمدى الحياة ، نوع من الانضباط الذھني الذي سيشكل قاعدة لقوتك. لتفعل ذلك، عليك أن تختار مھنة أو حرفة تشعرك بالبھجة
بشكل عميق، بحيث لا تضع فاصلا بين العمل والمتعة . يجب أن تأتي متعتك من إتقان عملية التعلم ذاتھا والانغماس العقلي الذي تتطلبه.
كانت معظم الأعمال المتاحة في منطقة الجوار ذات مردود منخفض ونوع من العمل المتواضع الذي لا يؤدي إلى مھارات حقيقية . حتى الاحتيال ھو في الواقع عمل مضجر ولا يعتبر طريقا ذو مستقبل . ازاء ھذا الواقع ، يتجه الناس إلى أحد طريقين ، أما أن يتطلعوا للھروب من ھذا الوضع من خلال المخدرات ، الكحول ، أنشطة العصابات ، و كل ما يمكنه أن
يوفر المتعة الفورية . أو قد يستطيعوا الخروج من ھذه الدائرة عن طريق تطوير عمل مكثف ، منضبط و ذو مصداقية.
النوع الذي يسير في الاتجاه الثاني لديه جوع عميق للقوة وحس الاستعجال  ان القفز على أعقابھم في كل الحالات يشكل احتمالا لحياة من الأعمال الوضيعة أو الملھيات الخطرة ، لذا فھم يعلمون أنفسھم الصبر والتدرب على شيء ما . إذ إنھم تعلموا في وقت مبكر من خلال أعمالھم أو من الاحتيال ، أن يتحملوا الوقت الطويل الممل واللازم لإتقان عمل ما . فھم لا
يعاقرون الخمر أو يبحثون عن الھروب من ھذا الواقع ، بل يرونه كوسيلة نحو الحرية.
أولئك منا الذين لم ينشأوا في مثل ھذه البيئة ، لا يشعرون بھذه العلاقة الھامة بين الانضباط والقوة. فأعمالنا ليست مملة جدا  ، وقد تقودنا يوما ما إلى شيء جيد فعلا أو ھذا ما نعتقده . كما نمينا في أنفسنا بعض الانضباط في المدرسة أو العمل وھو بالنسبة لنا كاف . إلا أننا في الحقيقة نخدع أنفسنا ، فأعمالنا في معظم الأحيان ھي شيء نتحمله ، حيث نعيش من أجل أوقاتنا
خارج العمل ونحلم بالمستقبل . فنحن لسنا مرتبطين بالنشاط اليومي في العمل بكامل قوانا الذھنية ، لأنه ليس ممتعا كالحياة خارجه . و نبدي تحملا أقل فأقل للحظات الملل والأنشطة المتكررة . إذا حدث أن خسرنا وظائفنا أو رغبنا في شيء آخر ، نواجه فجأة حقيقة أننا لا نمتلك الصبر اللازم لصنع التغيير الملائم . قبل أن يفوت الأوان ، علينا أن نستيقظ وندرك أن القوة الحقيقية والنجاح يتحققان من خلال إتقان عملية التعلم ، والتي تستند إلى قاعدة من الصبر الذي يجب أن نقويه باستمرا ر.
تمارس الشخصيات الجريئة في التاريخ لا محالة في حياتھا صبرا أعلى من معظمنا على المھمات المملة والمتكررة ، مما يتيح لھم الإبداع في مجالاتھم وإتقان مھنھم . يأتي بعض ذلك من رؤيتھم مبكرا النتائج الملموسة المترتبة على ھذه الصرامة والصبر في الحياة . في ھذا السياق ، توضح لنا قصة إسحاق نيوتن بشكل خاص ھذا الأمر . في بداية عام 1665 كان طالبا في جامعة كمبردج في الثالثة والعشرين من عمره وعلى وشك أداء إمتحاناته ليكون عالم رياضيات ، حينھا تفشى الطاعون فجأة في لندن . كانت الوفيات مروعة وتتضاعف يوميا ، و ھرب الكثير من سكان لندن إلى الريف حيث نشروا الوباء على نطاق أطول وأوسع . بحلول الصيف ، أجبرت كمبردج
على الإغلاق وانتشر طلابھا في كل مكان من أجل سلامتھم. بالنسبة لھؤلاء الطلاب ، لا شيء يمكن أن يكون أسوأ من ذلك .إذ ارغموا على العيش في قرى متفرقة و اختبار الخوف الشديد والعزلة طوال العشرين شھرا التالية . وباشتداد الطاعون في أنحاء انجلترا ، لم يعد لدى عقولھم النشطة شيء
لتتعلمه والعديد منھم كادوا يصابون بالجنون بسبب الملل . أما نيوتن فقد أظھرت له أشھر الطاعون على الرغم من ذلك شيئا مختلفا كليا . حيث عاد إلى منزل والدته في وولسثورب لينكولنشاير . كان قد انشغل في كامبردج بسلسلة من المشكلات الرياضية التي لم تزعجه ھو فقط ، بل كذلك أساتذته. لھذا السبب حمل معه عددا كبيرا من كتب الرياضيات التي جمعھا  ، وقرر أن يدرسھا بالتفصيل الدقيق . أخذ يراجع ذات المشكلات يوما بعد آخر ، مالئا دفاتر الملاحظات بحسابات لا حصر لھا.
عندما تصبح السماء صافية ، كان يتجول في الخارج ويواصل ھذه التأملات أثناء جلوسه في بساتين التفاح المحيطة بالمنزل .أخذ ينظر إلى تفاحة معلقة بغصن ، حجمھا في عينيه كان مساويا للقمر في الأعلى ، وتأمل العلاقة بين الإثنين ، الشيء الذي يحمل الأولى على الشجرة و يحمل الآخر في مدار الأرض ، مما قاده إلى أفكار بشأن الجاذبية . حدق في الشمس وتأثيرھا البصري على كل شيء حوله ، وبدأ يقوم بتجاربه الخاصة على الحركة وعلى خصائص الضوء ذاته . عندئذ تدفق عقله تلقائيا بمشكلات علم الھندسة وعلاقتھا كلھا بالحركة والميكانيكا.
كلما تعمق أكثر في ھذه الدراسات ، استطاع رؤية العلاقات بشكل أوضح وتكونت لديه انطباعات مفاجئة . قام بحل المشكلة تلو الأخرى ، وكان حماسه و دافعيته يتسارعان عند إدراكه للقوى التي يطلقھا بداخله . بينما كان الآخرين عاجزين بسبب الخوف والملل ، أمضى ھو العشرين شھرا بأكملھا دون فكرة عن الطاعون أو قلق بشأن المستقبل . كما وضع في ھذا
الوقت أيضا أساس الرياضيات الحديثة ، الميكانيكا والبصريات .
تعتبر الفترة المذكورة ، ھي الأكثر غزارة وتركيزا من التفكير العلمي في تاريخ البشرية . يمتلك إسحاق نيوتن بالطبع عقلا فريدا ، ولكن لم يشك أحد في كامبردج من قبل بوجود ھذه القوى الذھنية عنده . لقد استغرق ھذه المدة من العزلة الاجبارية والعمل المتكرر من أجل تحويل نفسه إلى عبقري.
عندما ننظر إلى أولئك الذين برزوا في التاريخ ، نميل إلى التركيز على إنجازاتھم ، حيث يسھل لنا من ھذه الزاوية أن نكون مبھورين ونرى أن نجاحھم ناتج عن عبقرية أو ربما بعض العوامل الإجتماعية . أنھم موھوبين ، ويصعب علينا بلوغ مستواھم أو ھذا ما نعتقده . ولكننا نختار تجاھل الفترات الصعبة في حياتھم ، عندما خضع كل واحد منھم لفترة تدريب
قاسية و مملة في مجالاتھم . ما جعلھم يستمرون ھو القوة التي اكتشفوھا سريعا من خلال إتقان خطوات معينة . كما ترد إلى اذھانھم انطباعات مفاجئة تبدو كالعبقرية بالنسبة لنا ، إلا أنھا في الواقع جزء من أي عملية تعلم مكثفة.
إذا اقتصرنا على دراسة ذلك الجزء من حياتھم و المعاكس للأسطورة التي يكونوا عليھا لاحقا ، سندرك أنه باستطاعتنا نحن أيضا الحصول على بعض أو كل تلك القوة بواسطة الانغماس البطيء في أي حقل للدراسة . لا يمكن للكثير من الناس التعامل مع الملل الذي يستتبع ھذه العملية ، فھم يخشون البدء بھذه العملية المضنية مفضلين عليھا ملھياتھم ، أحلامھم ، و أوھامھم ، غير واعين بالمتعة العليا الموجودة ھناك لأولئك الذين اختاروا إتقان أنفسھم ومھنھم.

