14‏/05‏/2019

حتي يغيروا ما بأنفسهم 7

حتي يغيروا ما بأنفسهم 7
مجال كل من التغييرين
تغيير الله وتغيير القوم

إن مجال التغيير الذي يحدثه الله ، هو ما بالقوم ، والتغيير الذي أسنده الله إلى القوم ،مجاله ما بأنفس القوم .

« ما بقوم » يشمل الكثير ، ويشمل أول ما يشمل ما يمكن أن يلاحظ ويرى من أوصاف المجتمع ؛ من الغنى والفقر ، والعزة والذلة ، والصحة والسقم . وينبغي أن نتذكر هنا ، أن القصد ليس الفرد ، كل فرد بذاته ، وإنما المجتمع العام . وأن التغيير الذي يحدثه الله من الصحة والسقم ، والغنى والفقر ، والعزة والذلة ، إنما يعود إلى القوم بمجموعهم لا إلى فرد محدد .

وأما التغييرات التي يحدثها الأقوام ، فإن الله تعالى علَّقها بما بالأنفس .
إن المراد بما بالأنفس : الأفكار ، والمفاهيم ، والظنون ، في مجالي الشعور واللاشعور .

 وملاحظة الارتباط بين التغييرين ، وتمكُّن الإنسان من استخدام سنن التغيير ، يعطي للإنسان سيطرة على سنَّة التاريخ ، وسيطرة على صنعه وتوجيهه .

وفي الواقع إن ابن خلدون لمح هذا الجانب ببصيرة نفَّاذة

وابن خلدون له من التطلع إلى ما وراء الأحداث من أسباب ، سواء كانت هذه الأحداث دولاً ومللاً ، وعزَّة وذلة ، وكثرة وقلة . فإن ما يذكره ابن خلدون هو هذه الأشياء الظاهرة مما بالقوم ، من غنى وفقر ، وصحة وسقم ، وعزة وذلة .

فهذه الأشياء هي التغيير الذي يحدثه الله في نص الآية . وابن خلدون صار له من التطلع إلى مبررات ومسببات هذه النعم والنقم ، لما بالأقوام والدول والملل ، ما دعاه إلى أن يُعمل فكره فوصل إلى ما وصل إليه وهو يقول في ذلك :
« فإن التاريخ في ظاهره ، لا يزيد على أخبار من الأيام والدول … وفي باطنه نظر وتحقيق ، وتعليل للكائنات ومباديها دقيق … وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق ، فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق ، وجدير بأن يعد في علومها وخليق » .

فهذا الذي يسميه ابن خلدون باطن التاريخ ؛ هو الذي سميناه القسم الخاص بالأقوام ، في تغيير ما بالأنفس مما أقدرهم الله عليه ، وعلى أساسه حملهم أمانته . وابن خلدون يربط التغيير الأول بالتغيير الثاني ،
ولهذ قال بن خلدون في عبقرية نفاذه عن المؤرخين واستيعابهم للأخبار وجمعهم لها :" ...وأدوها إلينا كما سمعوها ولم يلاحظوا أسباب الوقائع والأحوال ولم يراعوها فالتحقيق قليل . والتقليد في الآدميين عريق وسليل . والتطفل علي الفنون عريض وطويل.

إن ابن خلدون جعل محور بحثه عن الدول ، ولكن إدراك الموضوع على أساس الحضارة ، ينطبق عليه نفس النظر . وهذا ما يحتاج إليه العالم الإسلامي لبحثه كثقافة حضارة لا كدولة ، إذ الدولة جزء من الحضارة ونتاج لها .
وما أحوج العالم الإسلامي والعالم كله ، إلى بذل ما يستحقه البحث في أصول الحضارة في هذا العصر ، كما فعل ابن خلدون ، مع اختلاف المستوى ، ولكن الروح التي بدأ بها ابن خلدون بحثه ، هي التي تجعل كل من ينظر إليه لا يتمالك من الإعجاب مع قصور كثير من أمثلته ومباحثه قال :
(ولما طالعت كتب القوم ، وسبرت غَوْرَ الأمس واليوم ، نبَّهتُ عَيْنَ القريحة من سنة الغَفْلةِ والنوم .. فأنشأتُ في التاريخ كتاباً ، ورفعت به عن أحوال الناشئة من الأجيال حِجَاباً ، وفَصَّلتُهُ في الأخبار والاعتبار باباً باباً ، وأبديتُ فيه لأولية الدول والعمران عللاً وأسباباً ، فذهبت مناحيه تهذيباً ، وقربته لأفهام العلماء والخاصة تقريباً ، واخترعته من بين المناحي مذهباً عجيباً ، وطريقة مُبْتَدَعَةً وأسلوباً ، وشرحت فيه من أحوال العُمران والتمدن ، وما يعرض في الاجتماع الإنساني عن العوارض الذاتية ما يُمتعك بعلل الكوائن وأسبابها ، ويُعرفك كيف دخل أهل الدول من أبوابها ، حتى تنزع من التقليد يدك ، وتقف على أحوال من قَبلكَ من الأيام والأجيال وما بعدك ) .