القانون الخمسون 30

القانون الخمسون 30

الفصل الثامن:

التزم بالتطور الطبيعي (الإتقان)

الحمقى في الحياة يريدون الأشياء بسرعة وسھولة : المال ، النجاح ، والشھرة . الملل ھو عدوھم وخوفھم الأكبر . ومع ذلك ، فقد تعودوا على افلات الفرص من بين أيديھم بذات السرعة التي تأتي بھا. من الناحية الأخرى ، أنت تريد الصمود في وجه منافسيك ، وتبني أساسا لشيء يمكنه الاستمرار في التوسع . لتفعل ھذا ، عليك ان تنخرط في تلمذة مھنية ، بحيث تتعلم مبكرا كيف تتحمل ساعات التدريب والكدح ، عارفا أنه في النھاية سيتحول كل ذلك الوقت إلى متعة أعلى من الإتقان للمھنة ولنفسك أيضا .
ھدفك ھو بلوغ مستوى المھارة الأقصى والشعور التلقائي بما يجب عمله لاحقا.
المال البطيء
أتقن الآلة ، واتقن الموسيقى ، ثم أنس كل ھذه القذارة واعزف 
تشارلي باركر
بسبب نشأته في ساوث سايد كوينز ، الأشخاص الوحيدون الذي كان بإمكان كرتس جاكسون رؤيتھم يمتلكون أية أموال و قوة ھم محتالي الشوارع ، لذلك فقد اختار لنفسه ھذا الطريق في عمر الحادية عشرة مع أحلام كبيرة للمستقبل . إلا أنه سرعان ما رأى أن حياة المحتال ليست مغرية على الإطلاق ، فھي تتألف في غالبھا من الوقوف في زاوية شارع يوما بعد
آخر لبيع ذات المواد لنفس المدمنين . ھذا يعني قضاء ساعات طويلة دون عمل معظمھا في برد قارس أو حر لاذع ، بانتظار قدوم الزبائن . وفي ھذه الساعات الطوال الشاقة ، كان عقل كرتس يفكر بصورة تلقائية بأنه قد يجد نفسه راغبا في المال الذي يأتي بسرعة وسھولة مع متعة أكثر . و كانت ھناك فرص لھذا الأمر في الجوار ، عن طريق التورط في ارتكاب جرائم
أو مخططات مشكوك فيھا . سيشعر في بعض الأحيان بالرغبة في التجربة ، ولكنه في ھذه اللحظات سيذكر نفسه بالقصص التي لا حصر لھا عن محتالين يعرفھم ممن سقطوا في وھم المال السريع السھل ، كل المغفلين الذين انتھى بھم المصير لا محالة موتى أو محطمين.
كان ھناك صديقه ( تي سي ) الذي تعب من الاحتيال وانضم إلى عصابة تمضي الصيف في نھب محلات البقالة و كذلك بنوك من حين لآخر . حيث جمع كمية كبيرة من المال في تلك الأشھر الثلاثة ، ثم بددھا طوال الخريف والشتاء . في الصيف التالي عاد إلى ذلك مجددا , لم يكن الأمر متعلقا بالمال فقط بل بالرعشة المتأتية من مقاربة كل ھذا الخطر . إلا أن حظه قد
نفذ في ھذا الصيف الثاني ، وقتل في تبادل لإطلاق النار مع الشرطة.
وھناك أيضا زميل كرتس الحاقد الأكبر منه بسنوات قليلة ، والذي كان قد ادخر بعض المال من احتياله و لديه طموحات لشيء أكبر من ذلك بكثير . أقتنع بإمكانية صنع ثروة سريعة عبر شراء جزء من امتياز تجاري كان جديدا على الجوار ، ولكنه شعر أنه لا بد أن يكون ممتازا . أنفق ماله بأكمله على هذا المشروع ، إلا أنه كان عجولا جدا ، حيث لم ينتظر وقتا كافيا لتعويد العامة على حياته الجديدة ، واعتقد الجميع أن ھذه التجارة ليست إلا واجھة لمعاملات في المخدرات . لذا فقد تجنبوه ، وسرعان ما أصبح المكان مرتعا للمحتالين والمدمنين .ثم فشل في غضون بضعة أشھر ولم يتعاف أبدا من تلك التجربة.
ھذا ھو جوھر المشكلة ، لتصبح محتالا ناجحا عليك أن تعود نفسك على التمھل ، والسرعة المتدرجة للعمل . ولكن في منطقة الجوار نادرا ما يبدو المستقبل واعدا ، ويصعب على المحتالين تصور قيامھم بادخار أموالھم ليوم أسود في المستقبل ، في الوقت الذي يرجح فيه أن ھذا اليوم لن يأتي . إلا أن الرغبة في شيء أسرع ستتسلل لا محالة إلى دماءھم ، وإذا استسلموا لھا سيخلقوا دائرة لن يستطيعوا الخروج منھا . إذا تمكنوا من الحصول على بعض المال السريع سيكون لھم بمثابة المخدر ، حيث سيبتھجوا وينفقونه على أشياء تثير إعجاب الناس . وبعد نفاذ المال سيعودوا إلى تجارة المخدرات ، ولكنھا ستبدو الآن بطيئة ومملة جدا . وعليه ، سيحاولوا مرة
أخرى لتحصيل شيء سريع ويقعوا في فخ جشعھم . بمرور السنين سيفشلوا في تنمية أي نوع من الصبر أو الانضباط ، إذ يعجزون عن التحكم في ھذه السرعة المتغيرة العلو والھبوط لفترة طويلة . ثم وفي عمر الخامسة والعشرين أو الثلاثين ، سيكونوا قد استھلكوا أنفسھم دون أية مھارات أو مال اكتسبوه من سنوات عملھم ، ويغدو مصيرھم بعد ذلك عموما غير سار. بھدف مقاومة ھذا الإغراء ، قرر كرتس أن يرغم نفسه على السير في الاتجاه المعاكس . حيث تعامل مع الاحتيال كوظيفة ، وكان يخرج إلى زاوية الشارع في ذات الساعة يوميا ويعمل منذ الصباح الباكر إلى الليل . تعود تدريجيا على ھذه السرعة البطيئة . خلال الساعات الطويلة الفارغة من العمل ، أخذ يفكر في مستقبله ويضع خططا تفصيلية لما سينجزه سنة تلو سنة انتھاءا بالھروب من احتيال الشوارع في نھاية المطاف ، إذ سينتقل إلى الموسيقى ثم التجارة . ومن أجل اتخاذ الخطوة الأولى ، عليه أن يدخر ماله وقد ساعدته فكرة الھدف ھذا على تحمل الضجر اليومي في عمله . كما ابتكر انماطا جديدة للاحتيال أثناء تلك الساعات البطيئة ، بغرض التطوير المستمر لذاته في ھذا العمل.
بالإضافة إلى ذلك ، فقد مارس الملاكمة لضبط عقله وجسده. كان سيئا في البداية ولكنه عنيدا أيضا ، وأخذ يتدرب يوما بعد يوم إلى أن أصبح في النھاية ملاكما محترفا . ھذا ما علمه درسا لا يقدر بثمن ، اذ يمكنه الحصول على ما يريد من خلال المثابرة الكاملة بدلا من العنف أو الإكراه ، فالتطور خطوة بخطوة ھو الوسيلة الوحيدة للنجاح في أي شيء . وفي عمر العشرين تحول إلى عالم الموسيقى ، وكل ھذا وفقا لخطته الأصلية.
في عام 1999 ، و بعد بضع سنوات من تدريبه على يد ( جام ماستر جاي)  ، وقع كرتس اتفاقية مع تسجيلات كولومبيا . بدا الأمر وكأنه كان حلما قد
تحقق ، ولكن عند نظره إلى مغني الراب الآخرين من حوله الذين أمضوا وقتا أطول قليلا مع ھذه العلامة الموسيقية ، رأى بأن الأخطار المحيطة به ازدادت . كان الاتجاه كما رآه كرتس ھو الاستغلال المباشر لطاقتك وشھرتك ، حيث يشعر مغني الراب بأنھم وصلوا للقمة ، وبشكل لا واع لن يعملوا بجدية وسيمضوا وقتا أقل في تعلم مھنتھم . تصعد الدفقة المفاجئة
للمال إلى رؤوسھم ، متصورين إنھم يمتلكون اللمسة الذھبية وباستطاعتھم الاحتفاظ بھا . كما أن نجاح واحد لأغنية أو ألبوم سيزيد الأمر سوءا . إن عدم بناء شيء ما بالتدريج سواء كان مھنة أو مستقبلا سيجعله ينھار بأكمله خلال سنوات قليلة ، حيث سيحتل مغنو الراب الأصغر سنا أو الأكثر حرصا أماكنھم وستصبح حياة السابقون كلھا أشد بؤسا بسبب تذوقھم بعض المجد لمرة واحدة.
كان الحل بالنسبة لكرتس بسيطا ، ھذا ھو عالم جديد قد دخله ، عليه أن يأخذ وقته ويتعلمه جيدا . في خضم البيئة السريعة للھيب ھوب سيقوم ھو بإبطاء وتيرة كل شيء ، كما تجنب الاحتفال واحتفظ به لنفسه غالبا . قرر أن يعامل تسجيلات كولومبيا كجامعة ، فھي فرصته الوحيدة لتعليم نفسه في عالم الأعمال . كان يسجل أغانيه في الليل ويمضي اليوم بأكمله في مكاتب كولومبيا ، متحدثا إلى الاشخاص في كل قسم . وتعلم أكثر فأكثر حول التسويق والتوزيع والتفاصيل العملية للتجارة ، إذ درس جميع جوانب عملية الإنتاج وما يدخل في صناعة الأغنية الناجحة و تدرب على موسيقاه مرارا وتكرارا . عندما أرسلته العلامة الموسيقية ھو والعشرات من مغني الراب إلى قسم المونتاج في شمال نيويورك لكتابة الأغاني ، عاد بستة وثلاثين لحنا بينما استطاع اغلبية الباقين بالكاد جمع خمسة أو ستة.
في أعقاب محاولة اغتياله في عام 2000 ، قامت تسجيلات كولومبيا باستبعاده من علامتھا الموسيقية ، إلا أنه كان في ذلك الوقت قد تجاوز حاجته إلى خبرتھا . حيث راكم الكثير من الخبرات و المھارات التي يمكنه تطبيقھا في الحملة الخاصة بألبومه المنوع ، صانعا الأغنيات بسرعة جنونية ومسوقا موسيقاه بذكاء كأي خبير في ھذا المجال . تطور خطوة بخطوة إلى أن جذبت الحملة انتباه ايمنيم الذي تعاقد معه ليضمه إلى
علامته الموسيقية في انترسكوب في عام 2003 وجد نفسه بعد عدة سنوات في عالم الشركات ، واكتشف سريعا انه لا يختلف كثيرا عن الشوارع . العديد من رجال الأعمال والمنفذين الذين التقاھم على ذات المستوى من قلة الصبر. فھم يفكرون لمدى بضعة أشھر أو أسابيع فقط ، وعلاقتھم بالمال عاطفية ، كوسيلة لإبراز أھميتھم وتغذية كبرياءھم. حيث يأتونه بمخططات تبدو جذابة في الوقت الحاضر لكنھا لا تؤدي إلى أي وجھة على الطريق ، فھم غير متناغمين مع التغيرات الھائلة الجارية في العالم والتخطيط لاستثمارھا في المستقبل ، لأن ھذا سيستغرق الكثير من الجھد والوقت.
ھذه الشخصيات في عالم التجارة جاءت له بصفقات مضمونة من كل الجوانب ليكسب بعض الملايين السريعة ، متصورين بأنه مثل بقية مغني الراب الذين يتشبثون بمثل ھذه الفرص.
إلا أن الصفقات المضمونة لن تساعده في بناء شيء ثابت أو حقيقي ، فھي لا تعدو أن تكون مالا وھميا . لذلك فقد رفض عروضھم واختار أن يبدأ بتجارته وفقا لشروطه الخاصة ، بحيث يبنى كل عمل على أساس العمل الآخر كالخيوط في السلسلة . كان الھدف ھذه المرة بسيطا : تأسيس إمبراطورية تدوم طويلا ، وكما في السابق ، سيبلغه من خلال إصراره
المستمر.