حتي يغيروا ما بأنفسهم 6

حتي يغيروا ما بأنفسهم 6
في الآية تغييران
تغيير الله وتغيير القوم

في الآية ترتيب
بين حدوث التغييرين
والتغيير الذي ينبغي أن يحدث أولاً ، هو التغيير الذي جعله الله مهمة القوم وواجبهم
وإن حدوث أي تهاون في الخلط بين التغييرين ، وإدخال التغيير الذي يحدثه الله بالتغيير الذي يقوم به القوم ، أو العكس ، يفقد الآية فعاليتها ، وتضيع فائدة السنة الموجودة فيها .

والرجاء ، بأن يحدث الله التغيير الذي يخصه ، قبل أن يقوم القوم (المجتمع) بالتغيير الذي خصَّهم الله به ، يكون – هذا النظر – مخالفاً لنص الآية ، وبالتالي إبطالاً لمكانة الإنسان ، وأمانته ، ومسؤوليته ، ولما منحه الله من مقام الخلافة على أرضه .

وعلينا أن نؤكد هذه القواعد دون كلل أو ملل ، لأن عدم الانتباه إليها فاشٍ بين الناس ، والذين ينتبهون إليها ،لا يعطونها قدرها

حتي يغيروا ما بأنفسهم 5

حتي يغيروا ما بأنفسهم 5
سنة دنيوية لا أخروية
لا تتوجه الآية إلى المشكلة الأخروية والحساب الأخروي . وإنما تتوجه إلى المحاسبة الدنيوية الاجتماعية .

المقصود هو التنبيه إلى مجال السنن وحدودها . وأن مضمون هذه الآية في محاسبة الناس ، أو محاسبة المجتمع ، وتغيير ما بالمجتمع على أساس العمل الجماعي وفي الدنيا أيضاً . وأن التغيير المراد في الآية ، هو التغيير الذي يحدث في الدنيا .

وهذه الملاحظة تبين أن المحاسبة في الدنيا جماعية ، ومحاسبة الآخرة فردية .
قال تعالى :
« واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب » الأنفال – 25 .
فحين تنزل المصيبة على المجتمع المقصر فأنها تعم أفراداً لم يكونوا مقصرين ، وبالمقابل قد يسعد أفراد مقصرون في المجتمع السليم .

ويدل على هذا أيضاً حديث الرسول صلى الله عليه وسلم لما سئل : « أنهلك وفينا الصالحون ؟ قال : نعم إذا كثر الخبث » وهذا واضح في أن محاسبة المجتمع في الدنيا جماعية كما أن المصيبة تعم الجميع وكذلك النعمة .

وينبغي أن يفهم ذلك في حدود المجتمع .

08‏/05‏/2019

حتي يغيروا ما بأنفسهم 4

حتي يغيروا ما بأنفسهم 4
سُنَّةُ مُجْتَمَعٍ لا سُنَّةُ فَرْدٍ
كذلك إن الآية ، حين تبين هذه السنة ، تبين أنها ، سنَّة اجتماعية لا سنَّة فردية ، بمعنى أن كلمة « بقوم » تعني الجمع أو الجماعة التي يطلق عليها أمَّة ، أو مجتمع .

ولكي نقرب الموضوع إلى الأذهان أكثر نقول : إن الله تعالى يقول :
« إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين وإن يكن منكم مئة يغلبوا ألفاً من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون . الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً فإن يكن منكم مئة صابرة يغلبوا مشتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين » الأنفال – 66 - .
نفهم من هذه الآية أن صبر عدد قليل كعشرة أمام ألف لا يشترط إحراز النصر ، فكأن الآية تتحدث عن توازن في الكم والكيف ضمن حدين . ويمكن الاختلاف على اعتبار أن العدد لا مفهوم له . ولكن الذي لا يمكن الخلاف عليه هو اعتبار التوازن في الكم والكيف ، وزيادة الكم حين يضعف الكيف ، وهذا واضح في قوله تعالى :
« الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً فإن يكن منكم مئة صابرة يغلبوا مئتين » ، بعد أن كانوا يغلبون ألفاً .
فمن هنا نفهم ، أن الغلب أو النصر الذي يحرزه المجتمع ، أو الأمة المخاطبة بقوله : (منكم) لا يتم بثبات فرد ، أو بأن يكون ما بنفس فرد قد تغير ، إذ لا بد من ثبات عدد معين ، له حد أدنى وأعلى ، وإن كانت آية الأنفال هذه تحدد الكم ، وتدخل عامل الكيف ، الذي جاء بحثه في موضوع خاص ألا وهو الثبات في المعركة . إلا أن هذه الخصوصية ليست محصورة في المعركة القتالية ، فمعارك الحياة كثيرة ، فمعركة بناء المجتمع كذلك تحتاج إلى التوازن نفسه .

ومعركة التعامل مع سنن الله على أساس الوعي ، أمر يشمل الكافرين والمؤمنين ، وأن الفقه لسنن الله يعطي النتائج حتى للكافرين ، ولهذا لما قال تعالى :
« يغلبوا ألفاً من الذين كفروا » أعقبه بقوله « بأنهم قوم لا يفقهون » فهذا يدل على تدخل فقه الكافرين أيضاً ، كماً وكيفاً ، ولاسيما الفقه لسنن الحياة الدنيا كما سنبحثه فيما يأتي ، لأن الله يمد المؤمنين والكافرين :
« كُلَّاً نُمِدُّ هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظوراً » . الإسراء – 20 - .
وهذا النظر إلى الموضوع يبين ، خطورة أن يبقى في المجتمع أعداد ، مهما كانوا قلة ، لا يتمتعون بالوعي التام لقضايا المجتمع . وكذلك ، خطورة عدم وجود العدد الكافي ، أو الحد الأدنى ، من الذين يعون الأمور على هذا الأساس من النظر . وإدراك ضرر وجود غير الواعين في الأمة ، يولد لدى المجتمع شعوراً بالخطر ، أن يكون المركب الذي يسير بالمجتمع ، يحتوي على نماذج لا تعرف سنن طفو الأجسام على الماء ، فيسعون بحسن نية، أو سوء نية ، لخرق السفينة ، كما ورد في الحديث الشريف الصحيح .

علينا أن ندرك ؛ أن التوازن الدقيق في وعي المجتمع ، يتأثر كما يتأثر توازن المركب ، بحيث لو أن ذبابة وقعت على طرف المركب ، أثرت في توازنه مهما كان التأثير ضئيلاً . كما أن الجسم الإنسان نفسه ، قائم على مثل هذا التوازن الدقيق في عوامل الصحة والمرض ،

وإدراك الموضوع بهذا المستوى ، يجعل المرء يشعر بقشعريرة حين يتذكر أنه سيسأل عن عمره فيم أفناه ، هذا العمر الذي يبعثره . وسيسأل عن الإمكانات الأخرى التي أهملها وضيعها حين لم يسع إلى تحويل ما أودع الله في نفسه من إمكانيات بالقوة إلى إمكانيات بالفعل .

حتي يغيروا ما بأنفسهم 3

حتي يغيروا ما بأنفسهم 3
سُنَّةٌ عَامةٌ للبَشرِ
إن السنة الموجودة في الآية ، سنة عامة تنطبق على كل البشر ، وليست خاصة بالمسلمين ولا بغيرهم وإنما هي عامة .


ولكن المسلم لا ينظر عادة ، إلى مشكلة المسلمين بهذا المنظار الذي يجعل المشكلة الإسلامية خاضعة لسننٍ عامة تشمل البشر جميعاً . فهو يرى أنه ينبغي أن تكون مشكلة المسلمين غير خاضعة لما يخضع له سائر البشر في مشكلاتهم ، ويفعل المسلم هذا حين يفعل ، بروح من التسامي والتقديس . ذلك أنه يظن أن رفع شأن المسلمين إنما يكون بعدم خضوعهم للسنن التي يخضع لها سائر البشر .