القانون الخمسون 29

القانون الخمسون 29

مخالفة المفھوم:

العلم والطرق العلمية قوية جدا ، والمتابعة التطبيقية للمعرفة أصبحت تحكم جانبا كبيرا من تفكيرنا خلال القرون القليلة الماضية . ولكنھا ولدت انحيازا غريبا ، حيث أنه من أجل فھم أي شيء يجب أن ندرسه على بعد مسافة وبمفھوم منفصل.
على سبيل المثال ، نميل إلى الحكم على كتاب مليء بالإحصائيات والاقتباسات من دراسات متنوعة على أنه يحمل ثقلا أكثر ، لأنه يبدو متمتعا بالسمو و الموضوعية العلمية المطلوبة . إلا أن العلم مع ذلك يتعامل غالبا مع  المادةوھي أما أن تكون جمادا أو شيء لديه حياة عاطفية ھامشية  لذلك فإن دراسة ھذه الأشياء من مفھوم منفصل ھو أمر منطقي ويؤدي إلى نتائج عميقة ، ولكن الامر لا يترجم بشكل جيد عند التعامل مع الناس والمخلوقات التي تستجيب من جوھر عاطفي ، إذ أن معرفة ما الذي يجعلھم مميزين من الداخل مفقودة.
وعليه ، تكون دراسة ھذه الأمور من الخارج مجرد تحيز ، وتنتج غالبا من الخوف  إن التعامل مع خبرات الناس وذاتيتھم ھو أمر فوضوي مبعثر ، فالمسافة أوضح وأسھل.
لقد حان وقت إعادة تقييم ھذا التصور، ورؤية الأشياء من المنظور المقابل إن معرفة الطبيعة البشرية والعوامل الاجتماعية  وھو العلم الذي يكون غالبا الأكثر أھمية بالنسبة لنا  يعتمد على معرفة الناس والتنظيمات من الداخل واكتساب الإحساس بما يعايشونه .
الطريقة المثلى للحصول على ھذا ، ھي بواسطة الانضمام والمشاركة المكثفة خلافا للوضع العلمي المزيف الناتج عن الإدمان العقلي على الدراسات ، الاقتباسات ، والأرقام ، والتي صممت جميعھا لدعم المفاھيم المسبقة. ھذا النوع الآخر من المعرفة والذي ينبع من الداخل يجب عليك
تقديرھا أكثر من جميع الأمور الاجتماعية الأخرى ، فھي التي تمنحك القوة للتأثير في الناس . إذا بلغت الحد الذي تشعر فيه بأنك مبتعد وفي الخارج ، عليك أن تخبر نفسك بأنك لا تفھم ما تقوم بدراسته أو محاولة الوصول إليه  فأنت تفتقد الدليل وھناك عمل يجب إتمامه.
الرجل الذكي حقا ھو من يشعر بما يقتصر الرجال الآخرين على معرفته فقط. (بارون دي مونتسكيو )



القانون الخمسون 28

القانون الخمسون 28

مفاتيح الجرأة:


قلة من الناس يمتلكون الحكمة لتفضيل الإنتقاد الذي سيفيدھم على المدح الذي يخدعھم.
فرانسوا دي لا روشيفوولد
في العمل الذي نقوم بإنتاجه للتجارة أو للثقافة ، ھناك دائما لحظة ناطقة  عندما يفارق أيدينا ويصل إلى العلن لأجل الغرض الذي أعد له . يتوقف العمل في تلك اللحظة عن كونه مجرد شيء في رؤوسنا ، حيث يصبح موضوعا محكوما عليه من قبل الآخرين .
يتصل ھذا الموضوع في بعض الأوقات بالناس بشكل عميق ، إذ يضرب وترا عاطفيا ويثير صدى معينا ويتمتع بالدفء ، أي أنه يلبي حاجة . وفي أوقات أخرى  ، لا يخلف من صدى سوى البرود الشديد للناس ، حيث يتم
تصويره في عقولنا بأثر مختلف تماما. قد تبدو ھذه العملية غامضة نوعا ما ، اذ يتمتع بعض الأشخاص بموھبة عمل أشياء تجد صدى لدى الجمھور ، مثل الفنانون الكبار ، السياسيين ذوي اللمسة الشعبية ، و رجال الأعمال المبدعين بلا حدود . أحيانا نحن أنفسنا قد ننتج شيئا يعمل بشكل رائع ولكننا نعجز عن معرفة السبب وراء ذلك.
ونتيجة لنقص ھذه المعرفة ، لا نتمكن من تكرار نجاحنا.
ومع ھذا ، فھناك جانب من ھذه الظاھرة قابل للتفسير . فأي شيء ننتجه أو نقدمه للجمھور صغيرا كان أم كبيرا ، يعتمد على الطريقة التي نعمله بھا . إذا كنا من النوع الذي يعيش غالبا في رأسه ، متخيلين ما الذي قد يعجب العامة أو حتى لا نكترث بالأمر ، ستظھر ھذه الروح في العمل نفسه ، فھو
منفصل عن البيئة الاجتماعية ولا يتجاوز كونه منتجا لشخص ملتف بداخل نفسه أو نفسھا . على الناحية الأخرى ، إذا كنا متصلين بالجمھور بعمق ونتمتع بحس قوي باحتياجاته و رغباته، فإن ما نعمله سيميل إلى إحداث أثر ، فقد استوعبنا طريقة تفكير وإحساس جمھورنا و ظھر ھذا في العمل.
الكاتب الروسي العظيم فيودور ديستوفسكي كان لديه جزءان منفصلان تقريبا في عمله : أولا أنه كان اشتراكيا ويتعامل غالبا مع المثقفين الآخرين ، رواياته وقصصه كانت ناجحة نوعا ما . إلا أنه حكم عليه في عام 1849 بالسجن لعدة سنوات والأشغال الشاقة في سيبيريا بتھمة ملفقة تتعلق بالتآمر ضد الحكومة . وھناك اكتشف فجأة أنه لم يكن يعرف الروس إطلاقا .
حيث تم القاؤه في السجن وسط حثالة المجتمع ، و خلال فترة أداءه للأعمال الشاقة في قرية صغيرة ، خالط أخيرا الفلاحين الروس الذين سيطروا على البلاد . عندما أطلق سراحه ، اصبحت جميع ھذه الخبرات متضمنة بعمق في أعماله ، كما عكست رواياته فجأة صدى لما ھو ابعد من دوائر المثقفين
بكثير . لقد فھم جمھوره " كتلة الروس من الداخل " ، وغدت أعماله ذات شعبية كبيرة.
افھم ھذا : لا يمكنك تمويه اتجاھك نحو الجمھور . إذا كنت تشعر بالأفضلية على الجميع كما لو كنت عضوا من نخبة مختارة ، فسيتسرب ھذا إلى العمل . فھو محمول بواسطة النبرة والمزاج ، وينقل الاحساس بالمجاملة . ان الحالة التي يكون فيھا منفذك نحو الجمھور الذي تحاول الوصول إليه ضيقا ولكنك تشعر بأن الأفكار التي في ذھنك لا تعجز عن
الامتاع ، فغالبا أنھا تظھر لا محالة كشيء شخصي جدا ، كمنتج لشخص غريب منفر . في كلا الحالتين ، فإن ما يحكم روح عملك في الواقع ھو الخوف . ذلك أن التفاعل على مقربة من الناس والحصول على آراءھم قد يعني الاضطرار لتعديل أفكارك " الرائعة " وتصوراتك المسبقة ، مما قد يقف في وجه رؤيتك الضيقة للعالم . ربما تحاول إخفاء ذلك بمظھر متباه ،
ولكنه في الواقع خوف قديم من الآخر.
نحن مخلوقات إجتماعية ، نعمل الأشياء بغرض التواصل والاتصال مع أولئك المحيطين بنا . يجب أن يكون ھدفك ھو كسر المسافة بينك وبين جمھورك ، الذين ھم قاعدة دعمك في ھذه الحياة .
بعض تلك المسافة ذھني وتنتج من كبرياءك وحاجتك للشعور بالتفوق ، والبعض الآخر مادي ، حينما تبعدك طبيعة عملك عن الناس مع كثافة الروتين فيه . على أي حال ، فإن ما تبحث عنه ھو التفاعل الأقصى الذي يتيح لك الشعور بالناس من داخلھم ، حيث تتطور من خلال آراءھم وانتقاداتھم . إن العمل بھذه الطريقة يجعل ما تنتجه غير عاجز عن أحداث أثر لأنه سينبثق من الداخل ، وھذا المستوى العميق من التفاعل ھو مصدر معظم الأعمال القوية و ذات الشعبية العالية في الثقافة والتجارة ، والنمط السياسي المتصل فعلا بالواقع.
ما يأتي ھو أربع استراتيجيات يمكنك استخدامھا لتقريب نفسك من ھذه القيمة العليا:
1 - اسحق جميع المسافات:
 ينحدر الفنان الفرنسي ھنري دي تولوز لوتريك من أحد أقدم الأعراق الأرستقراطية في فرنسا ، ولكنه شعر في وقت مبكر بالغربة عن عائلته . يرجع بعض ذلك إلى إعاقته الجسدية ، حيث توقفت ساقيه عن النمو في عمر الرابعة عشر مضفية عليه مظھرا قزما ، وينبع البعض الآخر من طبيعته الحساسة .لذا فقد انكب على الرسم كھوايته الوحيدة في الحياة . في عام 1882 عند بلوغه عمر الثامنة عشر ، انتقل الى باريس بصحبة فنان مشھور يقع معرضه في مونتمارت ، من أجل دراسة البوھيمية وبعض الأجزاء الطبيعية من المدينة . اكتشف دي تولوز ھناك عالما جديدا كاملا : المقاھي وقاعات الرقص التي تديرھا العاھرات ، الفنانين المزيفين ، الراقصات ، مؤدو الشوارع ، وكل الشخصيات المشبوھة التي وجدت نفسھا منحدرة لھذه الزاوية . ربما بسبب غربته الخاصة عن عائلته ، تآلف مع ھولاء المنبوذين . و بدأ يغمس نفسه تدريجيا أكثر فأكثر في الحياة الاجتماعية لمونتمارت.
صادق العاھرات و وظفھن كعارضات ، ساعيا لتجسيد جوھر حياتھن على اللوحات القماشية . وكان يعود إلى صالات الرقص غالبا ويقوم بالرسم أثناء مشاھدتھه العروض ، كما شرب الخمر مع المجرمين والمشاغبين الفوضويين الذين مروا بالمنطقة . لقد تشرب كل جانب في ھذا العالم ، ومن ضمنه عادات الأغنياء الذين يأتون للمنطقة لأجل الترفيه و رؤية أحياء الفقراء . الرسامين الآخرين مثل ديجاس و رينوار اللذين عاش كلاھما في مونتمارت ، رسما الكثير من مشاھد الحياة ھناك ولكنھا كانت دائما مصحوبة بحس الابتعاد ، وكأنھم غرباء يحدقون فيھا . أما دي تولوز لوتريك فقد كان مساھما نشطا أكثر منھما ، وبدأت رسوماته ولوحاته تعكس ھذا الانغماس . و جذب عمله انتباھا أكبر من الجمھور.