فأمامنا تجارب القرون الماضية ، تجارب كثيرة تظهر فيها سنن التغيير الأقوام ، التي يخضع لها المسلمون أيضاً ، كأي قوم من الأقوام .
وفي الواقع ، إن هذا النظر القرآني يجرد الإنسان ملابساته ، ويرجعه إلى أصله المجرد الذي يخضع للسنن .
فإذا حصَّلنا هذا النظر نكون قد أخرجنا المشكلة من مجال الغموض والتكهنات ، إلى مجال الرؤية الواضحة ، التي يُمكن النظرُ إليها كمشكلةٍ إنسانية ، لا على أنها مشكلة مبادئ ، بمعنى أن ننظر إلى الموضوع كمشكلة مجتمع ، لا كمشكلة دين وعقيدة . وبعبارة أخرى كمشكلة بشرٍ مسلمين لا مشكلة إسلام .

وينبغي أن أنبه هنا إلى أمرين أيضاً :
الأول : حين نقول مشكلة عامة .
في الواقع إن المشكلة عامة ، لأن السنَّة لا تكون سنَّة إلا إذا كانت عامة ، ولكن ليس معنى هذا ، أن مشكلة المسلمين لا تتميز بخصوصية ، من حيث العوارض ، والملابسات الخاصة ، التي ينبغي أن يراعيها المسلم حين يأخذ في معالجة المشكلة ، إلا أن قصدي هنا أن لا يختلط على المسلم القاعدة العامة التي يخضع لها كل الأقوام ، مع الأمر الخاص الذي يخص المسلمين . فمثلاً قد يكون الانخداع بالوهم والتعلق به مما يحول بينهم وبين رؤية طريق الصواب وهذا سنَّة عامة في البشر . ولكن لا يشترط أن يكون الوهم الذي يتعلق به كل قوم ، نوعاً واحداً من الأوهام ، بل يمكن أن تكون أوهاماً متعددة ، ولكن سنَّة التعلق بالوهم واحدة ، وإن كان نوع الوهم مختلفاً . فعلينا أن نراعي هذا في بحث مشكلة المسلمين .
الثاني : حين نقول : إن المشكلة مشكلة إنسان ، لا مشكلة عقيدة ، كذلك في حاجة إلى تفصيل ، وذلك لأن شرعة القرآن ، وإن كانت حقاً ، إلا أن فهم المسلمين لهذه الشرعة ، وهذا المنهاج في جميع نواحيه ، ليبست في أذهان المسلمين على أصالتها ووضوحها ، وأحياناً يكون فهمهم لها على عكس حقيقتها ، فمن هنا تظهر الحاجة إلى تغيير ما بأنفس المسلمين عن الإسلام ، في قليل أو كثير ، ولاسيما بعد هذا الكود الطويل ، الذي جعل كثيراً من الخرافات والنظرات الخاطئة تحمل قوة قداسة الإسلام والقرآن عند المسلمين .

فهذه المعرفة الواضحة ، لما حدث من التغيير البطيء سابقاً ، وما يحدث من التغيير السريع لاحقاً ، أمر ضروري للسيطرة على التغيير الذي نريده نحن .
1- فلا بد من معرفة سنن التغيير لما بالأنفس .
2- كما لا بد من معرفة ما ينبغي أن نغيره ، من الأوهام ، وما ينبغي أن نثبته من الحقائق .
3- ومعرفة ، مَنْ هؤلاء الذي ينبغي أن نجري على ما بأنفسهم هذا التغيير ، وإن اختلفت معادلتهم الشخصية وبيئتهم ، إذ أنهم مشتركون في أصل البلاء .
فهذه المعرفة المفصلة أمر لا بد منه للبدء في أية عملية تغيير جاد .


حتي يغيروا ما بأنفسهم 2

حتي يغيروا ما بأنفسهم 2
من تقديم مالك بن نبي

إن كلَّ قانون يفرضُ على العقل نوعاً من الحتمية تُقيدُ تصرفهُ في حدود القانون .
فالجاذبية قانون طالما قيد العقل بحتمية التنقل براً أو بحراً . ولم يتخلص من هذه الحتمية الإنسان بإلغاء القانون ، ولكن بالتصرف مع شروطه الأزلية بوسائل جديدة تجعله يعبر القارات والفضاء ، كما يفعل اليوم .