ثم توج كل ذلك في الملصقات التي صنعھا لصالة رقص( مولان روج )
كان أول وأشھر ملصق من بينھم جميعا ، عبارة عن صورة فاضحة لراقصة تركل على ارتفاع عال جدا بحيث يمكنك رؤية لباسھا الداخلي .كانت الألوان قوية ومتوھجة ، ولكن الأغرب من ھذا كله
ھي المساحة المسطحة التي صنعھا ، حيث منحت الناظرين الإحساس وكأنھم على المسرح مع المؤدين ضمن كل الحركة والاضواء البراقة . لم يصنع أحد شيئا مماثلا لھا من قبل. وعندما نشر الملصق في المدينة ، فتن الناس به ، اذ بدا نابضا بالحياة من تلقاء نفسه . اتبع ذلك بالمزيد والمزيد من الملصقات بمختلف الأشكال في مولان روج التي توصل معھا إلى شروط تعاقدية جيدة ، مع صورة جمالية جديدة كليا تم تشكيلھا بواسطة
مزجه الكامل والمتوازن بين الاشياء . وأصبحت أعماله رائجة بشدة.
افھم ھذا : في ھذا اليوم وھذا العصر ، لتصل إلى الناس يجب أن يكون لديك اتصال بحيواتھم الخاصة ، احباطاتھم ، تطلعاتھم ، و ما يثير استياءھم  لتفعل ذلك يجب أن تسحق أكبر قدر ممكن من المساحة التي تفصلك عن جمھورك. حيث تدخل أرواحھم وتمتصھا من الداخل ، وتتبنى طريقتھم
في النظر إلى الأمور . وحينما تعيد إنتاج ھذا في صورة ما من صور العمل ستنبثق منه الحياة . إن الأثر الذي سيصدمك ويسعدك فيما بعد سيكون ذاته بالنسبة لھم . يتطلب الأمر درجة من الجرأة و روح منفتحة ، فأنت لا تخشى من إعادة تشكيل شخصيتك بالكامل بواسطة ذلك التفاعل الكثيف ، مفترضا مساواتك الكاملة بالجمھور ، و مانحا صوتا لأفكار الناس و رغباتھم . وبالتالي فإن ما تنتجه سيتصل بھم عميقا بشكل طبيعي.

2 - افتح قنوات غير رسمية للنقد والمراجعات :
عندما دخلت اليانور روزفلت البيت الأبيض كسيدة أولى في عام 1933 ، كان الأمر مصحوبا بالكثير من الخوف . إذ كان لديھا ازدراء للسياسات التقليدية ونوعية المواقف المنغلقة القوية في ذلك الوقت ، وفي اعتقادھا أن سلطة زوجھا ستعتمد على علاقته بالناس الذين انتخبوه . للخروج من ھذا الاحباط ، على الجمھور أن يشارك في الصراع و عدم الاقتصار على
جذبه بالخطابات والبرامج ، وحينما يشعرون بالمشاركة ، سيحضروا أفكارھم الخاصة وطاقاتھم إلى القضية . كما خشيت أن تبتلع الطبيعة البيروقراطية للحكومة زوجھا ، إذ سيستمع إلى أعضاء الخزانة والخبراء وستھبط درجة اتصاله بالعامة إلى القنوات الرسمية فقط كالتقارير ، واستطلاعات الرأي ، والدراسات . ھذه العزلة ستمھد لنھايته ، قاطعة إياه
عن قاعدة دعمه . ومن دون أي منصب رسمي في الإدارة ، قررت اليانور أن تعمل بنفسھا على إنشاء قنوات غير رسمية للجمھور.
سافرت إلى جميع أنحاء البلاد ، حتى المدن الداخلية والمناطق الريفية النائية مستمعة إلى شكاوى الناس واحتياجاتھم ، واحضرت العديد منھم معھا لمقابلة الرئيس واعطاءه انطباعات مباشرة عن ( الصفقة الجديدة ) . بدأت في كتابة عمود في ( رفيقة المنزل للمرأة ) ، التي نشرت فيھا فوق
عنوان " أريدك أن تكتبني " ، وقد استخدمت عمودھا كنوع من منتدى النقاش للجمھور الأمريكي ، لتشجيع الناس على المشاركة بانتقاداتھم . استلمت خلال ستة أشھر ما يزيد على 300 الف رسالة ، و عملت مع موظفيھا على إجابة كل رسالة منھا . كما فتحت قنوات أخرى للتواصل مثل زرع أفكارھا في مختلف برامج الصفقة الجديدة ، التي ستؤدي لاحقا إلى ارتفاع نسبة التصويت لصالحھا من قبل الجماھير المستفيدة من ھذه البرامج
مع إحلال ھذا النظام ، بدأت برؤية نمط متصاعد تدريجيا من الإستياء من( الصفقة الجديدة ) ، فكانت تترك كل يوم ملاحظة في حقيبة زوجھا لتذكيره بھذه الانتقادات والحاجة لأن يكون أكثر استجابة . بدأت ببطء تؤثر على سياسته أيضا عن طريق دفعه الى العمل على الجوانب الأخرى ، مثل قيامه
بإنشاء الإدارة الوطنية للشباب التي ستضم اليافعين بشكل فاعل في الصفقة الجديدة . بمرور الوقت أصبحت اليانور القناة غير الرسمية لمجموعات النساء والأمريكيين الأفارقة ، وعملت على تعزيز دعم الرئيس لھاتين الفئتين الرئيسيتين من الناخبين .كل ذلك العمل تطلب قدرا كبيرا من الشجاعة ، حيث تعرضت للسخرية باستمرار على اتجاھھا الناشط وكان قد
مضى وقت طويل قبل أن تفكر أية سيدة أولى في القيام بھذا الدور .
لعب عملھا دورا ھاما في قدرة فيودور روزفلت على المحافظة على صورته كرجل الشعب.
وفقا لما أدركته اليانور ، تميل كل جماعة إلى الانغلاق على ذاتھا عن العالم الخارجي ، ذلك أنه من الأسھل التصرف بھذه الطريقة . ومن داخل ھذه الفقاعة ، يخدع الناس أنفسھم بالاعتقاد أن لديھم نظرة صحيحة حول ما تشعر به جماھيرھم أو العامة ،إذ يقرأون الصحف ، والتقارير المتنوعة ،
والاحصائيات .... الخ . إلا أن جميع ھذه المعلومات أقرب إلى السطحية ويتم انتقاؤھا بدقة . يختلف الأمر كثيرا عندما تتعامل مع الناس مباشرة وتستمع بنفسك لانتقاداتھم وآراءھم ، حيث تكتشف السبب الكامن خلف استياءھم والفروقات الدقيقة في كيفية تأثير عملك عليھم . كما ستطفو مشاكلھم على السطح ، الأمر الذي يجعل من أية حلول تأتي بھا أكثر صلة بالواقع.
فأنت تصنع ديناميكية ذھاب وإياب يمكنك بموجبھا تسخير أفكارھم ، ومشاركتھم وطاقتھم لصالحك . إذا كان لا بد من المحافظة على مسافة ما بينك وبين الجمھور بسبب طبيعة جماعتك أو مشروعك ، فالتصرف الأمثل ھو فتح أكبر عدد ممكن من القنوات الغير رسمية من أجل على الحصول على مراجعاتك مباشرة من المصدر.