فإذا أفادتنا هذه التجربة شيئاً ، إنما تُفيدنا بأن القانون في الطبيعة ، لا ينْصِبُ أمام الإنسان الدائب استحالة مطلقة ، وإنما يواجهه بنوع ن التحدي يفرض عليه اجتهاداً جديداً للتخلص من سببيةٍ ضيقة النطاق .


مدخَل


وكذلك من المفارقات ، أن نتطلع بشوق إلى تغيير الواقع ، دون أن يخطر في بالنا ، أن ذلك لن يتم ، إلا إذا حدث التغيير قبل ذلك ، بما بالأنفس . ونحن مطمئنون إلى ما بأنفسنا ، ولا نشعر أن كثيراً مما فيها ، هو الذي يعطي حق البقاء لهذا الواقع الذي نريدُ أن يزول ، ونحن نشعرُ بثقلِ وطأتهِ علينا ، ولكن لا نشعرُ بمقدار ما يساهم ، ما في أنفسنا ، لدوامه واستمراره .


وعجز المسلمين أن يعيشوا وفقاً للعقيدة الإسلامية ، مشكلة لا يجتاح إثباتها إلى بذل جهد كبير .

إن الذين لا يرون أن للمشكلة قوانين ، أو يفرضون لها تفاسير خاطئة ، لا يمكن أن يصلوا إلى نتائج . فعدم اعترافهم بالقانون لا ينفي القانون ؛ وإنما يمنعهم من السيطرة عليه وتسخيره ، ويجعل منهم أداة يلعب بها الآخرون الذين علموا القوانين الصحيحة .

وكما يمكن استخدام الحجر الصحي لإيقاف الأوبئة في مستوى المرض الصحي ، يمكن استخدامه في مستوى المرض الاجتماعي . كما يمكن إعطاء اللقاحات والمناعات الفكرية ضد أفكار مرضية .

إن القرآن الكريم ، يذكر المرض في القلب في عدة مواضع ، ولكن لا يذكره على أساس أنه مرض عضوي في جسم الفرد ، وإنما على أساس أنه مرض اجتماعي في نفس المجتمع . وحين يذكر مرض القلب ، لا يعني به ما يمكن أن يصاب به من روماتيزم ، أو تسارع ، أو انسداد الشريان الذي يغذي القلب ، مما يحدث الموت المفاجئ بالسكتة القلبية ، وإنما يقصد القرآن بمرض القلب ؛ مرضاً « فكرياً » يصيب الإنسان في علاقته بالمثل الأعلى ، مما يجعل الشخص عاجزا عن القيام بأداء وظيفته الاجتماعية في جسم الأمة

والآن : إن معنى القانون والتسخير ، الذي يمكن إدراكه في مستوى سلامة الجسد ، يجب أن ينتقل إلى مستوى سلامة المجتمع .

ويقول الكاتب الجزائري مالك بن نبي ، في هذا الموضوع في مستوى الآلة المادية : (فقد تعودنا بالنسبة إلى الآلة على الواقع القائم في أن عمله لا يمكنه أن يتحقق إذا نقصتها (حزقة) أو صامولة . ولكننا لم نُقرَّ في أذهاننا نفس القاعدة بالنسبة إلى العمل البشري ، بينما يبدو جيداً في حالات معينة . أن الإنسان تنقصه هذه الصامولة (الحزقة) بالذات حيثما فقد نشاطه ، تَمكُّنه من الأشياء ، فكان نشاطاً رخواً ، آو هو لا يندمج بطريقة منتظمة مع النشاط المشترك للجماهير)(1) .

يقول صلى الله عليه وسلم في التشبيه الأول : « أن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدُّ بعضه بعضا . ثم شبك بين أصابعه » .

ويقول في التشبيه الثاني : « ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضواً تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى »(1) .

والرسول صلى الله عليه وسلم ، يضرب مثلاً آخر تمتزج فيه السنَّة المادية بالسنَّة الاجتماعية ، في مثل السفينة وركابها ، وعلاقة سنن المركب بسنن المادة تارة ، وبسنن البشر تارة أخرى . هذا المثل يذكره الرسول صلى الله عليه وسلم ليبين أن للمجتمع قانوناً يترابط به ليحميه من الغرق .

وكلما تعود الإنسان التعامل مع السنن ، ازداد ثقة وطمأنينة .

أن هدف الإنسان في هذا المجتمع استئناف حياة إسلامية ، ووسيلته كل ما يمكن أن يصل إليه فكره ويده .