3 - أعد الاتصال بقاعدتك:
نحن نرى الآتي يحدث مرارا وتكرارا ، شخص يحقق نجاحا عندما يكون أصغر سنا بسبب امتلاكه روابط عميقة مع جماعة معينة ، حيث يأتي ما ينتجونه ويقولونه من مكان حقيقي ويتصل بالناس . ثم يفقدون ھذه الصلة تدريجيا ويترتب على النجاح خلق مسافة ما ، إذ يقضون معظم أوقاتھم مع أشخاص ناجحين آخرين . بشكل واع أو لا واع ، يشعرون بأنھم مبتعدين
وبمستوى أعلى من جمھورھم ، وعندئذ تكون قد تلاشت الكثافة من عملھم واختفى معھا أي نوع من الأثر الحقيقي على العامة.
صارع الناشط الأسود المشھور مالكوم إكس ھذه المشكلة بطريقته الخاصة . كان قد قضى شبابه كمحتال شوارع داھية ، وانتھى به الأمر في السجن بتھم تتعلق بالمخدرات . ھناك اكتشف الديانة الإسلامية من خلال ممارسة المسلمين لھا ، فتحول اليھا فورا . و عند خروجه من السجن ، أصبح متحدثا بارزا على مستوى عال للجماعة . إلا أنه انقطع فجأة عن تمثيل الأمة الإسلامية وحول نفسه إلى عضو قيادي في حركة القوة السوداء المتنامية في الستينيا ت.
خلال ھذه المراحل المتعددة من حياته ، شعر مالكوم بالغضب والإحباط الشديدين من مقدار الظلم الذي يتعرض له الأمريكيين السود ، والذي اختبر الكثير منه في مقتبل عمره. قام بتوجيه ھذه المشاعر إلى خطابات قوية ، وكأنه يمنح صوتا للغضب الذي يشعر به العديد ممن عاشوا في أعماق الأحياء الخاصة بالسود في أمريكا ( الغيتوات ) . ومع ازدياد شھرته
أكثر فأكثر أحس ببعض القلق ، ذلك أن القادة الآخرين الذين عرفھم في المجتمع الأسود بدأوا يعيشون بصورة جيدة ،لا يسعھم إلا الشعور ببعض المسافة والفوقية على ھؤلاء الذين يفترض بھم تمثيلھم ، كأب يرعى طفلا.
كره مالكوم تسلل ھذا الشعور بالأبوية إليه ، ففي اعتقاده انه لا يمكن لأحد مساعدة الناس إلا أنفسھم وأن دوره يقتصر على ألھامھم للتحرك وليس التصرف باسمھم . ومن أجل تحصين ذاته ضد ھذه المسافة النفسية ، زاد اتصالاته بمحتالي الشوارع ومحرضي الشغب ، وھم نوعية الناس من أدنى الطبقات والتي يتجنبھا معظم القادة بشدة . أولئك الذين يتحدرون من قلب
الغيتو الذي ھو قاعدة قوته ، وعليه أن يعيد الاتصال بھا.
أرغم نفسه على قضاء وقت أكثر مع ھولاء الذين عانوا من حالات ظلم مؤخرا ، مع امتصاص تجاربھم وحس الغضب فيھا . ينضج معظم الناس مع التقدم في العمر ، ولكنه سيحتفظ بغضبه والعواطف الشديدة التي دفعته منذ البداية واسبغت عليه الكاريزما.
إن الھدف من الاتصال بالعامة ليس استرضاء الجميع أو إشھار نفسك لأكبر قدر ممكن من الجمھور ، فالاتصال ھو قوة الكثافة وليس المساحة أو الأرقام . في محاولتك لنشر دعوتك ، استبدل الجودة بالكم وستدفع ثمنا لھذا . فأنت تمتلك قاعدة من القوة جماعة من الناس سواء كانت صغيرة أم كبيرة والتي تعرف بك ، وھذه القاعدة ذھنية أيضا ، وھي مؤلفة من أفكارك حينما
كنت أصغر سنا والتي ارتبطت بعواطف قوية الھمتك لاتخاذ مسار معين . يؤدي النجاح و مرور الزمن إلى إضعاف حس الاتصال لديك بھذه القاعدة المادية والذھنية ، حيث تصاب بالضياع وتتلاشى قواك الخاصة بالإتصال . اعرف قاعدتك واعمل على إعادة الاتصال بھا ، وابق روابطك بھا حية ،
كثيفة ، وحاضرة . عد إلى أصولك التي ھي مصدر كل الإلھام والقوة.

4 - اصنع المرآة الاجتماعية:
يمكننا التصور بأننا نتمتع بكل أنواع القوى والقدرات حينما نكون لوحدنا وفي داخل عقولنا ، حيث يمكن لكبريائنا أن يتضخم لأي حجم . ولكن عندما ننتج شيئا يعجزعن إنتاج الأثر المتوقع ، نواجه فجأة حدا معينا ، فنحن لسنا رائعين أو ماھرين كما تخيلنا . يكون اتجاھنا في ھذه الحالة ھو لوم الآخرين على عدم فھم عملنا أو اعتراض طريقنا . إذ يصبح كبرياءنا مجروحا وحساسا ، وتبدو الانتقادات القادمة من الخارج كاعتداء شخصي لا يمكننا تحمله . لذا نميل إلى الانغلاق على أنفسنا مما يضاعف من صعوبة نجاحنا في المغامرة التالية.
بدلا من التقوقع ، اعتبر برود الناس نحو فكرتك وانتقاداتھم كنوع من المرآة يحملونھا باتجاھك . وھي مرآة حسية تحولك إلى مادة ، تستطيع بواسطتھا رؤية نفسك كما يراك الآخرين.
حيث لا يمكن لكبرياءك أن يحميك فالمرآة لا تكذب ، وأنت تستخدمھا لتصحيح مظھرك وتجنب السخرية . تقوم آراء الآخرين بوظيفة مماثلة ، فأنت ترى عملك من داخل عقلك وھو مغطى بكل أنواع الرغبات والمخاوف ، أما ھم فيرونه كمادة ، كما ھو بالضبط ، ومن خلال انتقاداتھم يمكنك أن تقترب أكثر من ھذه الرؤية الموضوعية وتطور ما تعمله تدريجيا مع الاحتراس من آراء الأصدقاء الذين قد تكون أحكامھم مشوبة بالحسد أو المجاملة.
إذا لم يتصل عملك بالآخرين اعتبر ذلك خطأك الخاص ، فأنت لم تجعل أفكارك واضحة بما فيه الكفاية وقد فشلت في الاتصال عاطفيا بالجمھور . ھذا ما يخفف عنك أي غضب أو مرارة ناتجة عن انتقادات الناس ، فأنت ببساطة تصحح عملك من خلال المرآة الاجتماعية.

القانون الخمسون 27

القانون الخمسون 27

الاتجاه الجريء:


الجمھور لا يخطىء أبدا . عندما لا يستجيب الناس لما تفعله ، فإنھم يخبرونك شيء ما بصوت عال و واضح . أنت فقط لا تستمع.
50 سنت
تعتمد جميع الكائنات الحية في معيشتھا على علاقتھا ببيئتھا. وإذا كانوا حساسين على وجه الخصوص لأي نوع من التغيير ، كخطر أو فرصة ما ، فإنھم يتمتعون بقوة أكبر للسيطرة على محيطھم . الصقر ببساطة لا يرى أبعد من أي مخلوق ، ولكنه يستطيع رؤية التفاصيل الدقيقة و رصد أقل تغيير في الطبيعة .حيث تزوده عيناه بحساسية ھائلة و مھارة عالية في الصيد.
نحن نعيش ضمن بيئة بشرية في أغلبھا ، تتألف من أشخاص نتفاعل معھم يوما بعد يوم . ينحدر ھؤلاء الناس من خلفيات وثقافات متنوعة ، فھم متفردين بخبراتھم الخاصة المميزة . إن معرفة الناس جيدا : باختلافاتھم ، فوارقھم الفردية وحياتھم العاطفية ، يمنحنا حسا عظيما بالاتصال والقوة . سنتمكن من معرفة كيفية الوصول إليھم ، والتواصل معھم بفاعلية أكبر ،
والتأثير على أفعالھم ، ولكننا غالبا ما نبقى في الخارج ونفقد القوة . الاتصال بالبيئة بھذه الطريقة يعني الخروج من ذواتنا وتدريب أعيننا على ملاحظة الناس . ولكننا غالبا ما نفضل الحياة داخل رؤوسنا ، وسط أفكارنا وأحلامنا . اذ نسعى لجعل كل شيء في العالم مألوفا وبسيطا ، و نغدو غير حساسين لاختلافات الناس وللتفاصيل التي تجعل منھم أفرادا.
يكمن في عمق ھذا الانكفاء نحو الداخل و انعدام الاتصال خوف عظيم وھو أحد أكثر المخاوف البدائية المعروفة للإنسان و ربما أصعبھا فھما .
انتظم أسلافنا البدائيين في القدم في مجموعات من أجل الحماية . ولخلق نوع من حس التماسك أنشأوا جميع انواع قواعد السلوك ، و المحرمات ، والطقوس المشتركة . كما اخترعوا أساطير تتضمن تفضيل الآلھة
لقبيلتھم وأنھا مختارة لھدف عظيم . أولئك المنتمين إلى مجموعات أخرى لديھم طقوس وأنظمة عقائدية غير مألوفة ، بالإضافة إلى آلھتھم الخاصة وأساطيرھم الأصلية . أي أنھم غير نظيفون ، فھم يمثلون الآخر، كشيء مظلم ومخيف ويتحدى إحساس القبيلة بالأفضلية.
كان ذلك جزءا من درعنا النفسي لآلاف السنين ، وقد تحول الآن إلى خوف عظيم من الثقافات وطرق التفكير الأخرى.
بالنسبة للمسيحيين ، يتجسد ذلك المفھوم في كل الوثنيين. وعلى الرغم من تطور الحضارة على مدى آلاف السنوات ، لازال الأمر موجودا بداخلنا لھذا اليوم في صورة عملية ذھنية نقسم بموجبھا العالم بين ما ھو مألوف و غير مألوف ، نظيف و غير نظيف . كما طورنا أفكارا وقيما معينة نتآلف بموجبھا مع ھولاء الذين يتشاركون معنا تلك القيم ، مشكلين جزءا من
دائرتنا الداخلية و زمرتنا . لقد شكلنا مجموعات من المعتقدات الجامدة ، يمين أو يسار ، ھذا أو ذاك . وعليه أصبحنا نعيش بداخل رؤوسنا ، مع الأفكار ذاتھا مرارا وتكرارا ، ومحميين عن العالم الخارجي.
و حينما نواجه الناس أو الأفراد ممن يحملون قيما ومعتقدات مختلفة ، نشعر بالتھديد ، فتكون خطوتنا الأولى ليست فھمھم بل معاداتھم - ذلك الآخر الغامض . حيث نختار بدلا من ھذا أن نفھمھم من خلال واجھة مكونة من قيمنا الخاصة ونفترض أنھم يشاركوننا إياھا ، إذ نقوم ذھنيا بتحويل الشخص الآخر إلى شيء مألوف . ومع انھم قد يأتون من ثقافات مختلفة كليا ، إلا أنه بعد ھذا كله يجب أن يرغبوا بذات الأشياء التي نرغبھا
، الأمر الذي يعد فشلا من عقولنا في التحرك وفھم ما ھو خارج عنھا ، عجزھا  في أن تكون حساسة للاختلافات الدقيقة يجب أن يكون كل شيء إما ابيض أو اسود ، نظيف أو غير نظيف.



افھم ھذا : الاتجاه المعاكس ھو الطريق إلى القوة في ھذا العالم .
وھو يبدأ بجرأة أساسية  حيث لا تشعر بالخوف أو الإھانة من الناس الذين لديھم طرق مختلفة في التفكير أو التصرف ، وكذلك لا تحس بأنك أفضل من أولئك الموجودين في الخارج ، بل يجب في الواقع أن تستمتع بھذا التنوع . خطوتك الأولى ھي أن تفتح روحك لھذه الإختلافات ، أن تتفھم ما يجعل الآخر مميزا ، وأن تكتسب إحساسا بحياة الناس الخاصة وكيف يرون
العالم . وفقا لھذا الطريق ، عليك أن تعرض نفسك لدوائر أوسع فأوسع من الأشخاص وبناء علاقات مع تلك الشبكات المتعددة . إذ أن مصدر قوتك ھو الحساسية والقرب من ھذه البيئة الاجتماعية ، و ذلك عن طريق رصدك الجيد للاتجاھات والتغيرات في أذواق الناس قبل أي أحد آخر.
تزدحم مختلف الظروف في منطقة الجوار أكثر من أي مكان آخر ، حيث يواجھك باستمرار أشخاص بكل أنواع النفسيات المختلفة . وأي سلطة تحوزھا تعتمد على قدرتك على معرفة كل ما يدور حولك . أي أن تكون حساسا للتغيرات ، و واعيا لتنظيمات القوة التي تفرض من الخارج والداخل.
 لا يوجد وقت أو مجال للھروب إلى جزيرة أحلام داخلية ، عليك أن
تتمتع بحس طارئ للبقاء متصلا بالبيئة والناس المحيطين بك ، فحياتك تعتمد على ذلك.
نعيش الآن في ظروف مماثلة ، حيث يتم إلقاء جميع أنواع الناس على اختلاف ثقافاتھم وأمزجتھم معا . ولكن لكوننا نحيا في مجتمع يتميز بالرخاء الواضح والسھولة ، فإننا نفتقد الحس الطارئ للاتصال بالآخرين ، الأمر الذي يعد خطرا . ففي بوتقة الانصھار ھذه في العالم الحديث ومع تغير أذواق الناس بسرعة أكبر من أي وقت آخر ، يتوقف نجاحنا على قدرتنا
على التحرك خارج ذواتنا والتواصل مع الشبكات الاجتماعية الأخرى . عليك دائما أن تدفع نفسك نحو الخارج بأي ثمن ، وأن تصل إلى نقطة يكون عندھا أي إحساس بفقدان ھذه الصلة ببيئتك يترجم إلى شعور بالضعف والخطر. يتحول ھذا الخوف البدائي بداخلنا في النھاية إلى مرض ذھني
إنغلاق العقل عن أية أفكار جديدة وغير مألوفة . وقد تعلمت الشخصيات الجريئة عبر التاريخ على تنمية الاتجاه المعاكس ، روح منفتحة ، وعقل يتعلم باستمرار من التجربة .
 كمثال على ذلك ، انظر الى العالمة البريطانية العظيمة المتخصصة
في أنواع القردة العليا ( جين جودال ) ، والتي أدت أبحاثھا الميدانية إلى إحداث ثورة في أفكارنا حول الشمبانزي والقرود الأخرى.
أسس العلماء قبل عمل جودال أفكارا معينة متعارف عليھا حول كيفية عمل الأبحاث على الحيوانات من أمثال الشمبانزي .حيث تتم دراستھا غالبا في أقفاص تحت ظروف متحكم فيھا بشدة ، وفي حالات عرضية يقوم علماء القرود بإجراء الأبحاث عليھم في الطبيعة ، إذ يأتوا بحيل كثيرة لأغراء
الشمبانزي للاقتراب منھم بينما يبقوا مختبئين خلف نوع من الشاشات الواقية . مما يعني أنھم يجرون التجارب بواسطة خداع الحيوانات وتدوين رد فعلھا . و كان الھدف ھو الإتيان بحقائق عامة حول سلوك الشمبانزي . أي أن العلماء لا يمكنھم دراسة الحيوانات إلا من خلال البقاء على مسافة منھم.
لم تكن جودال قد تلقت تدريبا رسميا في العلوم ، عندما وصلت إلى ما يعرف الآن ب( تنزانيا ) من أجل دراسة الشمبانزي في الطبيعة . انطلاقا من العمل بنفسھا ، ابتكرت طرقا للبحث مختلفة كليا . إذ تعيش الشمبانزي في أبعد مناطق البلاد وھي خجولة بشكل ملحوظ . تتبعتھم من مسافة معينة ، وعملت بصبر لاكتساب ثقتھم . كما لبست بما يجعلھا غير ظاھرة لھم
مع حذرھا من النظر في أعينھم . و حينما تلاحظ عدم ارتياحھم من تواجدھا في المكان ، تتحرك بعيدا أو تتصرف كأنھا قرد موجود ھناك لمجرد البحث عن حشرا ت. تدريجيا وعلى مدى عدة أشھر ، استطاعت الاقتراب أكثر فأكثر . أصبح بإمكانھا الآن تمييز أفراد الشمبانزي التي كانت تراقبھم ، أعطتھم أسماء ، وھو أمر لم يحدث علميا من قبل ، حيث يتم تعريفھم دائما بالأرقام . مع ھذه الأسماء ، بدأت في اكتشاف فروقات دقيقة في سلوكھم الفردي ، فھم يتمتعون بشخصيات مختلفة كالبشر . بعد ما يقارب السنة من ھذا الإغراء البطيء ، بدأت القرود ترتاح لوجودھا وسمحت لھا بالتفاعل معھم ، وھو أمر لم يحققه أحد من قبل في تاريخ
دراسة القرود في الطبيعة.
يتطلب ما سبق درجة عالية من الشجاعة ، وذلك بسبب كون الشمبانزي ھو النوع الأشد مزاجية من بين أنواع القردة العليا ، وأكثر خطورة وعنفا من الغوريلا . بتفاعلھا معھم أكثر فأكثر، لاحظت تغيرا في شخصيتھا ھي الأخرى ، حيث كتبت إلى صديقة لھا ، أظن أن عقلي أصبح يعمل كالشمبانزي بشكل لا واع . وقد شعرت بھذا لأنھا طورت قدرة خارقة على البحث عنھم و إيجادھم في الغابة.
الآن وبعد حصولھا على مدخل إليھم ، أخذت في ملاحظة العديد من الظواھر الكامنة خلف المعلومات المتعارف عليھا في سلوك الشمبانزي . كان العلماء قد صنفوه كنباتي ، ولكنھا لاحظت قيامھم بصيد وأكل القرود . وعلى الرغم من اعتبار الإنسان الكائن الوحيد القادر على صناعة واستخدام الأدوات  ، إلا أنھا رأتھم ينحتون أدوات مسننة لالتقاط الحشرات لأكلھا كما شاھدتھم يؤدون طقوس رقص غريبة أثناء عاصفة مطرية . و رأت بعد ذلك حربا مروعة استمرت أربع سنوات بين مجموعات متنافسة . بالإضافة إلى ما سبق ، وثقت جودال سلوكا ميكافيليا غريبا وقاسيا بين الذكور المتصارعين على السيادة . وعلى كل ، فقد كشفت عن درجة من التنوع في
حياتھم العاطفية والذھنية والتي غيرت المفھوم ليس فقط بالنسبة للشمبانزي ولكن لجميع القردة والثدييات. كان لذلك تطبيقات ھامة فيما وراء مجالات العلم .
عندما تدرس موضوعا معينا ، فإنك وبشكل طبيعي تلقائي تبدأ بمفاھيم مسبقة عنه  حيث أعتقد العلماء أن الشمبانزي لديه نطاق محدود من السلوك ، لأن كل ما رأوه يفتقد الكثير جدا من الحقيقة المعقدة و بالتالي يبدأ عقلك في العمل ضمن منطقة مغلقة غير حساسة فعلا للاختلافات والفوارق ، مع خشيتك من تحدي افتراضاتك المسبقة . بدلا من ذلك عليك ان تكون مثل جودال ، أي أن تتحرر من ھذه الحاجة إلى التحكم وتضييق مجال رؤيتك . عند دراستك لفرد أو مجموعة ما يجب أن يكون ھدفك ھو الدخول في عقولھم ، خبراتھم ، وطريقتھم في النظر إلى الأشياء . لتفعل ھذا ، يجب أن تتفاعل معھم على قدم المساواة . وبھذه الروح المنفتحة الجريئة ستكتشف أشياء لم تشك حتى بوجودھا من قبل ، كما ستشعر بتقدير أعمق للأھداف من وراء تصرفاتك أنت أو الجمھور الذي تحاول الوصول إليه . و سيكون ھذا الفھم ھو القوة المحركة لھم.