إن النظرات الخاطئة التي تعرقل الحركة ، وتوقف السير ليست كبيرة ضخمة ، ولكنها دقيقة لا يقف الفكر عندها ، بل يتجاوزها قفزاً دون أن يلمحها ، ولكن هذه الغفلة اليسيرة توقف سير التاريخ ،

 كما يقول محمد إقبال :
لحظةً يا صاحبي إن تَغْفُلِ            ألفَ ميلٍ زاد بُعدُ المنزلِ
فالإنسان يتجاوز الخطأ الدقيق في حركته المهتاجة الشغوفة إلى الهدف ، ولكن الصدمة تكون محيرة إلى درجة كبيرة ، مما تجعل الصفوة تقابل مثل هذا الموقف بقولهم : (أنَّى هذا ؟) آل عمران – 165 - .
فكما لم يلاحظ الإنسان الشروط الدقيقة الواضحة والخفية بآن واحد ، أثناء هجمته ، فكذلك يعجز أن يلاحظها في مأساة تحطمه بعد أن يُخفق ، فلا يظن أن ذلك الذي لم يلمحه هو سبب هذا التحطم الشديد ، أو البعد الكبير عن الهدف .
إن السلوك الذي ينتج عن مثل هذه الخبرات ، حين يفقد مراعاة السنن ؛ سلوك يتسم بالحذر والحيرة ، وعدم الثقة ، والعجز مع الحقد ، بينما إدراك سنن الانتقال من الموجود إلى المقصود بصورة محددة ، يقي الإنسان من هذه المضاعفات ، فلا يجعله يظن بنفسه ما لم يؤهلها له ، ولا يحاول أن يستر عجزه ، وإنما يسعى بكل جد إلى استكمال ما ينقصه .
واليوم حين أعرض هذا البحث في مشكلة التغيير من خلال قوله تعالى :
« إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم » الرعد – 11 - .
أكتب وأنا معتقد أن إدراك المسلم لهذه القضايا ، يجعله يقبل على ما بين يديه من وسيلة موجودة بكل صبر وجد واستمرار ، دون أن يتمكن أحدٌ أن يصرفه عن غايته ، لأنه يعرف ماذا يعمل ، وأين يؤدي عمله . وكلما اكتسب من سعيه موجوداً جديداً لم يكن عنده ، زادت طمأنينته ، وخرج من الحيرة التي يعيش فيها ، حيث كان ينتقل من سراب إلى سراب ، ويقضي شبابه في هذه الحركة ، التي تشبه حركته من أصابته لوثة ، ثم يركد ساكناً بعد أن يئس دون أن يكون قد خطر في باله أن الدراسة الصابرة تفتح أبواباً للعمل لا ينتبه إليها عادة .



حتي يغيروا ما بأنفسهم

حتي يغيروا ما بأنفسهم
اسم الكتاب : حتي يغيروا ما بأنفسهم 
                        بحث في سنن تغيير النفس والمجتمع

اسم المؤلف: جودت سعيد
عدد الصفحات: 184


الطبعة الأولى : 1392 هـ – 1972م
الطبعة الثانية : 1395 هـ – 1975م
الطبعة الثالثة : 1397 هـ – 1977م
الطبعة الرابعة : 1398 هـ – 1978م
الطبعة الخامسة : 1400 هـ – 1980م
الطبعة السادسة : 1404 هـ – 1984م

مقدمة

الطبعة الرابعة
بسم الله .. الحمد لله . وسلام على عباده الذين اصطفى ..
سئلت عدة مرات بعد ظهور هذا الكتاب سؤالاً محتواه :
إنك لم تبين سنن التغيير ، ولا كيف يتحقق التغيير ؟
إن هذا السؤال يحتوي ضمناً على التسليم بأن هناك سنناً لتغيير ما بالنفس . وهذا التسليم يعتبر خطوة هامة – مع اعترافنا بتفاوت درجاته – سواء ساهمت قراءتهم لهذا الكتاب بهذا التسليم ، أم لم تساهم .
وربما كان أهم ما يتوجه إليه هذا الكتاب ، الوصول إلى هذا الاعتراف ؛ لأن جهد الإنسان لتحصيل شيء ما ، لا يحصل إلا إذا سلَّ أولاً بإمكانه .
ويشتمل موضوع التغيير على جوانب :
1- هل التغيير ممكن ؟ وإن كان ممكناً فهل له سنن ؟
2- كيف أغيرِّ ؟ أو كيف يحدث التغيير ؟
3- ماذا أغيرِّ ؟
هذا وقد كان هدف هذا الكتاب يتوجه إلى الموضوع الأول مباشرة ، وإلى الموضوع الثاني تبعاً ، وإلى الثالث ضمناً . وليس بين الموضوعين الأول والثاني فاصل دقيق ، لأن التسليم بإمكان التغيير لا يأتي إلا إذا لاحظ أمثلة في كيف يتم التغيير ..
فإذا أمكن للإنسان أن يلاحظ التغيير الذي يحدث في الواقع ولم يعرف سنن هذا التغيير ولا كيف يحدث … إن هذا يمكن أن يؤدي به إلى الجبرية والحتمية التي تستبعد سلطان الإنسان على هذا التغيير ..
إن مثل هذا التسليم بإمكان التغيير ، وأن له سنناً ، لا يؤدي إلى فاعلية الإنسان ، إلا إذا شاهد الدور الذي يمكن أن يقوم به الإنسان .
وللإجابة عن السؤال الأول : يكفي أن نلقي نظرة إلى واقع البشر لمشاهدة التغيير . ولعلنا نسمع يومياً حديث الناس بشعورهم بالتغيير سواء في إمكانات الناس الاقتصادية والصناعية أو في التغيير الأخلاقي الذي يلاحظ بين الأجيال ، إذ أن هذا التغيير مشاهد …
أما كشف أن هذا التغيير خاضع للسنن ، وأن الإنسان له سلطان على ذلك ، فهذا يحتاج إلى جهد أكبر . وميزة ابن خلدون أنه لاحظ أن لهذا التغيير سنناً ، فقد تحدَّث عن الأجيال الأربعة في نشأة الدول وانهيارها ، ولكن ابن خلدون لم يلاحظ إمكان السيطرة على هذه السنن . وأما الكشف العلمي بأن هذه السنن تخضع لسلطان الإنسان بشكل من الأشكال ، فقد تنبه إليه في العصر الحديث إنسان محور واشنطن – موسكو ، قبل غيره .
لقد كان جهدي كله في هذا الكتاب ينصبّ على بيان أن وظيفة تغيير ما بالنفس هي وظيفة الإنسان . وتفسير الآية التي هي عنوان الكتاب ، كان يدور حول هذا الأساس .
والجواب عن السؤال الثاني هو : لم يكن الموضوع المباشر للكتاب أن نتحدث عن كيفية التغيير .. إلا أن الأمثلة التي ذكرت في فصل ( العلاقة بين سلوك الإنسان وما بنفسه ) . وهذا الموضوع هو لبُّ المشكلة ، وهو تحصيل العلم وفتح الأسماع والأبصار لتحصيل أفكار موضوعية عن أسباب الأحداث والتغييرات ، وهو موضوع رؤية آيات الله في الآفاق والأنفس .. أي إحداث مواقف جديدة برؤية جوانب أعمق وأوسع للأحداث .
إن كل فكرة وخبرة تُقدَّم للإنسان ، تؤثر في موقفه . وهذا هو التغيير ، فكل صورة تُعرض على الأبصار ، وكل خبر يُعرض على الأسماع . يهدف ولو ضمناً إلى تغيير موقف ، أو يُحدث بالفعل تغيير موقف … سواء كان هذا الموقف إيجابياً أم سلبياً ؛ وإنما يتجلى الحذق في إعطاء مواقف أسلم وأيسر .
وأما جواب السؤال الثالث ، فهو يشبه الإجابة عن سؤالك : « ماذا أصنع من الحديد بعد أن أعرف صناعة الحديد؟ » . وبالنسبة للمسلم ؛ فإن كل أحلامه أن يغير وضعه ووضع العالم الإسلامي . فهو عموماً يعرف – أو يدَّعي أنه يعرف – جواب السؤال الثالث ، فهو يعرف ماذا يريد ، ولكنه يجهل كيف يحقق ما يريد … لذا عليه أن يتعلم ذلك ؛ وهذه الحاجة هي مصدر السؤال الذي ينبئ عن شعور القارئ بالحاجة إلى المزيد من الوضوح والبيان .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .
جودت سعيد
25 شوال 1389 هـ
27 أيلول 1978م