القانون الخمسون 26

القانون الخمسون 26

الفصل السابع :
اعرف بيئتك من الداخل والخارج (الاتصال)


يفكر معظم الناس أولا بما يريدون قوله أو فعله ، ثم إيجاد جمھور لفكرتھم . عليك أن تعمل من الزاوية المعاكسة، التفكير بالعامة أولا . يجب أن تركز
انتباھك على حاجاتھم المتغيرة ، والاتجاھات التي تتخللھم ، حيث إن البدء بمتطلباتھم يجعلك تصنع اللوازم المناسبة.
لا تخش انتقادات الناس ، فبدون رد الفعل ھذا سيكون عملك وھميا و شخصيا جدا . يجب أن تحتفظ بأقرب علاقة ببيئتك قدر الإمكان وتكتسب إحساسا داخليا بما يحدث حولك . لا تفقد الاتصال بقاعدتك ابدا.

اقتصاديات الجوار

اعرف أن أھل الحي يعلمون بأن روحي لم تغادر المكان أبدا ، ولن أغادره جسديا أبدا بعد اليوم أكثر مما كان علي تركه. كما اتمتع بغريزة الحي حيث أستطيع على سبيل المثال معرفة التوتر الكامن وراء الوضع الطبيعي للناس ، ويمكنني التحدث بلغة الحي وفھمھا.
مالكوم اكس
من خلال بدايته كتاجر مخدرات في عمر الثانية عشر ، واجه كرتس جاكسون عالما متوحشا يحتوي كل أنواع المخاطر. كان الجانب التجاري للاحتيال سھل المعرفة نسبيا ، من حيث الاشخاص ، الممثلين المتعددين في اللعبة ، المحتالين المنافسين ، تجار الوقت الحرج ، و رجال الشرطة الذين قد يكونوا مخادعين . ولكن الأغرب والأقسى من ھذا كله ھو عالم متعاطي المخدرات أنفسھم ، وھم الزبائن الذين تتوقف عليھم تجارته . سلوكھم كان غريبا وحتى مخيفا بعض الشيء.
مع وجود المحتالين الخصوم و الشرطة ، تمكن كرتس من إدراك طريقتھم في التفكير ، لأنھم كانوا جميعا يتصرفون بدرجة من العقلانية ، ما عدا مدمني المخدرات المحكومين بحاجاتھم والذين قد ينقلبون إلى غير ودودين أو عنيفين في أية لحظة .
نشأ لدى العديد من المتعاملين نوع من الخوف من المدمنين ، إذ يرون فيھم الضعف والتبعية التي تصيب أي شخص استسلم للإدمان .
يعتمد المحتال على ذھنه الحاد كشفرة الحلاقة ، لدرجة أن مجرد الرغبة في استخدام المخدرات تدمر ھذه القوة وتقوده للاسفل في منحدر زلق نحو التبعية . لذلك فإن بقاءه كثيرا بجوار المدمنين قد يجعله متعاطيا ھو الآخر.
فھم كرتس ھذا وحافظ على ابتعاده عنھم ، إلا أن ھذا الجانب من الاحتيال أزعجه.
في إحدى المناسبات ، أخذ المدمنون يتجنبون كرتس فجأة ولم يستطع معرفة السبب . كل ما عرفه ھو أنه لا يستطيع بيع دفعة خاصة به من المخدرات لأحد . في ظل ھذا الوضع ، فإن مصدرا او علاقة أعلى ستمنحه المخدرات مجانا ، حينما يبيع الكمية بأكملھا سيرجع مبلغا محددا من الحصيلة إلى المصدر ويحتفظ بالباقي كربح . ولكن يبدو ھنا أنه لن يكسب
ما يكفي للدفع إلى المصدر ، مما قد يسبب أضرارا لسمعته ويقوده إلى كافة أنواع المشكلات ، و ربما يضطر للسرقة من أجل الحصول على المال.
 و مع شعوره باليأس نوعا ما ، إلا أنه دخل في وضعية الاحتيال الكامل : أخذ يعمل ليلا ونھارا ، عارضا جميع انواع التخفيضات وكل ما يتطلبه الأمر لتفريغ شحنة المخدرا ت.
قرر أن يكسب ما يكفي فقط لإرجاع المبلغ ، ولكن تبين له بعدئذ أن الصفقة خاسرة . ربما كانت الدفعة التي يبيعھا ذات جودة سيئة ، ولكن كيف سيخبر الشخص الأعلى منه في عملية البيع ؟ وكيف يمكنه منع حدوث ذلك مرة أخرى ؟.
في أحد الايام ، طلب نصيحة رجل يدعى ( دري ) وھو محتال قديم استمر في تجارة المخدرات في الشوارع لمدة طويلة غير اعتيادية . يعتبر الأخير أيضا رجل أعمال بارع ( درس الاقتصاد في السجن بنفسه ) ، وبدا أنه يتمتع بعلاقة جيدة بشكل خاص مع المدمنين . فسر دري لكرتس ذلك وفقا لخبرته بأنه يوجد نوعين من المحتالين في ھذا العالم ، ھولاء الذين يبقون
في الخارج وآخرون يتحركون نحو الداخل . لا يزعج النوع الخارجي نفسه بتعلم أي شيء حول زبائنھم فكل ما يھمھم ھو المال والأرقام ، وليست لديھم اية معرفة بعلم النفس أو الفروق الدقيقة المتعلقة باحتياجات الناس ومتطلباتھم . فھم يخشون الاقتراب كثيرا من الزبائن ، الأمر الذي قد يرغمھم على إعادة النظر في أفكارھم و وسائلھم . أما المحتال المتفوق
فيتحرك نحو الداخل ولا يخشى المدمنين ، اذ يرغب في اكتشاف ما يدور في رؤوسھم .
 لا يختلف متعاطي المخدرات عن أي أحد آخر ، فلديھم مخاوف وتصيبھم نوبات الملل و يمتلكون حياة خاصة كاملة .
لأنك تبقى في الخارج ، قال لكرتس ، فلا ترى كل ھذا واحتيالك لا يعدو أن يكون آليا بحتا وميتا.
لترفع مستوى لعبتك ، أوضح له دري ، عليك أولا ان تطبق واحدة من أقدم خدع المحتالين المعروفة - وھي الاختبار ، ويقصد به التالي : عندما تحصل على دفعة مخدرات وزع جزءا منھا مجانا لمدمنين معينين ، وعليھم أن يخبروك في الموقع نفسه اذا ما كانت البضاعة جيدة أم رديئة . اذا كان رد فعلھم إيجابيا سينشروا الأمر من خلال شبكاتھم ، و ستكون
ھذه التقارير أشد مصداقية بكثير فھي آتية من متعاط زميل ، أكثر من تلك الصادرة من محتال يروج لبضاعته . أما في حالة رد الفعل السلبي ، فعليك أن تقوم بالتعديل وإيجاد طريقة لقطع الصفقة وعرض ما يسمى
 ب " الأوھام " ) وھي عبارة عن مظھر لصفقتان ھما في حقيقتھما صفقة واحدة ، وتكون الكبسولات ببساطة محشوة بالتراب  ، وأي شيء آخر من
شأنه تفريغ البضاعة . ولكن يجب أن يكون عملك دائما على ضوء ردود الفعل على منتجك ، وإلا فلن تستطيع العيش في ھذه الشوار ع.
بمجرد أن تؤسس ھذا النظام ، استخدمه لترسيخ علاقاتك مع اشد المدمنين ثقة . حيث يزودونك بمعلومات ثمينة حول أي نوع من التغيير يحدث في الأذواق ، و تحصل من خلال الحديث معھم على كافة أنواع الأفكار لأنماط التسويق والجوانب الجديدة للاحتيال ، حيث تكتسب إحساسا بكيفية تفكيرھم  انطلاقا من ھذا المركز الداخلي ، ستنفجر اللعبة بكاملھا إلى شيء مبتكر وحي ذو احتمالا ت.
اعتمد كرتس سريعا ھذا النظام ، واكتشف بعد فترة قصيرة بأن مدمني المخدرات لم يكونوا كما تخيلھم ابدا . فھم يكونوا غائبين عن الوعي فقط عندما لا تكون منتظما في التعامل معھم .اذ يقدرون السھولة والصفقات السريعة ، ويرغبون بشيء جديد بين الحين والآخر واحبوا فكرة أي نوع من الصفقات. مع ھذا الكم المتنامي من المعرفة ، استطاع أن يلعب على
أوتار حاجاتھم ويتلاعب بمتطلباتھم . كما اكتشف شيئا آخر ، وھو أن قضاءھم الكثير من الوقت في الشوارع جعلھم مصدرا عظيما للمعلومات حول ما يجري مع الشرطة أو مواطن الضعف لدى المحتالين المنافسين . إن معرفة الكثير عن الجوار منحه شعورا بقوة عظيمة . وقد طبق لاحقا
الاستراتيجية ذاتھا على الموسيقى والحملة الخاصة بألبومه المنوع في شوارع نيويورك . ومن خلال الاحتفاظ بعلاقة قريبة من أذواق معجبيه ، يمكنه تكييف موسيقاه بما يناسب استجابتھم وتكوين صوت ذو جاذبية عميقة ، شيء لم يسبق لھم أبدا ان سمعوه.
بعد النجاح المميز لأول البومين تجاريين له ، وقف كرتس( أصبح يعرف الآن ب 50 سنت ) على قمة عالم الموسيقى ، ولكن إحساسه بالاتصال الذي كان حيويا في الشوارع أخذ يتلاشى في ھذه البيئة الجديدة التي استوطنھا . كان محاطا بالمتملقين الذين أرادوا أن يكونوا ضمن حاشيته ، المدراء ، و رجال الصناعة الذين لم يروا فيه إلا علامات الدولار . حيث
اقتصرت معاملاته الرئيسية مع الاشخاص في عالم الشركات أو النجوم الآخرين ، ولم يعد بمقدوره بعد الآن التسكع في الشوارع أو الاطلاع فورا على الاتجاھات التي تبدأ في الظھور . كل ھذا يعني أنه يطير أعمى بموسيقاه ، غير متأكد فعلا من أنھا ستتصل بجمھوره ، الذين ھم في الحقيقة مصدر طاقته و روحه ، إلا ان المسافة اللي تفصلھم عنه كانت تزداد .
بدا له أن النجوم الآخرين لا يكترثون بھذا ، بل إنھم مستمتعين بالحياة داخل ھذا النوع من فقاعة الشھرة ، وخائفين من الھبوط مجددا على الأرض . أما فيفتي فقد أحس بعكس ذلك ، ولكن يبدو أنه لا مخرج من الأمر.
ثم في مطلع عام 2007 ، قرر أن ينشأ موقعه الالكتروني الخاص . حيث اعتبره وسيلة لترويج موسيقاه وتسويقھا مباشرة للعامة ، و من دون واجھة علامته الموسيقية التي تبين له أنھا متخلفة نوعا ما عن التوافق مع عصر الانترنت.
سرعان ما حول ھذا الموقع الإلكتروني نفسه إلى موقع تواصل اجتماعي ، كالفيس بوك بالنسبة لمعجبيه . وكلما نقب فيه أكثر ، يشتد إحساسه بأنه يمثل أكثر من مجرد حيلة تسويقية ، فھو قد يكون الأداة القصوى لإعادة الاتصال بجمھوره. ، قرر أن يبدأ بالتجربة أولا . عند تجھيزه لإطلاق البوم ل( جي يونيت ) في صيف عام 2008 سرب إحدى الأغنيات على الموقع في ليلة جمعة ، وفي اليوم التالي أخذ يحدث صفحة التعليقات كل بضع دقائق متتبعا ردود الأعضاء عليھا . بعد عدة مئات من التعليقات أصبح واضحا أن التقييم سلبي : حكموا بأن الأغنية ناعمة جدا ، وأنھم أرادوا وتوقعوا شيئا أكثر قوة من تسجيلات جي يونيت . انطلاقا من الأخذ بانتقاداتھم ،
استبعد تلك الأغنية وأطلق أخرى ، صانعا فيھا الصوت القوي الذي طلبوه . وكانت ردود الافعال ھذه المرة إيجابية للغاية.
استتبعت التجربة السابقة المزيد من التجارب ، حيث قام بوضع أحدث أغنية لخصمه الرئيسي في المجال ، متمنيا قراءة التعليقات السلبية من معجبيه . ولكنه فوجئ بأن الكثير منھم أعجبتھم الأغنية . دخل في نقاش الكتروني معھم ، فاتحا عينيه على التغيرات في أذواق الناس ولماذا أصبحوا مبتعدين عن موسيقاه ، الأمر الذي أجبره على إعادة النظر في اتجاھه.
لجذب المزيد من الناس إلى موقعه ، قرر أن يكسر المسافة في كلا الاتجاھين . قام بنشر مدونة شخصية عنه ثم أجاب على تعليقات معجبيه ، فاحسوا بوجود جسر كامل يربطھم به . و باستخدام أحدث التطورات في تكنولوجيا الھاتف المحمول ، أخذ الأمر إلى أبعد من ذلك . حيث أخذ فريقه بتصويره في كل مكان يذھب إليه ، وكان يتم بث ھذه الصور بشكل حي
ومباشر على الموقع ، مما أدى إلى ازدحام شديد عليه وثرثرة الكترونية ، اذ لم يكن المعجبون يعرفون متى تحدث ھذه اللحظات ، لذلك كانوا مجبرين على التأكد خلال فترات منتظمة ، محاولين التقاط تلك اللحظات العفوية . وھم يتمسكون بتفاھاتھم احيانا ويفتعلون دراما في أوقات أخرى بسبب ميل
فيفتي للمواجھة . أي ان العضوية في الموقع تطورت على قدم وساق.
بتطور الموقع ، اصبح مشابھا بشكل غريب لعالم الاحتيال الذي صنعه لنفسه في شوارع ساوث سايد كوينز . أصبح بإمكانه إنتاج عينات اختبارية ( اغاني للتجربة ) لمعجبيه الذين كانوا كمدمني المخدرات ، متلھفين دوما لكل إصدار جديد لفيفتي ، مع حصوله باستمرار على تعليقات بشأن جودتها.
استطاع تطوير الإحساس بما كانوا يريدونه وكيف يتلاعب بمتطلباتھم . لقد تحرك من الخارج إلى الداخل وصارت لعبة الاحتيال ذات حيوية أكبر ، وعلى نطاق عالمي ھذه المرة.